|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مهام ثقافتنا أمام الأعاصير ـــ د.خير الدين عبد الرحمن تلاحقت أحداث وتطورات أوضحت أكثر مغزى ما بلغته استباحة أمتنا بالتدخل الأمريكي السافر في مناهج التعليم لدينا ومحتويات كتبنا المدرسية وقوانينا وفي عمل المرجعيات الفقهية الدينية، لدينا بل وفي نصوص وتوجهات خطب الجمعة أئمة المساجد في عدة دول عربية وإسلامية، ناهيك عن مراقبة الإنتاج الأدبي والفني وما تنشره مؤسساتنا الإعلامية من إنتاج مقروء ومسموع ومرئي، والاعتراض على إنتاج أدبي أو تلفزيوني، بما تجاوز الهيمنة على الثروات وعلى سياسات وقرارات أكثر حكوماتنا إلى مسخ وتغيير خصائص هويتنا ومعتقداتنا وسلوكنا وحياتنا اليومية، أمة وأفراداً. ماكان هذا ليحدث لولا الانقسام المتشرذم للنظم والنخب العربية على أسس قطرية وفئوية تغلب التناقضات الثانوية على التناقض الرئيس، وتقدم مصالح ذاتية صغيرة تافهة على إجماع الأمة وحقوقها والإرث والمصير المشتركين. ماكان هذا ليحدث لولا الإفراط في القمع الذي مارسته عقليات متخلفة قصيرة النظر في عدة أقطار عربية، استمرأت السعي إلى مسخ الفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين خدماً في البلاط أو السراديب، ورسمت الدور المسموح به لهم في حدود المهرج أو المخبر أو كاتب الفتاوى المعلبة المتقافزة بين النقيض ونقيضه لتناسب مزاج السلطان المتقلب ورغباته. لقد توسعت مناطق تحريم التفكير والتعبير، بحيث باتت خيارات المفكر والمثقف تقتصر على الخضوع القسري والنفاق الرخيص، أو الانزواء والاحتماء من البطش بالابتعاد عن الشأن العام، أو حتى الهرب من الوطن بديلاً لمواجهة غير متكافئة يهدده فيها التجويع والتشريد والقتل، تجديداً لمأساة الحلاج ومحنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد في سياق علاقة مريضة ما بين السياسي والثقافي، بعدما أساء سياسيون لأنفسهم وللمجتمع إذ عدوا الثقافة الانتقادية أو الاحتجاجية خروجاً على النظام والقانون (!). دفع هذا النهج السقيم بكثيرين للانزواء أو الهجرة أو إطلاق توتراتهم بالعنف بديلاً لانكفاء ذليل. لا نغفل كذلك المستوى الخطير الذي بلغته الأمية في المجتمعات العربية، بما في ذلك الأمية الثقافية التي تعاني منها نسبة عالية متزايدة من المتعلمين والخريجين الجامعيين، إذ تفاقمت السطحية والابتذال وتسليع الإبداع والتبعية الثقافية متعددة الأشكال، بما قتل روح الابتكار والتطور ويمسخ هوية المجتمع وفاعليته. لا نغفل أيضاً التدمير الذاتي الذي مارسناه طويلاً بلا وعي على مستويات متعددة. تتحمل السلطة الحاكمة والمثقفون والساسة والمجتمع بأسره مسؤولية علاج هذه الظواهر الخطيرة عبر توحيد الجهود، لا تكريس التنافر والتباعد. صحيح أن طبيعة السلطة وأجهزتها متمركزة لا تحتمل سوى النزر القليل من الحركة والمرونة، بينما تزخر الثقافة والحضارة بالتفاعل والتبادل الفكري والحركي والانطلاق في آفاق وسعت الانفجارات المعرفية ووسائل الاتصال والتواصل الإنساني مداها على نحو هائل، لكن الصحيح أيضاً أن التوازن في العلاقة المتبادلة في إطار هذا التناقض، وعلى الرغم منه، قد سمح بتعايش مبدع بناء في حالات مجتمعات كثيرة. وإذا كانت السلطة بطبيعتها لا تتنازل عن شيء من سطوتها إلا تحت ضغط ما، ولا تعيد بعض ما حجبته من دور ومسؤولية إلا بمقدار ما يحتاجه درء خطر يهددها، فمسؤولية المثقفين العرب مضاعفة لتدارك الوضع. يشتد إلحاح المهمة في ظل أوضاع عاصفة تهدد باجتثاث دول وإمبراطوريات. تحدث بعض المنظرين الأمريكيين مؤخراً عن بعد رابع للسيطرة الأمريكية على العالم هو البعد الثقافي، يضاف إلى الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية. وقد شدد بستر ثرو، أبرز منظري العولمة الراهنة، أن "الثقافة الأمريكية ليست الثقافة المهيمنة، بل هي الثقافة الشاملة". أخذت السيطرة الثقافية الأمريكية شكل تدخل سافر وقح استغل حاجة مجتمعات إلى التغيير والتصويب والتطوير ليفرض توجهات وإجراءات وفلسفة وقيماً تجعل الغزو الثقافي الذي كثر الجدل بشأنه واقعاً صارخاً يصر على استسلامنا وارتهاننا. لهذا تستدعي المواجهة العربية مشروعاً ثقافياً تجديدياً يستهدف الأمة بأسرها، منطلقاً من حاجات غالبية الناس، فلا مجال لثقافة محايدة أو مترفعة عن هموم الأمة ومآسي المجتمع. لا يمكن أن يتم تجديد أي ثقافة إلا من داخلها، مهما بلغ مدى تفاعلها مع الثقافات الأخرى، وهو تفاعل رأى محمد عابد الجابري أن آلية التأصيل الثقافي التي تتيح الانفتاح على منجزات الحضارة الغربية ومفاهيمها الفلسفية والعلمية وتكريس أساليب البحث العلمي ومناهجه نظرياً، والتحرر وتعزيز الاستقلال بما ينسجم مع خصوصياتنا ويفي حاجاتنا المستقبلية، تشكل إطاره الملائم. لا يعني التأصيل الثقافي نقل واستنساخ الأفكار والمفاهيم، بل استنباتها في تربة أصيلة تقربها إلى رؤانا وتربطها بتصوراتنا الفكرية والروحية (1). تفرض الحاجة إلى مثل هذا المشروع الثقافي العربي أولوية البعد الإنساني /الثقافي/الاجتماعي للتنمية التي طغى على مشاريعها عملياً بعد مادي اقتصادي لمصلحة قلة غنية متحكمة. لعل من أهم غايات هذا المشروع التأسيس لنسق قيم إيجابي يلتزم مرجعية أخلاقية /شعبية/ عقلانية تنطلق من الذات الحضارية للأمة، وتحترم صفات مطلوب توفرها في المثقف: وعي شامل وقدرة على الالتزام بما يقول ويكتب، وتأثير فعال في مجتمعه وما وراء مجتمعه، وشجاعة الممارسة الدائمة للنقد الذاتي جنباً إلى جنب مع ممارسة نقد الآخرين. أي الخصال التي اشترطها بول بوفيه في المثقف المسؤول، لدى وصفه إدوارد سعيد في كتابه "إدوارد سعيد ومهمة الناقد": الاتساع والعمق في المعرفة، والرصانة التاريخية والأكاديمية، والبعد الأخلاقي والقيمي في الموقف السياسي الذي لا تقوم حضارة بدونه. آن الأوان لتصويب معادلة التواصل والتفاعل البناء مابين التراث والبناء المستقبلي، ومابين الذات الحضارية والعالم الخارجي، لتستعيد الأمة مناعتها وتفجر قدرات الإبداع لديها، مقاومة الجمود والانغلاق والتبلد والانهيار وما يقابلها على ضفة الفشل الأخرى من انبهار بالآخر وتبعية وتقليد واستلاب له وإحباط واستسهال التذرع بالعجز والاستسلام للتجزئة والتفتيت والغزو. وبحيث تسقط كذلك البدائل المهينة التي حاصرت المثقف بين استقالة من الذات وخيانتها، أو الانكفاء والانزواء السلبي، أو الكمون المتحفز لقفزة في المجهول، أو الارتهان للسلطان، أو الهروب من الوطن، أو التنكر للذات الحضارية للأمة والانسلاخ منها. بغير هذا يزداد اضطراب حركة الفعل المجتمعي والفكري والسياسي وعجزها عن فهم المشكلات الحضارية الراهنة والتعامل مع التحديات الخارجية والداخلية، إذ يتجمد المعيار الفكري الذاتي، ويندفع الواقع العربي في حركة تطوره الذاتي إلى التيه، ويصبح مستباحاً أكثر لجذب مراكز التأثير الخارجية. يبدأ قيام المثقف بواجب الدفاع عن الأمة واستنفار مقومات الهوية لحماية ذات أمته وأصالتها ووجودها الحضاري ووحدتها ودورها الإنساني وتحصينها ضد الغزو والتفسخ والتحلل القيمي والأخلاقي والبنيوي من استعادة الوعي بالذات والثقة بها، وتكريس احترام البحث عن الحقيقة. مسؤولية العقل النقدي المستقل ذاتياً ووظيفياً عن ضغط مؤسسته السياسية-لا عن الالتزام والاهتمام السياسي- أن يفرض احترام استقلاله ودوره في إضاءة مواطن الخلل واقتراح الحلول لتصويب الأداء، دون خشية بطش غبي أو ضغوط مراكز قوة ونفوذ. وكلما توفرت حرية الفكر تصبح مهمة العقل النقدي أكثر سهولة، وتصبح قدرته على الإسهام في الإصلاح والتصويب أكبر فعالية. إن مسؤولية المجتمع في هذا الصدد أساسية لضمان توفير هذه الحرية إزاء مفارقة ارتفاع مستوى الحرية أيام الخضوع للاستعمار الأجنبي مقارنة بمآلها في ظل بعض أنظمة مابعد الاستقلال! إن احترام دور العقل النقدي شرط رئيس لتحقيق الانتصار العربي الأكبر على الذات، أي علاج مواطن الخلل والقصور والتقصير فيها، شرطاً مسبقاً ورديفاً للانتصار على العدو الغازي. إنه الخيار الثالث الصائب في علاقة الثقافي بالسياسي المتأرجحة بين نقيضين مدمرين: إفراط في إدانة السلطة وتحميلها كل الأوزار، أو إفراط في تقريظها وتبرير تسلطها وفشلها. ترتبط فعالية العقل النقدي ارتباطاً وثيقاً بالبحث عن الحقيقة كما هي، لا كما تريدها سلطة أو جهات صاحبة نفوذ. هنا تلتقي شكوى مطاع صفدي من "افتقاد ثقافتنا العصرية من تقاليد البحث عن الحقيقة، من عدم الشعور بالحاجة الوجودية بعد اكتشاف الحقيقة"(2) مع شكوى نبيل علي من بطء حركة أمتنا في عالم صار سلسلة لا متناهية متسارعة الإيقاع من جولات الهدم وإعادة البناء، بحيث جعلنا جوعى للحكمة والمعرفة ونحن غرقى في بحر المعلومات والبيانات، عالم بات يغص بالاحتمالات والتوقعات واللا يقين، إلى الدرجة التي أصبح الإنسان معها يخشى النجاح قدر ما يخشى الفشل(3). هوامش: 1-محمد عابد الجابري، المثقفون العرب في الحضارة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1995. 2-مطاع صفدي، أزمة الفكر العربي مع منهجياته، الفكر العربي، بيروت، حزيران 1978، ص 31. 3-نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، عالم المعرفة، الكويت، كانون الأول 2001، ص 13. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |