|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قمر فوق صناعي ـــ وجدان يوسف أبو محمود قمر لم تنم بعد، لكنها هكذا.. تحب أن تغمض عينيها لتحلم. وقبل أن يكتمل الحلم باعدت جفنيها عن قزحيتين صافتين، ثم حبت قليلاً حتى تمكنت من تدثير إخوتها، فأمها ليست حاضرة لتفعل، لقد اصطادتها رصاصة، رصاصة واحدة لا تتعدّى طول إصبع. مشت على رؤوس أصابعها، قرّبت إناء الزهر منها، وعاودت مسحهُ، فعلى الرغم من أن نقوشه أوشكت على التلاشي إلا أنها ظلت تلمّعه منتظرةً أن يخرج من فوهته طيف إبراهيم، الطيف لم يخرج، ومع هذا لم تجزع، فإبراهيم بشحمه ولحمه سيجيء غداً، سيملأ إناءها ورداً، وسيجلب معه ابتسامات كالسكر. من شقّ في الباب تسرّبت أذناب البرد، عبثاً حاولت أن تستفزّها، لم تدرك أية حصانة تمتلك، إذ لا زال صوته العذب يتدفق في مسمعها، لينساب دافئاً في أوردتها مكسباً إياها الحرارة. حين يذكر اسمه تفهم كيميائية الفرح، وتصير قادرة على الطيران، وحده يبتكر أمانها، كيف لا وقد عاهدها يوماً على جمع رصاص الدنيا، ودفنه تحت التراب تماماً حيث انتهى جسد أمها... **** كان جالساً على حجر، ليس أمامه أكثر من شجرة مبللة وآثار أقدام خطت في الطين. بندقيته مستلقية بين ذراعيه، وشريكه في الحراسة مشغولٌ بإشعال سيجارته. لم تكن لهفة إبراهيم لتخطي الوقت بهذه الحدّة من قبل، فقد بلغ انتظاره للشمس أن صار يتوقع سطوعها فجأة... واندلاق نورها فوق السواد، حيث أنّ طلوعها وحده يعني بدء إجازته. الحقيبة التي هيأها تنتظره في خيمته، وإلى جوارها زهرتا نرجس واقفتان في كأس من الماء. حين بدأ يغني استطالت النجوم الخافتة، وارتخى وتر السماء، ولولا ما حدث بغتة لاشتعل فتيل ذكرياته حتى آخره، فما إن انتفض صاحبه متأثراً بما رأى حتى أطلق هو الآخر سبابته إلى الزناد. المنظر المريب أخذ يتضح، لقد تمكنا من كشف هوية الأشباح المتقدمة نحوهم، إذ سرعان ما تبين لهما بأنهم رجالٌ حلفاء. الخفقان الذي مس قلبيهما، دهشتهما، كل ملامحهما فضحت قلقاً عظيماً. غاصت أقدام الوافدين حيث توقفوا في الوحل، وشرحت نبرات أصواتهم سرّية المهمة، وأوامر يحملونها في حناجرهم. صاحبه الذي صرخ: (خذوني أنا) كان قد سلسل في رأسه عشرات التفاصيل، استعاد لوهلة تلك الجلسة، ساعة تحول حديث السمر مع بعض الرفاق إلى إعلان أفكار، فأصرّ أحدهم على أنّ طلب الموت يوهب الحياة، جميعهم وافقوه عندها، وأخفضوا رؤوسهم للمبدأ المقدس، واحدٌ فقط اعترض، الفتى الأصغر سناً... الذي لم يمض على التحاقه بفصائل المقاومة سوى أيام تجرّأ وبثّ كلامه بثقة: (هذا لا ينطبق عليّ، لأني أمسك بالموت من عنقه ولن أطلب غير الحياة)، وقتها ضحكوا عليه، وأعابوا بقسوة طراوة عوده، لكن الأيام ما لبثت أن أثبتت شيئاً غريباً، فذاك الشاب المدعو إبراهيم أمسى مثلاً في الضراوة، كائناً شرساً يبتلع المرّ، حتى بات إقدامه يغفر له من القول ما شاء. نعم كفارس يتصرّف إلا أنه يتكلم مثل طفل بصدق وحرية، يُشعر من معه أن العالم سينقلب خلال يومين ليصبح عشّاً للفرح وللناس الطيبين، لقد غدا وجوده لكثيرين محرضاً لإدرار الأمل. ليس بمتعلم، ولكنه شديد الاهتمام بأمور تمس حياته، فتراه يفتش عن غدٍ أجمل في السياسة والتكنولوجية والفن وفي كل ما يمكن أن يخطر على بال، وبالمحصلة تبقى المطالبة بالحياة لديه بحجم الحياة نفسها. عندما صاح صديقه للمرة الثانية: (خذوني أنا) أدرك إبراهيم جيداً أيّ عمليةٍ أوكلت إليه، فإخراج سيّارة عسكرية من ثكنة إسرائيلية يعني الانتحار. على الرغم من محاولة الرجال تهوين الأمر عليه، بإقناعه أن الوضع مدروس، وأنّ تعليماتهم ستضمن حياته، إلا أنهم استسلموا أخيراً إلى مقولة الأعمار بيد الله. لحظة أخبروه أنّ الشخص الذي خططوا معه للتنفيذ قد أصيب وأنه الآن البديل الوحيد صمت، لمع في ذهنه وجه خطيبته قمر، إذ طالما خبّأت دمعاتها لحين عودته، وجمعت ضحكاتها لحين عودته، نارٌ شبّت في صدره، دوارٌ أطاح باتزانه، للمرة الأولى يتخيل أنّ الشمس لن تشرق ومع ذلك فعلمهم بخفته واندفاعه وإجادته للعبرية، وثقتهم المطلقة فيه لم تترك أمامه فرصة للرفض. **** ساعات الفجر الأولى... -في الخيمة حقيبة لا زالت تنتظر وكِأسٌ فيه ماءٌ وحسب، على بابها حارسٌ واحد تفشي عيناه المحمرّتان أنه قد بكى. -على الرغم من ملامحه العربية إلا أن اللباس العسكري الذي ارتداه لم يثر شكوك أحد. كان يتقصّد أن يطأ الأرض بخطواتٍ ثقيلة، وأن يضربها بعنف لدرجة أنّ أحداً في العالم لم يكن ليتصور كيف تخبّط خافقه في صدره، فالهدف سيارة مركونة في محيط الثكنة. اقترب، تسلل كما لو أنه طيف، وانسلَّ كقبضة هواء هائمة، حين شغل المحرك احتُّبست كل أنفاسه لتنفرط دفعة واحدة بمجرد أن تحرّكت العجلات المطاطية، كلما اجتاز بضعة أمتار تفاقمت في رأسه أكثر صورٌ لأناس يعرفهم، أناسٌ شهد خروجهم من منازلهم ثم أعادهم على كتفيه في نعوش. هذي القدس...، بحرٌ من السحب في الأعلى، وريحٌ يحركها ورق الزيتون، وطريق سرّاني يوصل إلى الله. هذي قدسه الأولى صارت خلفه، خلع عليها روحه قبل أن يغادرها، لكأنه خاف عليها، وعلى نفسه من فراق أخير. ابتعد أكثر، المقود تحت يديه، وعيناه تراقبان المرايا بحذر. لم يتمكن مؤشر السرعة من ضبط قيادته المعبأة بالذعر وبالغصّات، فهو يقدّر جيداً أنّ فعلته ستكتشف في الدقائق المقبلة، هذا إن لم تكن قد اكتشفت وانتهى الأمر، لذا قرر أن يفرّ من موتٍ آتٍ. انحرف شرقاً، واستحضر الأوامر مجدداً في ذهنه، دنت رائحة الصحراء منه، لكنه لم يكترث، بدا كمن يتتبع إشارات خاصة.. ناعمة.. نفاذة.. تقود إلى الحياة، أحسّ بوقعها في قلبه كما لو أنها تنبعث من قلب قمر.. قدسه الأخيرة. -عمت الفوضى في الثكنة، أخبارٌ عجيبة تناقلتها الألسن، يقولون أنّ مجهولاً اقتحمها، وسرق منها ماهو أكبر من علبة سردين، لقد اختطف سيارة دفعة واحدة، وخرج بها على الملأ ودون أن يعترضه أحد. الفكرة اللا معقولة هزت رؤوسهم، لم يتصوروا كيف تجرّأ واحدٌ من أولئك الذين بالكاد يجيدون قيادة البغال على ذلك. استنفروا طاقاتهم كلها، إذ لم يرق لهم تقبّل الصفعة ببساطة. توعّدوا للمجرم الخطير بشرِّ عقاب، سينزعون أظافره، ويفتتون عظمه، سيصعقون بالكهرباء جسده حتى يعترف، لابد أن يقرَّ بالجماعة التي يعمل لصالحها كي يتسنى لهم إبادتها عن بكرة أبيها، أما إذا فكر أن يتكتم فسيفقد أعضاءه الواحد تلو الآخر. كانوا يخطون لأسلوب تعذيبه حتى قبل أن يقبضوا عليه، فلم يساورهم أدنى شك في إمكانية النيل منه. اتفقوا على أنّ ذلك الفاعل المغفل قد جنى على نفسه، ولكنهم في الوقت ذاته لم يفوّتوا غلطتهم الكارثية، حيث كان بإمكانه أن يُفجّر السيارة أو يحرقها أو حتى أن ينفذ التخريب الذي يريد داخل المنطقة العسكرية على اعتبار أنه نجح في اختراقها، وبما أنه لم يفعل فالقضية كلها ظهرت وكأنها رسالة تهديد، وتفسيرها الوحيد هو أنَّ القادم أعظم. سارعوا بتقفي أثره، لقد تحوّل عندهم إلى نقطة حمراء على شاشة الحاسوب لا أكثر، وذلك كونهم يربطون جميع آلياتهم بنظام تحديد المواقع الجغرافية (GPS) عن طريق أجهزة متصلة مباشرة بأبوابها، لترسل الأجهزة أمواجاً محددة إلى قمر صناعي، تمكنوا خلال وقت قصير من معرفة مساره بوضوح، فالنقطة الحمراء اتجهت يساراً، ثم توقفت فجأةً وكفت عن الحركة بشكل نهائي. هللت وجوههم، أدركوا أنّ ذلك الجنّي العربي قد اخترع لنفسه مصيدته. أشاروا للمنطقة بكل دقة، ومن بعدها وجهوا إليها قوّاتهم، واستدعوا طائرتين من أسطولهم الجوي العظيم. انطلقت المدرّعات بالسرعة القصوى، وما إن وصلت حتى طوقت المكان. القوة الإسرائيلية العملاقة التي قدمت على جناح الحضارة ستشفي الآن غلها من متطفل جرّب مسّ جبروتها. (لا تقتلوه، نريده حياً) هذا ما هتف به أحد الضباط، شرعوا بتضييق الحصار، السيارة حسب معلوماتهم موجودةٌ خلف التلة المقابلة، ولأن ما من أحد استطاع أن يقدّر فيما وقوفها كل تلك الفترة، فقد قلقوا بعض الشيء حيال أن يتركها سارقها محاولاً الفرار، لذا أعطيت الأوامر للعناصر بمداهمة الموقع. بثقة وحقد انقضوا على المكان، وما إن فعلوا حتى كانت الصاعقة... ... والمفاجأة... أنه لا توجد سيارة ولا لص ولا أي مخلوق يتنفس. أسكرتهم الصدمة، حتى كادوا من خيبتهم أن يحفروا الأرض، فلا يمكن لقمر صناعي أن يخطئ، وكيف يفعل و(ماما أمريكا) هي من أطلقته. مشطوا الأرض جيداً، لم يقبلوا ما حصل، وإنما بحثوا عن حلٍ مقنع للغز المعقد. خطر لهم بعد يأس أن يكون الفاعل مشعوذاً يتقن التخفي، غير أنهم مالبثوا أن وقعوا على التفسير الحقيقي، فقد عثر أحدهم على باب السيارة مرمياً في الجوار، وعلى الجهاز الذي أرشدهم معلقاً فيها... كان إبراهيم قد غيّر اتجاه مسيره منذ فترةٍ وجيزة وذلك بعد أن خلع باب السيارة، وتخلص منه، لأنه أحسّ بالريبة نحوه، لقد أزال شكّه فيه بإزالته كله، وكيف لا يشك فيه وهو المهتم بأمور تمسّ حياته!.. خلف المقود أشرقت ابتسامته، وعلى المقعد المجاور نامت زهرتا نرجس، فكلُّ مافي الأمر أن وجه قمر قاده، فمضى نحوه... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |