جريدة الاسبوع الادبي العدد 1046 تاريخ 10/3/2007
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشعوبيَّة الجديدة ـــ خليل محمود كركوكلي

من الجزيرة الخضراء المُجاورة لعراق المحبَّة والفداء أرسلُ رسالة الحب والصدق والوفاء أكتب بدمي وشرايين أخوتي الشهداء أحبَّتي أحبَّة الوطن الحبيب فلسطين، العراق في بسمات الأطفال المُتفائلة في غزة المحررة بدماء الشهداء، ونظرات الشيوخ الحكماء، ببأس فدّاء أمين لله للوطن الحبيب، نرتاح إذ نراكم يا أخوة العناء والفداء تعملون بروح المحبَّة والعطاء لتحقيق الأمل والرَّجاء لعراق محرَّرٍ يرفل بالحق والعدل والحرية والإحسان والرخاء.

إنكم تدورون كالصقور في سماء العرب، تنقضون حيناً مهاجمين غربانها غرباءها، تنتشلون أحياناً أخرى من لهيب النار طفلاً يحترق وغريقاً يستغيث، تطمئنون الخائف القلق تؤملون المرأة الحبلى بفجر جديد لتكون الولادة عراقاً جديداً موحداً قوياً سعيداً مصاغاً بأيدي الفدائيين والمخلصين من أبناء العراق المجاهد العظيم.

إن الأيام القادمة حُبلى بمواليد من أخوات الخنساء وخولة وفاطمة ومواليدهم، يرسمون بالدم طريق الحق والعدل والحرية والإحسان في دستور حقيقي حقاً تكتب بنوده المشرقة حكمة الشيوخ الأتقياء الأنقياء المظهرين مفاسد دستور الأعداء المراد للعراق، وهو دستور برايمر رقم /2/ وهو الذي يسعى له الأعداء ويطبل له العملاء والمتآمرون.

دستور عراقنا معروف جدّاً مُنزَّل من السماء منذ أكثر من 1426 هـ هو قرآن حق وعدل وحرية وإحسان، وهذا الدستور أنزله الله تعالى بلغة العرب مكرماً لأمة العرب في سورة يوسف: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)(2) وأوضح أن أمة العرب هي أمة الإسلام جميعاً بسورة  الأنبياء: (إنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون*92). وقد بين الوحي الكريم أن تقوى الله والاعتصام به أفضل من التفرق شيعاً وأحزاباً، وأشار بوضوح أنَّ الأحزاب تؤدي إلى الفرقة، فكل حزب بما لديهم فرحون، وهم عن ضلالتهم وجهلهم يدافعون كما قال في سورة /المؤمنون/: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون*51 فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُراً كلُّ حزب بما لديهم فرحون*52).

وإذا نظرنا للواقع اليوم نرى الزبر الأحزاب المتقطعة والمنفردة والمتناقضة فيما بينها، ونرى كلاً منهم فرحاً برأيه جهلاً وخطأً، بينما الله عز وجل يدعوهم جميعاً للوحدة في ظل راية الإسلام الجامع للآراء الصحيحة الهادفة أهدافاً نبيلة لكلِّ الإنسانية روحاً وجسداً مادةً ومعنى يخصُّ المؤمنين بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى في سورة آل عمران: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون*102 واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون*103 ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون 104).

ولابد أن نرد رداً حاسماً على الشعوبية الجديدة التي تريد الإنقاص من قدر العرب والمسلمين عموماً مدعية الفدرالية الإمبريالية الصهيونية وهي تلبس أثواب الحرباء ألواناً برَّاقة خادعة فالعراق العربي المسلم يقسم فدرالياً أمريكياً صهيونياً إلى كانتونات تناسب رغبات المستعمرين وحجتهم هذا شيعي وآخر سني وذاك كردي ورابع تركماني وخامس وسادس.... الخ ليكون الوطن العراقي فتاتاً على مائدة اللئام كيف شاؤوا وهم يستخدمون العملاء والأذلاء ممن جاؤوا على ظهر دباباتهم وطائراتهم أما العراق فقد كان ويبقى عربياً مسلماً موحداً بكل أطيافه والقرآن الكريم مصدر تشريعه الأساسي وما يناقضه مرفوض شكلاً ومضموناً، أما الحكم الذاتي والإدارة المحلية موجودة فعلاً منذ العصر الإسلامي الأول بقوله تعالى في سورة الشورى: (والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون*37). فالعرب السنة والشيعة والأكراد سنة وشيعة عاشوا آلاف السنين بعراق واحد وما محاولة الفدرالية الأمريكية الصهيونية إلا لإيجاد ظروف جديدة قسرية تحدث الأسباب والمبررات لبقاء الدولة الصهيونية في فلسطين العربية المسلمة على أساس أنها يهودية بين مسلمين شيعة ومسلمين سنة وأكراد منهما ومسيحيين بمذاهب متعددة وتركمان... الخ وغيرهم والجميع يراد لهم أن يكونوا شعوبية جديدة، تمزق بلاد العروبة والإسلام كل ممزق، فالبلد الصغير المتآلف المتعارف بأمر الله يصبح متعدداً متناقضاً من الناحية الفعلية يربط بالإدارة الأمريكية الصهيونية أكثر من ارتباطه بعاصمة الوطن العراقي أو السوري أو العربي أو التركي أو الإيراني الإسلامي، وهكذا يصبح شرق أوسط كبير متعدد متناقض تابع خوفاً وخضوعاً لهيمنة العولمة الأمريكية الاستبدادية ومركزها إسرائيل في المنطقة العربية والإسلامية عموماً فانتبهوا يا أولي الألباب.

إن العروبة والإسلام منهج واحد كالشمس شروقاً يشرحه شعاراً وعقيدة فالركن الأول من أركان الإسلام هو: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فالله توحيد وإطلاق وتنزيه عن الشبيه والشريك والولد بقوله تعالى بسورة الإخلاص: (قل هو الله أحد*1 الله الصمد*2 لم يلد ولم يولد*3 ولم يكن له كفواً أحد*4) ومحمد صلى الله عليه وسلم الرسول الأمين وهو من صفوة قريش العربية فهو العربي الأصيل نسباً وحسباً ليس انتساباً أو تعريباً، فليسأل المنكرون الجاحدون حق العروبة. لماذا اختار الله محمداً العربي الهاشمي القرشي لرسالته الأخيرة الجامعة، أما كان يستطيع هو العلي القدير أن يرسل من الأعاجم آنذاك من فرس وروم وآخرين وكانوا على درجة عالية من القوة والكثرة ولهما دولٌ كبيرة حاكمة.

القرآن الكريم يبين تفضيل لغة العرب والأمة العربية على غيرها بقوله تعالى في سورة فصلت: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمىً أولئك ينادون من مكان بعيد*43) ويشرح القرآن بوضوح أن الذين يعرضون عنه لا يعقلون ولا يسمعون فالصراحة والصدق صفتان بعيدتان عن الكافرين والمشركين والمنافقين قال تعالى في سورة فصلت يبين ذلك: (حم*1 تنزيلٌ من الرحمن الرحيم *2 كتابٌ فصلت آياته قرآناً عربياً لعلهم يعقلون*3 بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون*4).

إن الله عز وجل أنزل القرآن عربياً إذ عد أن الأمة العربية هي لبنةٌ الإسلام الأولى وهي المؤهلة لحمل ونشر رسالة السماء الجامعة الخاتمة ونرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لسلمان الفارسي: (سلمان منَّا أهل البيت) فقد ضمَّ الرسول الصحابي الجليل سلمان إلى بيته وهو الفارسي الأصل، فالتقوى هي أصل الانتماء قبل النسب المادي العرقي والقومي هكذا هو الإسلام.

وهذه هي أمته العربية المسلمة، فجلُّ المسلمين قولاً وعملاً بالواقع هم عرب بالانتساب الروحي المقدم عقيدة على كل صلة وانتساب مادي، وقد أوضح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذه الصلة الروحية الشاملة بقوله: (العربية منكم ليست بالأب ولا الأم من تكلم العربية فهو عربي) وتكلم العربية أي عاش الحياة العربية المسلمة، فصلى وصام وأقام الأحكام وجاهد في سبيل الله وحج البيت وحلل الحلال وحرم الحرام موحداً ربه طالباً الرحمة والغفران من الله الغفور الرحيم الرحمن، يفعل هذا كله وإن كان لسانه في بادئ الإسلام لا يتكلم العربية، فما من مسلم إلا يحب قراءة القرآن، لأنه يعد شفيعاً للمسلم يوم القيامة، وهذا معناه حب العربية والعرب أمتها وأساسها الوطيد الأول.

فليعلم كل المتفيقهين من بعض أهل العمائم واللحى وغيرهم ممن يدعي أنه بروفسور أو دكتور في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع أنه ينقصه الكثير ويجهل أكثر مما يعلم ويطلب العفو من الله مراراً بقول أبي نواس:

فقل لمن يدعي في العلم فلسفةً

 

 

حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء

لا تحضر العفو إن كنت أمرأً قدراً

 

 

فإن حضركهُ في العقل إزراءُ

أما أمة العرب فقد اختارها الله من بين الأمم لحمل رسالة السماء وقال مادحاً لغتها المفضلة لديه على لغاتهم في سورة النحل: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين*103). وقد جعل الله تفاضل الناس بالتقوى دون إنكار حق القلة مهما قلت ولا القبول بغلبة وأحقية الكثرة مهما زادت وطغت ولا يقبل اعتزاز متعصب متغطرس بالأصل أو القوة بقوله تعالى: (بئس مثوى المتكبرين) وقوله تعالى: (إن العزة لله جميعاً)، فالتفاضل بالتقوى وهي الأعمال الصالحة والأخلاق النبيلة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فهي السبيل لبناء الحياة الإنسانية الراقية.

إن الأخلاق الفاضلة سمة التقوى وهي سند الحضارة الإنسانية إنها حضارة الإسلام، لنسمع ونقرأ ونتمعن ونتذوق روحياً وأدبياً وفكرياً آية التعارف الإنساني بقوله تعالى في سورة الحجرات: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثمٌ ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم*12 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير*13). ودعا إلى الجهاد وعدم مهادنة الكفار وعدم الشك بالمؤمنين المجاهدين بقوله تعالى بسورة الحجرات أيضاً: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون*15) فهل يدرك الكارهون لأمة العرب حاملة الراية الإسلامية، أن العروبة والإسلام منارة واحدة تعطي للإنسانية جمعاً أشعة الضياء تنشر الحق والعدل والإحسان والوفاء موحدة لربها مضحية في سبيل الله، إنها العروبة المسلمة الأمينة المكلفة بنشر نور الله نظام رب العالمين، أليس الله بأحكم الحاكمين.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244