جريدة الاسبوع الادبي العدد 1046 تاريخ 10/3/2007
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جولات من حياة المرأة في العالم ـــ جينا سلطان

عمل المرأة أهو رسالة احتجاج، أم أنه مطلب مشروع تفرضه معطيات متكاملة؟ ولماذا يناقش موضوع العمل هذا وكأنه ترف! وهل هو فعلاً شيء غريب هجين يحتاج إلى الجهابذة ليدرسوا أسبابه ودوافعه. قد يكون دخول المرأة العربية سوق العمل أمراً وافداً على الواقع الراهن، إلا أنه لم يكن كذلك في الحضارات القديمة، حين تقاسمت المرأة العمل الزراعي مع الرجل دون أن يلغي ذلك صفة الأمومة والأنوثة، ودون أن ترتفع الأصوات مطالبة بحجبها وعزلها في المنزل.‏

ومع أن التشريعات القديمة-البدئية- حجمت دور المرأة وفاعليته، وحصرته في المنزل: إما كمتاع للرجل، أو لخدمة منزله وتربية أولاده منها والذين ينسبون إليه فقط. إلا أن التطور النوعي في حياة المجتمعات وخاصة وسائل الاتصال التي ساعدت المرأة على استعادة ولو جزء من دورها السابق والحقيقي في المجتمع بصفتها عنصراً أساسياً في عملية بناء الثروة وتشكيل الحياة. وانعكس الأمر حتى على وضعية ربات البيوت إذ بات عملهن المنزلي يعد عملاً حقيقياً يحصلن بموجبه في المجتمعات المتحضرة على نصف ثروة الرجل عند الطلاق.‏

ولعل إصرار الدراسات المختلفة على حصر المرأة في أماكن أنثوية بحتة وفرض العزل عليها، هو ما جعل بوادر التمرد تحتل مكانها على الساحة الجريئة المسماة بالأدب. فمذ دخلت رواية مدام بوفاري لفلوبير، حيز التداول، خطت قضية المرأة أسطر دفاعاتها الأولى، وانتقلت شرارة الثورة لتدخل الأبواب الموصدة بإحكام. لتزداد إشارات الاستفهام والتساؤلات بعد أن كانت سابقاً اتهامات واستنكارات. وتأتي آنا كارنينا لتولستوي لتهاجم التواطؤ الاجتماعي والابتذال الذي يعيق المرأة ويحبسها، ولتصعد الرفض والاحتجاج بشكل درامي قوي يجعل البطلة تختار قدرها بنفسها متخلية عن الاستسلام الأنثوي المعهود والذي كرسته عهود طويلة من الحكم الذكوري. وبذلك نستشف من خلال موقفها كيف بدأت المرأة تتلمس معالم هويتها وغاياتها وذاتها، أي تشعر بكينونتها الخاصة بعيداً عن وجهة النظر البطركية.‏

تكون شخصية المرأة وإحساسها بوجودها كان اللبنة الأولى لدخولها المجال الاقتصادي. ونحن نعثر على صورة أدبية مشرقة وموحية بالأمل الكبير عند مكسيم غوركي عندما اتخذ نموذجه الأنثوي من بطولة أم عظيمة ألهمت بعملها آلاف الرجال والنساء في العالم. فتخرج من عباءتها طفلة في السادسة عشرة تدعى سونيا وهي بطلة الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، ولتفدي بعملها أخوة غير أشقاء وزوجة أب ظلمها القدر. فيتبدى هذا العمل على الرغم من وجهه المظلم خياراً منقذاً ومشرفاً مع كل لا إنسانيته.‏

يوسع الأديب الألماني هاينريش بول مساحة الحرية والاختيار حين يبين مدى قباحة رد الفعل الذكوري في روايته شرف كاترينا بلوم الضائع حين تدفع الضحية ثمن جرأتها وشجاعتها بطريقة تذكر بضعف النساء الجسدي وحاجتهن إلى الحماية الدائمة. ويذهب بول إلى حد اعتبار النساء في "نساء أمام طبيعة نهرية" الماء المطهر الذي يغسل قلوب الرجال من أدران السياسة وقذارتها.‏

الأديبة البريطانية بنيلوب مورتايمر تدخل إلى عمق المرأة في منزلها لترصد مِأزقها، حين تصل إلى طريق مسدود وتدرك حاجتها الماسة إلى نافذة تطل عبرها على العالم من خلال عمل أو مهنة، تحقق لها جزءاً كامناً في ذاتها لا يتعارض مع حقيقة كونها أماً وزوجة.‏

يتجاوز الأديب الفرنسي ميشيل توريني الحد الأقصى حين يعد أن الرجل قد يصبح بحماقته وتهوره أحياناً الوجه المظلم والبشع لما قد تحصله المرأة على غرار القديسة جان دارك، المحاربة الشجاعة التي أعدمت على محارق الساحرات بسبب جرأتها وتميزها.‏

وحتى يوكيو ميشيما عميد الأدب الياباني، لا ينسى أن يجعل بطله كيواكي في الرباعية الشهيرة بحر الخصب، يتقمص في جسد أميرة سيلانية ليبرهن على وحدة الروح الإنسانية وقابليتها المتجددة على الإنجاز الخلاق ضمن المجال الذي يناسبها ويحقق لها في الوقت نفسه المدى الأعظمي في التوسع التجاري والحياتي.‏

وإذا أردنا أن نضيق الدائرة قليلاً لندخل حيزنا الخاص في سوريا، فإننا نجد كاتبنا المميز فواز حداد قد ربط شخصياته النسائية مع الوضع السياسي فتماهت المرأة مع المستجدات آنذاك لدرجة همشت وتلاشت ِأحياناً ما خلا البعض اللواتي رفضن محدودية الدور المرسوم، ليفرضن بصمتهن الخاصة كست الشام المرأة-الحلم، الخارجة من إيهاب قص ألف ليلة وليلة والتي اختارت مصيرها بقوة وشجاعة. ونوال العاملة والممثلة أيضاً، التي انتهزت الظروف وتعلمت معنى التلون لانتزاع الفرصة الملائمة. ولا ننسى سعاد الأرستقراطية المثقفة وصاحبة الصالون الأدبي وكاتبة المقالات الجريئة والتي واكب قولها فعلها.‏

لكن فوز حداد يعد في روايته الضغينة والهوى أن إطلاق حرية المرأة في العمل رسخ عبوديتها، وذلك بمضاعفة مسؤولياتها. وهي حماقة برأيه أنه في سبيل المساواة تخسر النساء أنوثتهن وبالتالي ستفقد المرأة اللغز الذي يحجبها وتصبح مثل الرجل بلا سحر ولا ألغاز!‏

عمل المرأة وحريتها ابتدأ بكلمة لا، انتزعت من خلالها جزءاً من أحقية تكاملها وتواجدها في حيز الكينونة البشرية، ولتتحول هذه اللا إلى وجود فعلي في سوق العمل.‏

*عمل المرأة والسينما:‏

سجلت السينما العالمية والعربية، نقاطاً مضيئة في مسيرة المرأة لاسترجاع حقوقها القديمة الطبيعية، وارتسمت على شاشتها الفضية صوراً متعاقبة لنساء عاملات في المناجم والحقول، مناضلات ومحتجات في المسيرات والإضرابات، طبيبات ومهندسات وصحفيات... والآن سيدات أعمال مشهورات وحتى سيدات قرار!..‏

ولئن تجلى التمرد الأولي بكلمة لا لزواج مرفوض في الأفلام القديمة، فإنه وصل في بعض الأفلام الأمريكية إلى حد انتزاع حق العمل بشراسة في مهنة طالما عدت حكراً على الرجال وهي الملاكمة.‏

ففي فيلم وراء الحبال نرى ابنة أحد الملاكمين المتقاعدين، تتجاوز رفض الرجال واستهزائهم وسخريتهم، لتصل قوة إرادتها إلى حد تعهد ملاكم وتدريبه، أي ما يسمى بصناعة الرجال! ولتتمكن فعلياً من التسجيل ضمن نادي متعهدي الملاكمين ليصار إلى اعتبارها أحد أعضاء النادي.‏

بينما في الفيلم الأحدث فتاة المليون دولار والذي حصد جوائز الأوسكار، نرى الممثلة المتميزة هيلاري سوانك في دور ملاكمة تمردت على واقعها المحروم، والمجرد من كافة فرص التميز ضمن مجتمع استهلاكي يسحق بعجلته كل من يتراخى ولو قليلاً في خدمة آلة السوق الدوارة.‏

تقاتل تلك الملاكمة وتفشل إلا أنها تموت راضية بعد أن استطاعت تلمس فرصتها وإثبات وجودها ومرورها في سجلات الإنسانية من خلال عملها الاستثنائي. فالعمل في النهاية مهما كان متواضعاً هو بصمة الإنسان ودليل عبوره إلى ضفة الحياة الإنسانية الحقيقية. وهو حق مشروع للمرأة مثل الرجل تماماً طالما ملكت الكفاءة المناسبة والتأهيل المطلوب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244