|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
النص المسرحي الطفلي بين آفاق التأليف والقراءة الإخراجية ـــ هيثم يحيى الخواجة إذا كان العرض المسرحي هو الصورة المتكاملة لتعاضد النص المؤلف مع القراءة الإخراجية، بل وتماهي إبداع التأليف مع إبداع الرؤية الإخراجية... فإن لكل سماته وأصوله وقوانينه وتقاليده الخاصة به والتي تميزه وتؤطره ضمن ما يسمى الإبداع المسرحي بمختلف أشكاله وصوره. ولئن أضفنا إلى ذلك ما يتعلق بخصوصية مسرح الطفل فإن الصورة تغدو أكثر دقة وأشد خصوصية. وسأحاول في هذه المقاربة للموضوع المطروح أن أتوقف عند بعض هذه السمات والخصوصيات لعلي أساهم في توضيح الصورة الجلية للعرض المسرحي الطفلي الذي كان وما زال خاضعاً للتجريب ولرؤيات جديدة طالما إن الطفولة تتطور بفعل تطور الزمان والمكان وبفعل ازدياد الوعي لدى الطفل نتيجة المخترعات الحديثة التي أثرت بشكل كبير وقوي على المجتمع بفئاته كافة. الديكور في العرض المسرحي لا يختلف أحد من متلق وناقد وباحث ومسرحي حول أهمية الديكور في العرض المسرحي سواء أكان للكبار، أم للصغار، وما دام حديثنا ينحصر في الحديث عن مسرح الأطفال، فإن ديكور العرض المسرحي الطفلي يختلف عن ديكور المسرح المتوجه للكبار، ولئن كان الفن لا يتجزأ والإبداع لا يمكن التخلي عنه في فن من الفنون فإن الخصوصية تندرج في إطار الفن ومن ضمنه الفن المسرحي. ولما كان الديكور يعتمد فيما يعتمد على الرسم فإن الحديث عن الرسوم في الديكور الموجه للأطفال يغدو ضرورة طالما إن الكثيرين لا يولون الرسم واللون في الديكور المسرحي الطفلي أهمية. إن فن رسم الأطفال فن رهيف يخضع لأحكام شديدة قد يوافق عليها البعض وقد يخالفها رسامون آخرون أو على الأقل يخالفون بعضها بنسبة ما. يقول بيكاسو إنه أمضى خمسين عاماً كي يحسن الفن كما يحسنه الطفل الصغير، ولما كان الفنان الذي يرسم لوحات الديكور يحاول الاقتراب من ذهن الطفل وفهمه ووعيه، ويعمل على إثارة مشاعره وإمتاعه فلابد أن يراعي أسلوب الطفل واتجاهاته. إن الاقتراب من لغة الطفل التشكيلية ليس بالأمر السهل باعتبار أن الطفل يربط بين عقله وقلبه، وهذا الارتباط يعكس انسجاماً على رسوماته وإنتاجه، من خلال فطرة بعيدة المدى وعميقة الغور. إن المتلقي (الطفل) قادر على إحصاء موجودات المسرح والتدقيق بمفاصل لوحات الديكور كلها ويستطيع أيضاً اتخاذ المواقف منها وتحديد علاقاته بالرسومات وأبعادها ولا يهتم بحالة السريالية أو العبث التي يمارسها بعض الفنانين لغرض ديكور لا يحبه أو لا ينسجم معه.. ويمكن الاعتراف بأنه قد يحبط أو يكبت لفترة معينة، ولكنه سرعان ما يتلخص منهما (الإحباط والكبت) خاصة إذا وجد من يحاوره، ويقف إلى جانبه في ميوله وعواطفه. ولا ريب بأن مراحل النمو تمثل الأساس في كشف المعالم الفنية وفهمها والامتزاج معها، وهذا يعني أن آلية التفكير عند الطفل تفتح آفاق الاستيعاب على مصراعيها نظراً لأن وعيه يتطور مع نموه ونمو ثقافته، وهذا يقودنا إلى أن ديكور طفل المرحلة العمرية ماقبل المدرسة يختلف عن ديكور المرحلة العمرية الثالثة والرابعة مع أن عناصر التلقي التي لا تختلف تتمحور بالمتعة والبهجة والدهشة بمعنى أن الرموز في الديكور الذي قد تنعدم في مرحلة رياض الأطفال والمرحلة العمرية الأولى وقد تظهر بشكل بسيط ومتدرج فيما بعد. ذلك لأن الطفل في مرحلة رياض الأطفال يرسم في الغالب تعبيراً عن إحساسات كافية ثم ينتقل إلى مراحل أخرى تبدأ بالخطوط والأشكال الحرة، ثم بعد ذلك يدخل مرحلة الإدراك الشكلي التي تنتج عنه مراحل متطورة كثيرة فيما بعد إلى أن يرسم الشجرة شجرة والبيت بيتاً والنهر نهراً والسيارة سيارة وغير ذلك. إن رسومات الديكور التي تمنح قطعة وألوان مشاهد بصرية معبرة عن روح الفن ومرتبطه بفكرة النص هي التي تمتع الطفل وتشده مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطفل يكره اللون الأسود والرمادي والألوان القاتمة عموماً ولا يظن مهندس الديكور والرسام بأن الطفل (المتلقي) لا يدرك حركة الخط وليونيته وانسيابيته وإيقاعاته... لأن الطفل ذكي جداً ومرهف الإحساس ويميل لكي يعيش مناخات العرض الذي يحضره حتى وإن بدا لك يلهو عن العرض، فإن ذلك يعني أنه لا يعرف مايدور حوله وإن فاته أي شيء فإنه يظل يلح على رفاقه وزملائه لكي يرجعوه إلى النقطة المركزية في الوصف... وإن سأل سائل حول تكريس المنطق الواقعي في رسوم الديكور فإنني أصل إلى عدم إهمال هذا المنطق في المراحل العمرية الأولى والتدرج في اللعب في ساحة اللوحة وتكريس الإيحاءات البصرية بشكل بسيط ومختصر. إن العمارة الداخلية لديكور مسرح الأطفال تحمل علاقات مهمة ومتشعبة، فإذا كانت علاقاتها ذات صبغة شمولية، فإن مهامها تبدأ من الرسوخ والعطاء والإقناع، وتنتهي بالدلالة لخدمة النص المسرحي والأفكار المطروحة فيه، ولهذا فإن رسام لوحات الديكور يجب أن يكون فاهماً للنص المسرحي وواعياً لأبعاده وأهدافه حتى ينطلق عمله من قاعدة حب العمل وفهم ما يريده المؤلف، وكلما أحب مصمم السينوغرافيا النص ازداد ثقة بنفسه بأنه سيقدم عملاً مبتكراً في هذا العرض، وكلما تذكر ضرورة العفوية و الصدق في أي عمل توجه إلى الأطفال بثقة واقتراب من النجاح أكثر وحقق المدى التصويري مع الذي يتطلبه العرض من الرسم فضلاً عن السحر والشفافية والتألق الأقانيم الثلاثة التي لا يمكن الاستغناء عنها لتكون مفردة الديكور متميزة وملائمة لعرض الأطفال. الغناء الموسيقا والرقص يمثل الغناء حالة متفرده لما لها من أثر على شعوره ونفسه، ولما يحرك فيه من مشاعر الفرح والحبور، ولما يثير عنده من اندفاع لرؤية المسرح وما يجري على الخشبة فالإيقاع يستهوي الأطفال، ويقوم بدور هام في التواصل مع الخشبة ونشر السعادة، ولهذا لا يمكن أن نتصور مسرح الأطفال دون غناء ورقص وموسيقا، كما لا يمكن أن تنجح مسرحية لأطفال دون أن تغني بهذه الأقانيم الثلاثة وهذه الأقانيم أو العناصر لا تلقى جزافاً وإنما لابد أن توظف توظيفاً منطقياً بحيث ينبع الغناء من قلب الحكاية وتتماهى الموسيقا مع الأفكار لتحقق الجذب المنشود. ومن الجدير ذكره أن هذه العناصر ليست محددة بفئة عمرية، لأنها مطلوبة في الفئات العمرية كلها، بل لابد من الاعتماد عليها في توصيل الأفكار وتحقيق الهدف الأعلى من النص المسرحي. فالغناء قاعدة أساسية للاستعراض الذي يتطلب رقصاً وموسيقى ولباساً وألواناً وإيقاعات مرقصة. وهذا الأمر يجعل الأطفال تواقين ليس إلى العرض فقط بل إلى الأغاني فيه أيضاً حتى إن الكثيرين يحفظون أغنيات العرض عن ظهر قلب، وهذا يستدعي من الكاتب أن يكتب أغنيات موقعة جميلة ذات هدف وتتضمن معاني تفيد الطفلة وتثري لغته وخياله وتمتعه أيضاً. وغير خافٍ على أحد ما يقدمه الغناء من متع جمالية تعد ضرورية لعالم الأطفال إذ ليس العرض المسرحي مثاليات وتربويات وخطب... إلخ.. إن العرض المسرحي تكوين من نسيج يحتوي التربويات والمثاليات والخيال والمعرفة والعلم والتربية الجمالية التي لا يمكن التخلي عنها. ولابد هنا من التنبيه إلى أن المبالغة لا تحقق الفائدة المرجوة، فعندما ندعو إلى الغناء والموسيقا والرقص، فإننا نؤكد على عدم المبالغة في ذلك، لأن الطفل ذكي وحساس ولا يحب أن يضحك عليه أحد أو أن يقدم له مادة ضحلة لا فائدة منها. هذا ولا بأس من استخدام الحوارات الغنائية التي تستند على الشعر أو الكلام المنثور الموقع، ذلك لأن الطفل يستمتع بذلك ويلاحق الحوار دون ملل أو كلل.. وهنا نشير إلى ضرورة أن تكون الحوارات قصيرة مفهومة بعيدة عن التطويل والسرد المباشر وإلى ضرورة التفريق بين المسرحية الطفلية التي تتضمن الغناء والموسيقا والرقص وبين الأوبريت (الذي هو تصغير الأوبرا) الذي يقوم على الموسيقا والغناء، فالموسيقا تحتل مكانة رفيعة لدى الطفل حتى إن القدماء ظنوا بأن للموسيقا قوى خارقة تؤثر في الطبيعة وفي النفس البشرية وقد اعتمدت الكنيسة في القديم على الموسيقا في الأناشيد الدينية، وهذا يبين أن لها تأثيراً عقائدياً وأخلاقياً في فترة زمنية طويلة. إن عصرنا الحديث الذي شهد تطوراً تكنولوجياً لا حدود له يدفعنا إلى التأكيد على أن طفل هذا العصر لا يمكن أن يستغني عن الموسيقا التي دخلت علم النفس من أوسع أبوابه، كما دخلت عالم الطب وغير ذلك من أمور وفنون وآداب، لأنها من ألصق الفنون بأعماق الذات الإنسانية حتى أن شوبنهاور قال: (الموسيقا لغة الشعور والكلام لغة العقل). وإذا كانت الموسيقى تصقل التذوق وترتقي به، فهي تدخل في نهوض القيم الجمالية والإحساس الجمالي لدى الطفل وهي توازي الخيال والتصوير لأنها تشغل البدن والروح والعقل وتنبش الذكريات، وهي أيضاً تسمو بالذوق والإدراك والفني والعقلي والطفل قادر على فهم لغة الموسيقا كما هو قادر على التفاعل معها وأستطيع أن أضرب مثالاً من ملايين الأمثلة هو أن النمسا لديها فرقة موسيقية من الأطفال حتى المايسترو منهم أيضاً وهي تقدم أعقد الألحان والسيمفونيات والكونشيرتات، فإذا كانت الموسيقى طريقاً لبناء قدرات الطفل الذهنية والفنية والعقلية والجمالية والتربوية فهل يهملها المسرح أو لا يعتمدها وقد ثبت أن مسرح أطفال بلا موسيقا وغناء ورقص أشبه بعصفور بلا روح؟! ويجب ألا ننسى أثر الموسيقا في الوجدان والتربية وتهذيب السمع، وقد أكدت البحوث بأن العقل الموسيقي ينمو في الفترة من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات وهذا يعني أن استخدام الموسيقا في المسرح ليس بقصد المتعة فقط وإنما من أجل التطوير والتعلم خاصة وإن الغناء الجماعي ينمي ويشذب ويطور جهاز الطفل الانفعالي ويعلمه على ثقافة التعاون والعمل مع الجماعة. النص المسرحي: لا أبالغ إذا قلت إن النصوص المسرحية التي تتوجه إلى الأطفال حقاً من خلال نظرة شمولية هي قليلة جداً إذ ما أكاد أقرأ نصاً مسرحياً للأطفال حتى أتوقف عند خطابيته أو مباشرته أو لغته أو.. أو.. وهذا يعود إلى أن الكتابة المسرحية للأطفال ليست سهلة وهي بحاجة إلى تراكمية معرفية بهذا الفن إضافة إلى قراءات متوالية للوصول إلى العناصر الرئيسية الناظمة لكتابة نص مسرحي للأطفال. إن النص المسرحي الطفلي الناجح يحمل معانيه الدلالية والرمزية ويستند على التخيل والخيال والواقع الفني والماضي والمستقبل وهو الذي يمنح المخرج فضاء درامياً وبعداً زمنياً ومكانياً ويتجه نحو العمق. هذا ولا يمكن أن نتخيل نصاً مسرحياً طفلياً خالياً من الدراما والفعل، لأن المسرح الحقيقي فعال لا قوَّال كما لا يمكن أن نتخيل نصاً مسرحياً طفلياً خالياً من المتعة والإثارة والإدهاش واللعب والحركة والموسيقا والرقص. وقد يسأل سائل لماذا كل هذا؟ فأجيب لأن المسافات المجردة في النص المسرحي الطفلي لا تقنع الطفل إذا لم تلبس لبوس هذه العناصر، ولأن مسارات الاشتغال على الدراما الطفلية لا تثمر إذا كانت خالية من الجماليات والمؤثرات والعطاءات التي تجذب الطفل. وإذا كان البعض قد اعتمد اللهجة العامية لتقديم مسرح أطفال فإن في ذلك خطراً وأي خطر؟ لأن من مهام المسرح الطفلي تعليمه اللغة العربية الفصحى وإمتاعه بإيقاعاتها وجماليتها والصور التي تفرزها الجمل النثرية والشعرية وبذلك نربط بين ما يتعلمه في المدرسة وبين ما يتعلمه في المسرح، والكاتب المسرحي الذي لا يفعّل لغته درامياً يبتعد عن هذا الفن، وهذا يعني أن الجمل المبسطة المفهومة والموجزة المختصرة والدالة والحية والمفعمة بالصور والمعاني والتي تفجر الأحداث هي المعتمدة في النص المسرحي، لأن حركة النص وحيويته لا تظهر إلا عندما يفجر الحوار الحدث والحدث يفجر الحوار، ولأن ديناميكية النص لا تتربع على عرش الثبات إلا عندما يتماهى الخيال مع الواقع ويبدو الزمن الافتراضي أشبه بالحقيقة.. أما الشخوص فلابد أن تكون نامية محركة للأحداث لها تميزها وتفردها، ولها عمقها ووجودها في المفروضة في النص لكي تطرح قضاياها المعاصرة ولكي تبدو كينونتها واضحة المعالم في حوار النص وأحداثه. إن الشخصيات ترسم داخل النص لكي يعرف المشاهد وظيفتها وعملها وسماتها هذا الرسم يأتي عبر اللغة وعبر المتخيل ومن خلال سريان الفعل المسرحي وتعدد العوالم كي تحكي الفعل الإنساني وتخلق فيه الألق من أجل الوصول إلى الجوهر، وحتى يصل الكاتب إلى عالم الطفل والطفولة لابد من إنتاج نص له خلفياته الكبيرة المستمدة من علم النفس وعلم التربية وعلم الجمال للوصول إلى مستويات الطفل العقلية والإدراكية واللغوية والتخيلية. هذا أمر والأمر الآخر هو أن الطفولة كموضوع في النص المسرحي تحتاج إلى عناصر فنية تلائم هذا الموضوع وتتقبل الطفولة مآسي الواقع ومشكلاته إذا طرحت بشكل مبسط يناسب فكره وتفكيره وإذا غلفت بما يثير الانتباه ويمتع في آن معاً وبذلك ينمو وعي الطفل من الداخل (أي داخل النص) ومن الخارج (أي الطفل المتلقي) ولعل الممارسة الكثيفة لمسرح الطفل كفيلة لحفر مجرى حقيقي وواضح لمتطلبات الطفولة من هذا الفن ولتلمس ما يرغبون وما يريدون منه. النص المسرحي والماضوية: كثر الكتاب المسرحيون الذين يتكئون على التراث ويقدمونه للطفل وجبة عامرة من الماضي، وإذا كنت غير معترض على التراث لأن طفلنا العربي بحاجة كبيرة لأن يتعرف إلى جواهره ومكنوزاته، فإن مايجب أن نركز عليه هو أن الكاتب المسرحي لابد أن يكون انتقائياً دقيقاً بمعنى أن ينتقي من التراث ما يلائم تفكير الطفولة وأن يوظف ذلك توظيفاً فاعلاً ومدروساً أما أن يقتصر على التراث ويهمل الحاضروالمستقبل في نصوصه الطفلية فهذا لا يجوز لأنه يحرم الطفل بذلك معرفة واقعه والرؤية المستقبلية التي هو بأشد الحاجة إليها، وهو عندما يتعرف إلى واقعه يدرع نفسه بدروع تبعد عنه مشاكل هذا الواقع. إن الرابط بين الحاضر والمستقبل في النص المسرحي الطفلي هو المنهج لتحقيق أفق تفكيري سليم ولتلمس الأبعاد المتجانسة التي تشكل فهم الطفل للحياة وتصوغ معرفته المتنوعة والمختلفة، وعندما نهمل ذلك نكون قد حرفنا الفعالية الطفلية عن المسار الذي نريد ولما كان حديثنا يتعلق بالماضوية فإن على الكاتب المسرحي ألا يحصر إبداعه بعالم طفولته لأن طفولته غير طفولة طفل الحاضر وهذا يعني أن النص المسرحي لابد وأن يدور في فلك الطفولة المعاصرة وأن تتأطر أبعاد النص بأطر الحاضر والمستقبل لا بأطر الماضي لأن الطفل يرفض أن يكون مثل طفل الخمسينات من القرن الماضي مثلاً لكونه لا يعرف عنه شيئاً وبهذا فهو يريد أن يرى طفل الحاضر الذي هو من نسيجه يفكر بما يفكر، ويطمح إلى ما يطمح وموجز القول: إن النص المسرحي المتفوق هو الذي لا يظل محكوماً بالتراث بل يتجاوز ذلك إلى الواقع والمستقبل أيضاً وهذا لا يعني أن يتوجه الكاتب نحو العوالم الغربية والمهمشة أو الفنتازية التي ليس لها مستند واقعي أو منطقي بدعوى أنه يجرب أو يحدث أو يخاطب الفكر الطفلي الحديث وإن الكاتب الناضج هو الذي يعرف كيف يتلمس الأفكار الملائمة لطفل اليوم ويعرف كيف يستغل الماضي من أجل الحاضر ويعرف كيف يثير المشاعر ويدغدغ الأحلام وغير ذلك. مسرح الطفل والأسطورة: أهمل كثير من الكتاب المسرحيين الأسطورة فالبعض وجدها زائدة لا لزوم لها والبعض الآخر رفضها مدعياً بأن الأسطورة غريبة عن مجتمعنا العربي وعاداتنا وتقاليدنا وقد ثبت من خلال الممارسة والتجريب بأن الطفل يتقبل الأسطورة وينشد إليها إذا استطاع الكاتب أن يوظفها داخل النص توظيفاً دقيقاً، وهذا التوظيف لا يقتصر على اختصار الأسطورة أو حذف منها ما يجب حذفه وإنما يتجاوز ذلك إلى جعلها في نسيج العمل الدرامي وشحن عناصرها بحركة النص وأحداثه ودراميته وفضاءاته دون إهمال للغة الخطاب التي تستنبط الجوهري من الأسطورة وتدمجه بالرؤية العامة والمفهوم الناظم لتطور النص ونموه درامياً وفكرياً بحيث تلغي كل قطيعة بين الخيالي والفنتازي وبين التاريخي والواقعي وبحيث يبقى فضاء النص مفتوحاً يوازي بين الفعاليات العاملة فيها ويتقبلها بقوة إذا ما أدركت دورها في الاندغام والتماهي. القراءة الإخراجية يتصدى المخرج المسرحي للنص الطفلي دون سابق معرفة بمسرح الطفل أو دون دراسة معمقة لعروض المسرح الطفلي ولست أبالغ إذا قلت إن غالب المخرجين فشلوا في عروضهم المسرحية الموجهة للأطفال ذلك لأن القراءة الإخراجية تحتاج إلى التأني وإلى عمق معرفي في حمل عناصر العرض على تشكيل قصيدة العرض المتألقة فليس العرض رسماً للحركة التي توافق الحوار والأحداث وليس العرض إبرازاً للعضلات وتوضيح المعرفة بالمدارس الإخراجية إنما هو التصدي لإخراج مسرحية طفلية يعني إبداع وابتكار قصيدة مطرزة بالإيقاع وموشاة بالرقص ومزينة باللآلئ ومرسومه بالأفكار والآمال والمشاعر ومتوجة بالفرح والسرور وإن التصدي لإخراج مسرحية طفلية تتطلب أن يهتم المخرج بإيقاع العرض وصدق التوجه وأن يجعل المتعة تنبع من عمق القراءة الإخراجية وأن يخدم الغناء الأحداث والأفكار في العرض وكذلك الرقصات واللعب والحركات، يقول ستانلي هول: ((إن اللعب يعكس الإرث الاجتماعي ويلخص المراحل التي مرت بها البشرية عبر تطورها)) هذا لابد وأن يهتم المخرج بالسينوغرافيا الشمولية اهتماماً استثنائياً دون مبالغة أو تقتير وأن يدرس الزمن دراسة تلائم الطفولة وألا يغرق في الرمزية أو الألغاز أو الأحاجي، لأن طفل هذا العصر يتصف بالذكاء والقدرة على الفهم والتحليل وهو قادر على التمييز ورفض أو قبول ما يقدمه له. ولابد لعرض الأطفال أن يكون بعيداً عن القسوة وعن الوحشية وبعيداً عن التداخل، فالطفل قلما يقبل لعبة المسرح داخل المسرح وهو يكره أن يعكس المخرج منطق الحياة وأن يضحك عليه وأذكر فيما أذكر أن عرضنا للأطفال ألغي بسبب ظروف خاصة تتعلق بالممثلين وهذا الأمر جعل الأطفال يتجمعون معترضين على عدم والوفاء بالوعد. وأذكر فيما أذكر أن المخرج ألبس الخفافيش على خشبة لوناً أسود رمادياً جعل بعض الأطفال يبكون خوفاً ورعباً ولابد لعرض الأطفال أن يبتعد عن الارتجاع الفني لأن الطفل قد لا يفهم ذلك وإذا كان المخرج مضطراً فلابد أن يوضحه بما يلائم الطفل ويناسب فكره. إن عالم الطفل عالم فسيح الأرجاء غني بالمعالم والسمات ولابد للمخرج أن يخضع قراءته الإخراجية للتجريب الواعي ويستنتج من كل عرض استنتاجات تثري قراءته الإخراجية وتدفع مسيرته الفنية إلى الأمام. المهم في النهاية يجب أن يخرج الطفل من العرض وهو يضحك ويلعب وقد أخذ وجبة من الوعي الفكري والثقافي والمعرفي عن طريق اللعب والموسيقا والحركة كما يجب أن يخرج من العرض وقد ازداد حباً لهذا الفن.. والخطورة تكمن في أن يحضر عرضاً ما يخرج منه دون أن يفهم شيئاً أو يتذكر شيئاً أو يؤثر فيه شيء من هذا العرض. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |