|
الحس الروائي ـــ طلعت سقيرق
يبقى الأديب حسن حميد مدهشاً في كتاباته القصصية والروائية إلى الحد الذي يجعلك تسأل بأي حبر يكتب وكيف تستطيع أفكاره أن تحلق بكل هذا العلو دون أن تكبو –لاسمح الله- وإن لمرة..وقد كانت روايته "أنين القصب" التي طبعتها دار الفكر مع تكريمه من قبلها على إبداعه، رواية الحياة الحافلة بالتفاصيل الصغيرة الكبيرة لمسيرة شعب فلسطين، وكأنها جاءت لتكمل مسيرة الأديب حسن حميد الروائية حين انفصلت ظاهرياً عن سابقاتها من الروايات، وارتبطت حقيقة وواقعاً بكل رواية.. وكأن هناك خيطاً يمتد من أول رواية ليحيط كل رواية لاحقة بمتابعة البناء ورفع القامة لتصير الروايات في تتابعها أشبه بالملحمة التي تحكي شعب فلسطين وترويه وتداخله وتعايشه وتحتفي بكل تفاصيل حياته.. فحسن حميد الذي يعطيك في كل رواية جديداً مختلفاً مغايراً متقدماً في البنية وا لتشكيل والموضوع والشخصيات والأحداث، يربط بشكل خفي بين الأعمال كلها بطريقة ساحرة تجعلك تحلق في عالم من الإدهاش والقدرة على الجذب والإمتاع وتقديم المفيد البناء.. ومن يقترب من حسن حميد كاقترابي صداقة مداها سنوات طويلة، يرى إلى هاجس هذا الأديب وتوجهه الكلي نحو مطالعة كل شيء والتزود بثقافة عالية لا تنضب.. فهو قارئ يدهشك باتساع اطلاعه، واتساع ثقافته، واتساع تجربته الإبداعية.. يكاد يقرأ كل شيء.. وقدرته على المحاكمة مدهشة، فهو يعرف كيف تكون القراءة زاداً لا يمكن لأي كاتب الاستغناء عنه.. ولا تخدعنه الكتابة البراقة، فهو أشد الناس حرصاً على تناول المفيد وطرد بل التخلص من الزوائد التي لا تبني ولا تفيد.. لذلك نجد "أنين القصب" وكل رواية من رواياته عالماً لا يحد ولا يمكن أن يوضع في قبضة اليد.. فهو منتبه لكل حدث وكل شخصية وكل حركة في بنية النص.. وهو منتبه لما كتب من قبل ولما يكتب من جديد.. وهو الحريص على تطوير أدواته بسرعة مذهلة.. فكل رواية تأتيك بمالم يكن في الرواية السابقة.. وكأن الكاتب مشغول بل مصر على التطوير الشامل.. فلا تجد تطويراً جزئياً على حساب جزء آخر.. التطوير عند حسن حميد يشمل الرواية كلها.. الشخصية عنده تتطور.. الحدث يتطور.. الوصف يتطور... البنية الفنية تتطور.. الصور تتطور.. كأنه عالم يغلي بالجديد، مما يجعلك تسأل: كيف له أن ينتبه كل هذا الانتباه لما كتب من روايات في أمسه ولما يكتب من روايات في يومه وغده.. والجميل بل الرائع في شخصية حسن حميد أنه أكثر الناس حباً وصفاءً واندفاعاً وتشجيعاً لكل موهبة تحمل روحاً محلقة.. وأكثر الناس حدة ومواجهة للأدعياء والمدعين.. فهو يريد أدباً نظيفاً راقياً عالي القامة.. ولا يريد أدباً يموت مع لحظة مولده..
|