جريدة الاسبوع الادبي العدد 1046 تاريخ 10/3/2007
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

إدوارد سعيد... رواية للأجيال": التأمل قبل التأويل ـــ جعفر العقيلي

لم يحظ مفكر عربي معاصر بمثل ما حظي به الراحل إدوارد سعيد من إجماع على طروحاته المفارقة التي ظلّت –وما تزال- مدار حديث العامة والخاصة على حد سواء، منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، والمتأمل بما قدمه سعيد للمكتبة العربية، وقبل ذلك العالمية، يلحظ اهتمامه الكبير بفكرة "العالمية" أو "الكونية"، وهو الاهتمام الذي شكل مرتكزاً أساسياً في فكره وحياته أيضاً. وفي سياق القراءات المتتالية لفكر إدوارد سعيد الكوني، ومتابعة أطروحاته الفكرية ذات السمة الشمولية، يأتي كتاب "إدوارد سعيد.. رواية للأجيال" للناقد د.محمد شاهين، الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2005)، مشتملاً على مجموعة من المقالات التي كتبها شاهين عن إدوارد سعيد على مدى عقدين من الزمان، وفي مناسبات مختلفة، ونُشرت في عدد من الملاحق والمجلات الثقافية.‏

وكانت أولى هذه المقالات، هي تلك التي سجلت اللقاء الأول بين شاهين وإدوارد سعيد في صيف عام 1983، في ندوة نظمها الطلاب العرب في جامعة أكسفورد تناولت "اجتياح إسرائيل لأراضي لبنان"، وكان سعيد أحد المتحدثين فيها. أما آخر المقالات فهي "الثقافة الإمبريالية.. أجندة خفية وعَوْدٌ على بدء" والتي توضح موقف سعيد من الثقافة الإمبريالية عبر تقديمه قراءة شمولية لرواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد، إذ يرى سعيد أن كونراد قد أبدع فيها بتصوير بشاعة الاستعمار بوصفه سلطة مهيمنة.‏

وفي سياق حديثه عنه، وكأنما يرسم له بورتريه من قرب، يرى شاهين أن إدوارد سعيد يشكل ظاهرة قابلة للتأمل أكثر منها للتأويل، ذلك أن فكره ثنائي التركيب يظل مفتوحاً على العالم بعيداً عن أحادية المكان أو الزمان. ولعل من أبرز ملامح هذه الظاهرة، بحسب شاهين، أن إدوارد قد حوّل ذاته الفردية إلى ذات جماعية التحمت بفلسطين وقضيتها، وارتقت بها إلى أعلى درجات التمثيل؛ فلم تعد فلسطين مجرد قضية لاجئين شُرِّدوا من ديارهم، ولا هي فقط فلسطين بحدودها الجغرافية والتاريخية، وإنما هي أبعد من ذلك، فقد نجح سعيد في وضع فلسطين على خارطة العالم، ولعل أروع مافي إنتاجه الفكري أن معارف الكون قد تحولت على يديه إلى أدوات طيّعة تُشهد العالم على ما حاق بفلسطين من ظلم.‏

ويعرض شاهين إلى أهمّ أفكار سعيد التي ظهرت في كتاباته، سواء مقالاته التي نُشرت في أشهر المجلات والصحف العالمية، أو كتبه، ومنها: "بدايات: المقصد والأسلوب" (1975) وهو كتاب يبحث في الوصول إلى البداية في العمل الفني وخصوصاً في الرواية، ويتتبع الأعمال الفنية عند بداية تكوينها في خيال الفنان، وقد مثّل هذا الكتاب أول إنتاج علمي جذب أنظار المفكرين والقرّاء أيضاً، إلى إدوارد سعيد، وجعلهم يترقبون إنتاجه العلمي في حقل يشهد تنافساً متزايداً لكثرة ما يُكتب فيه. وبظهور كتابه "الاستشراق" (1978) الذي تُرجم إلى عدة لغات، ذاع صيت إدوارد سعيد، وأصبح في تعداد المشاهير من المفكرين المعاصرين، على مستوى العالم، وهو ما كشف عن الاستمرارية التي تميز منهجه الفكري منذ كتابه الأول. إذ يلحظ المتابع لإنجازاته، أنه ينهي كل عمل علمي يفرغ منه بطرح أسئلة يقوم بمحاولة الإجابة عنها في العمل الذي يليه، فكتاب "الاستشراق" مثلاً، يستعرض الأسئلة التي وردت في نهاية "النهايات"، وهي تلك التي تتناول العلاقة بين الهيمنة الثقافية لأمة متقدمة في عالم الفكر من جهة، وبين القوة التي تنبع من تلك الهيمنة والتي تستخدمها تلك الأمة لبسط نفوذها على أمة أخرى أقل حظّاً منها، لظروفٍ مختلفة، من جهة أخرى.‏

وقد أبدع سعيد، وفق مايرى شاهين، في كتاب آخر هو "المسألة الفلسطينية" الذي يُبَيّن فيه للقارئ الغربي على الأقل، أن القضية هي في الدرجة الأولى قضية الأرض والوطن، قبل أن تكون أي شيء آخر، مستخدماً فيه الحجة البسيطة والقوية في آن، والتي لا يرقى إليها الزيف. وهو كتاب يؤكد إيمان سعيد بما يكتبه، وقدرته على تبيان ما يعتقد أنه الحق، والدفاع عنه باستماتة.‏

وثمة كتاب رابع لسعيد يتوقف عنده شاهين، وهو "الأدب والمجتمع" الذي عرض فيه سعيد العلاقة بين الموضوعين؛ الأدب والمجتمع، بأصالة علمية وفهم عميق لأكثر النظريات الأدبية التقدمية. وهناك أيضاً كتاب آخر بعنوان "تغطية الإسلام" الذي يرصد فيه النظرة الغربية المجحفة للإسلام كما تتمثل في وسائل الإعلام الغربية. أما كتاب "العالم"، النص، والناقد" الذي نشرته جامعة هارفارد، فيبحث في العلاقة المعقّدة بين النص الأدبي والناقد والقارئ.‏

ويستعرض شاهين الهجمات التي تعرض لها إدوارد سعيد وواجهها بصلابة منذ أن بزغ نجمه في أواخر السبعينيات، من قبل عدد من المغرضين الذين لايريدون له ولا للحقيقة أن يريا النور، ولعل أبرزها تلك الهجمة التي اشتد أوارها حين أصدر إدوارد سعيد مذكراته "خارج المكان"، وكان من الطبيعي أن تروي المذكرات حكاية فلسطيني فقد وطنه أو حكاية وطن فقد أهله، ومن الطبيعي أيضاً أن يجد عمل إدوارد سعيد هذا من يتصدى له كما في حال أعماله السابقة. وهكذا واكب ظهور هذا الكتاب عاصفةٌ هوجاء أثارها عدد من المتعصّبين والمتطرفين المتصهينيين وأنصارهم، وعلى رأسهم جستس فاينر. إذ يعمد فاينر، إلى التشكيك في علم إدوارد سعيد ومعرفته كما فعل أسلافه لوس وجلنرن، حسب، وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث زعم بأن سعيد لم يعش في القدس قبل عام 1947، ولم يدرس في مدرسة سينت جورج، متّهماً سعيد بتلفيق سيرته الفلسطينية. لكن هذه الهجمة وغيرها من الهجمات الملفقة ضد سعيد فنيت مع الزمن، كما يؤكد شاهين، وتحولت إلى هباء منثور.‏

ويرى شاهين، أن أطروحة سعيد الرئيسية في كتابه "الاستشراق"، تتلخص في قوله إن معظم ما كتبه الغرب عن الشرق لا يعدو كونه في غالبيته صورة وهمية ابتدعها الكتّاب الغربيون، وهي بهذا تعكس صورة الشرق مصادفة أو عرضاً لا أكثر. وتتكون هذه الصورة من مجموعة من التصنيفات والتنميطات التي تُظهر صورة الشرق من زاوية فهم غربية، وهي صورة افترضت أن الشرق مختزل في كونه شيئاً "غير أوربي". وهي إلى ذلك صورة جامدة، ليس الشرق شاذاً فيها، حسب، وإنما هو غير متغير أيضاً. لقد استشرق الغربُ الشرق من خلال حقول المعرفة بالشرق، وكانت النتيجة أن بات الغرب يمارس من خلال هذه المعرفة قوته وهيمنته على الشرق.‏

وإذا كان إدوارد سعيد، كما يوضح شاهين، قد استطاع بمهارة فائقة، أن يكشف النقاب عن الصور الاستشراقية بطريقة علمية تحليلية توثيقية بيّن فيها كيفية استخدام المستشرقين للخيال، فقد قدم الطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال" صورة فنية رائعة، تصور نظرة الغرب للشرق باتجاه معاكس. ولو كان في خطة إدوارد سعيد مثلاً أن يضمّن كتابه رداً على الآخر، لحظيت "موسم الهجرة" وصاحبها باهتمام شديد في خطاب "الاستشراق" عند إدوارد سعيد، لكن تركيز سعيد كله كان منصبّاً على الاستشراق، لا على الرد عليه.‏

وفي شهر حزيران من العام 1993 قدم إدوارد سعيد ست محاضرات على مدى ست أسابيع ضمن أشهر سلسلة محاضرات في بريطانيا (محاضرات ريث). وقد حظيت هذه المحاضرات، كما يبيّن شاهين، باهتمام جماهيري واسع، وتمّ جمع نصوصها في كتاب. وقد طرح سعيد فيها مفهوم الثقافة والمثقف ضمن المفهوم الشامل للإنسان، وهو مفهوم نجم عن اعتقاده بأن الإنسان كائن فاعل ومنتج للثقافة وملزم بتفعيلها في المجتمع. إن الثقافة عند إدوارد سعيد، كما يرى شاهين، هي فكرة في الأساس، لكنها ليست أيّ فكرة؛ إنها ترتبط ارتباطاً عضوياً بالحرية، أي أنها فكرة حرة، ولو افتقرت الفكرة إلى الحرية لأصبحت بلا أي مضمون، ولضاع معناها إلى الأبد. وأكبر دليل على ذلك أن الاستعمار في حد ذاته فكرة، لكنها فكرة موجهة صاغتها أذكى العقول الأوربية.‏

إن سر "الكاريزما" التي تمتع بها إدوارد سعيد حسب شاهين، تكمن في أنه كان يرفض بدايةً أن ينقسم العالم إلى غالب ومغلوب، ظالم ومظلوم، مستَعمِر ومستَعمَر، مغتصب لفلسطين ومطرود من وطنه فلسطين، إلى آخر ذلك من الثنائيات المتناقضة، وهو لايكتفي بدراسة صورتها ووضعها بطريقة فلسفية فكرية، بل إنه يرينا الأذى الذي يحيق بالعالم ومن فيه من جراء هذا التباين، ويبين كيف أن هذا التقسيم لا يخدم إلا الشر وحده.‏

لقد قوّض إدوارد سعيد بخياله الخصب وأفكاره النيرة، مشروع الغرب التنويري، هذا المشروع الذي قوامه العقل والليبرالية الإنسانية التي سوّقها العالم الغربي على مدى قرون من الزمن على أنها دعائم حضارة إنسانية خالدة. وقد عبّر سعيد عن مواقفه من الأجندة الخفية للثقافة الإمبريالية في مناسبات عدة، وخصوصاً في كتابه "الثقافة والإمبريالية" الذي يعد تتويجاً لمنجزاته الفكرية، حيث بيّن فيه كيف أن الغرب الاستعماري وظّف الثقافة الغربية، خصوصاً الإنجليزية والفرنسية منها، سلاحاً يحمي الاستعمار، بل ويجعل استمراره شرعياً، فكما كشف سعيد عن كيف أن الاستعمار الغربي سطا على الشرق في "الاستشراق"، فإنه أكمل دائرة الممارسة الاستعمارية بكتابه "الثقافة والإمبريالية" ليبين كيف أن الغرب استثمر ثقافته أيضاً في بعث صورة مشرقة عن نفسه، هي في الواقع الصورة نفسها التي تسلّح بها في تصويره للشرق: صورة الأنا الفوقية، مقابل صورة الآخر الدونية.‏

وبعد، فإن إدوارد سعيد، ظل مؤمناً بأن العيش في هذا العالم لا يتحدد بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا بين الظالم والمظلوم.. ولا تحدده تلك المنظومة التي تدّعي أن البقاء للأصلح. لهذا كانت صيحته الشهيرة التي أطلقها في وجه العالم: إن الطرف الأول في هذه الثنائيات المتضادة لا يحق له أن يستمر في هيمنته على غيره، وإن الطرف الثاني لا ينبغي له السكوت على ماهو فيه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244