جريدة الاسبوع الادبي العدد 1046 تاريخ 10/3/2007
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

نصف حذاء.. نصف حلم ـــ هزار السقباني

"الفضيلة الآن... هي أن تصنع شيئاً في وقت أقصر مما يحتاجه الآخرون".‏

نيتشه‏

"اليأس.. هو نتيجة كل محاولة مخلصة لعبور الحياة مع الفهم والفضيلة والعدالة".‏

هرمان هيسّه‏

تلفتت بقلق نحو فردة حذائها التي انفلتت من قدمها؛ وهي تحثّ الخطا عائدة.. كان يجب أن تعود قبل انتهاء دقات الساعة.‏

للحظات.. فكرت أن تعود بنفسها –رغم ملابسها التي عادت زرية- وتلتقطها لتوفر على نفسها عقاب خالتها؛ تاركة الأمير والحلم يرحلان في أقرب رحلة فلا يبقى لها منه سوى منديل تلوح به ودموع ترسلها الريح في الجهات، لكنها آثرت أن تتركه لمصيره؛ لأقدار الحكاية؛ كي تغدو النهاية أجمل...‏

ولم تنم تلك الليلة، ظلت تحلق بعينيها وراء حلم سبقها، جر أذيال ثوبه الشفيف على درجات السماء، أضاءها، أحال سوادها زرقة ومضى في علو، هي لن تتبعه بنصف حذاء، ستنتظر حتى يبحث عنها الأمير عن صاحبة الحذاء الحقيقية التي ألبسها القمر ضوءاً والنجوم تاجاً، وحملتها النسمات عقداً من ياسمين ومضت إليه بعد أن قبلتها الملائكة، لن تتبعه بل ستنتظر أن يأتيها الأمير على حصان عجيب يسير بسرعة الضوء حتى يقفو أثر الحلم، لم تنم... ظلت طوال الليل تبتسم للقمر المستدير ويبتسم لها.‏

***‏

صباحاً.. أيقظها صوت زوجة أبيها تحدث جاراتها، قبل قليل كانت معها في الحلم تحاول انتزاع شيء منها، والآن تقول لهن:‏

"هذه الفتاة مخبولة تصحو طوال الليل، وحين أفقدها في النهار أجدها ساهمة".‏

لم تلق بالاً لزوجة أبيها تذيع أنها تسير في نومها، ولم تأبه لكل ما قالته فيها الجارات من نعوت، فهن مجرد مسكينات يثرثرن، قول واحد فقط شدَّ انتباهها، مدهش أن تسخر إحداهن كل ما وهبت من ذكاء لتفسر فيه سر جمال سندريللا، ودفء نظرتها، جسدها المطرز بالياسمين، وإشراقة الربيع في ابتسامتها بأنها سحر مسها به القمر. ابتسمت، وبلطف وحنين رتبت فراشها مناجية "أنت إذاً بساطي السحري، أنت رفيق أسفاري" بينا هي تبحث في ثناياه عن شيء اعتادت أن يوضع لها فيه: فأر، قنفذ شيء من هذا القبيل، لتطلق سراحه وتهبه حريته.‏

يبدو الأمر مختلفاً هذه الأيام... كان يحدث قبلاً أن تفاجئها زوجة أبيها حين تلقاها متباطئة فتؤنبها، وتقسم لها الأيمان المعظمة لئن عثرت على الشحاذ "عطية" المجذوب الذي كان يتجول في الحارات قبل سنوات لتزوجنها له، هي عادتها الصمت، ولكن لأنها لا تحب الاستهزاء بأحد تقول بشبه عناد: "كلنا مجاذيب، أليست تجذبنا الأرض، إنما يبدو لنا مسكيناً من يؤخذ بجاذبية علوية"... ثم تؤثر الصمت متجاهلة قول خالتها: "خذوا الحكمة.....".‏

الآن.. حالَ توترها دون سماعها كل تلك العبارات المألوفة لزوجة أبيها أو لصديقاتها الثرثارات.. كانت منشغلة مترقبة، تقلب إبرة المذياع بين محطة وأخرى وتصيخ السمع لنشرات الأخبار وتختلس اللحظات من وقت تنظيفها المنزل لتقلب عناوين الصحف.. كانت مترقبة إلى حد أنها ذهلت عن سماع فيروز، والبلابل التي تحبها عند نافذتها كل صباح، وغفلت عن إطعام فئرانها ودجاجاتها وقطها، كما غفلت عن صوت عطية الشحاذ الذي عاد يصدح في حارتهم.. لم تنتبه لأي شيء.‏

مؤلم هذا الترقب، الصباحات عادة تخرج من عتم الليل، بعد شيء ليس بالمعركة تماماً، هو شيء يشبه الولادة، ولكن.. الشفق الأحمر من أين؟ من الذبيح الذي بذل قرباناً للشمس؟‏

أيضاً الأنفاس المحترقة تخنق الأحلام، تملأ هواءها بدخان أشرعة محترقة، أشرعة كانت تمخر عتم الليل وتبحر مثلها نحو القمر، لهذا.. كانت تحاول جاهدةً أن تكتم أنفاسها.‏

وأخيراً.. بهدوء وصمت وضعتها، وضعت الصحيفة جانباً لتضع حداً لانتظارها، بعد أن قرأت نبأ هلل له الجميع:‏

لقد عثر الأمير على فتاة أحلامه التي تتطابق مواصفاتها مع ما أعلن عنه عبر الأقمار الصناعية سابقاً والتي يطابق مقاس قدمها مقاس فردة الحذاء التي بقيت بحوزته هو...‏

لم يعان الكثير في بحثه فقد قامت بذلك نيابة عنه شبكة الانترنت، وللسرعة والضرورة تم اختيار الأميرة بالقرعة من بين مجموعة فتيات متشابهات محشوات بالسيليكون ومنحوتات وفق المقاييس المطلوبة؛ وتملك كل منهن فردة حذاء مماثلة لفردتها..‏

أما سندريلا.. فلم تكن تملك اتصالاً بشبكة الانترنت، ولم يكن قمرها صناعياً، ولم تكن قادرة على دخول قصر الأمير ذي الأسوار العالية التي تفصل زمنها عن زمنه، والبوابات الكثيرة الرهيبة التي تعمل إلكترونياً وتعجز عن تفسير لغتها وهي تحاول بشتى اللغات الإنسانية التي تعرفها أن تقول بأنها صاحبة الحذاء الحقيقية..‏

... كل محاولاتها؛ زحفها، نبشها الأسوار بأظافرها بحثاً عن منفذ؛ باءت بالفشل فهي لم تكن تملك سوى زوجة أبٍ ضربتها على قفاها بنصف الحذاء المتبقي لأنها أضاعت شيئاً كان يمكن أن يباع بثمن جيد؛ وحلمٍ نصفه مضيء كانت قد علقته على قمر كسير وأغمضت عينيها عليه قبل أن تغلق الحكاية وتنام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244