|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
سقوط في بئر الخرف ـــ جمانة طه أيقظتني حركة مترافقة مع همهمة في مكان ما من المنزل، وليس فيه سوى أبي وأنا. انتفضت واقفة على قدمي. مشيت أستطلع الأمر، الممشى فارغ لا حس فيه ولا أنس. وصلت إلى غرفة المعيشة، وجدت كل شيء فيها على حاله. مررت بغرفة أبي ولم أفتح بابها لكي لا أفسد رقدته. ضحكت من قلقي، فما سمعته ليس غير تهويمات في حلم مزعج. أدرت ظهري باتجاه غرفتي، فاستوقفني صوت حركة خارجة من المطبخ. اقتربت، صار الصوت أوضح. اقتربت أكثر، لمحت خيالاً يتحرك. تتابعت طرقات قلبي خوفاً، لحظة، وانكشف الخيال عن قامة أبي. هرعت إليه مندهشة: ماذا تفعل في هذا الوقت من الليل، لماذا لم توقظني لأحضر ل???ا تريد؟... كان زا?غ??لنظرات، وبدا كأنه لم يسمعني استجابت يده ليدي، مشيت به إلى غرفته، أدخلته في سريره، دثرته وأطفأت النور. تصرف أبي أوجعني، وردني إلى أحداث جرت منذ أيام ولم أقم لها وزناً. وذلك حين عجز عن تذكر اسم أجير السمان، الذي يتردد علينا كل يوم. يا الله، ماذا يجري مع أبي؟.. بقيت هذه الكلمات تطرق عقلي، وأنا أحاول نوماً جفاني. *** قال لي طبيب العائلة، بعد أن فحص أبي، من الناحية السريرية، حالته جيدة. لكني أفضل أن تعرضيه على طبيب مختص بالأمراض العصبية. أما طبيب الأعصاب، فقال: والدك يعاني من تعثر في الذاكرة، أو ما يسمى حالياً بمرض الزهايمر. قلت: هل هو بسبب التقدم في العمر؟.. فقال: التقدم بالعمر أحد الأسباب، وليس كلها، فقد يصيب هذا المرض الشباب أيضاً، كما أن الوراثة تلعب دوراً في بعض الأحيان. -ماهو السبب؟.. -يصاب المريض بالزهايمر بسبب نقص في إحدى المواد البروتينية التي تضبط الاتصال بين خلايا المخ، فتسبب تفسخاً في أنسجة الدماغ واهتراء في نهايات الأعصاب. -وهل له علاج؟.. -للأسف لا. لم يتوصل العلماء، إلى علاج شاف لهذا المرض العضال. قلت والخوف يعصف بقلبي: وماهي النتائج؟.. -العقل هو الهدف الأول لهذا المرض، بعد ذلك يتطور ليشمل الجسد والنفس معاً. وماهي أعراضه؟.. فأجاب: الارتباك هو البداية، ثم يليه اكتئاب وانقباض شديدين يصلان حد الهلوسة والعجز عن التركيز. وبلهجة يائسة، قلت: كل هذا؟.. -كل هذا، وغيره أيضاً. -هل يعني أن أبي في بداية النهاية؟.. -ربما! بعد ذهول قصير من هول ما سمعت، وقفت على قدميّ وخرجت بأبي من العيادة. *** مرض أبي وكلام الطبيب، أعادا إلى ذاكرتي الطفلية، صورة جارتنا الجميلة (أمينة) التي كانت تعاني من اضطراب عقلي نفسي. آه! كم ظلمت أمينة من أهلها وجيرانها، بل من المجتمع بأكمله. عيروها بمرضها، وسموها المجنونة. قيدوها بسلسلة حديدية ووضعوها في غرفة ضيقة ومعتمة، لأن أهلها لم يتمكنوا من نقلها إلى دمشق لإيداعها مشفى الأمراض النفسية، أو العصفورية كما يسمونها. في ذلك الحين كنت صغيرة جداً، ومع ذلك كنت أعرف أمينة، وكنت أتقصد المرور من أمام بيتها على الرغم من التحذيرات التي كانت ترميها الإشاعات هنا وهناك من أن صراخها يجعل الصغار يموتون من الخوف. أمينة إذن كانت تعاني من الزهايمر، فالطبيب أكد أن هذا المرض لا يعرف صغيراً أو كبيراً. ولا يميز بين إنسان ذكي وأخر غبي، ولا بين متعلم وآخر جاهل، ولا بين غني وفقير. إنه يخبط خبط عشواء، من يصبه يقض عليه طال الزمن أم قصر. *** راجعت مع أبي عدداً من أشهر الأطباء، حللوا دمه، نظّروا معدته وأمعاءه، رسموا دماغه. وجميعهم أكدوا أن العلة لا تكمن في جسده، وإنما في وعيه وفي حالته النفسية. وهم لا يملكون وصفة تعيد إليه ذاكرته، أو ترمم نفسيته، تشخيص الأطباء، والضياع الذي يواكب تصرفات أبي وملامحه، وضعاني في تيار جارف من القلق والترقب. فلم يخطر لي يوماً، أن عقل أبي سيسقط في بئر الخرف. وكيف يخرف عقلاً يحمل فكراً نيراً وذكاء مميزاً؟.. إن ما سمعته عن هذا المرض جعلني أواجه حقيقة لا مواربة فيها، بأن أبي سيعيش حياً وميتاً في آن معاً، وبأنني بفعل الوراثة التي أشار إليها الطبيب قد أصبح مثله في يوم ما. *** أفاق أبي صباحاً، حلق ذقنه وتطيب. لبس بيجاما الرياضة، وخرج للمشي في الملعب كما اعتاد. الساعة تجاوزت، زمن عودته إلى البيت. القلق تحول خوفاً، والدموع ملأت وجهي. أين ذهب، وأين تراه يكون؟.. أمضيت وقتي بين الباب والشباك، فلم أستطع أن أترك المنزل خوفاً من أن يأتي ويجد الباب مغلقاً وليس معه مفتاح. عاد أبي، والصفرة تكسو وجهه، حمداً لله على سلامتك، بادرته قائلة. لماذا شغلت بالي عليك؟.. قال: هل تصدقين، أني أضعت الطريق إلى البيت؟ أصدق يا أبي، أصدق. رددت في نفسي. فقلت وأنا أتظاهر بالمرح: وكيف وصلت إذن يا سيد بابا؟ -من كثرة اللف والدوران في الأزقة، وجدت نفسي أمام الباب. منذ تلك اللحظة، منعت أبي من الخروج وحيداً حرصاً عليه من مفاجآت الطريق. فأدرك بحسه المرهف، بأن شيئاً خطيراً يحصل له. سيطر عليه حزن عميق، وصار نومه قلقاً واقتربت أحلامه من الكوابيس، لو يعرف أبي حجم خوفي عليه، لعذر تصرفي. لو أنه يعرف حجم عذابي لحجبي عنه عالمه الخارجي وتقييدي حركته وحريته، لغفر قسوتي. حاولت، كما أشار الطبيب، أن أشغله بغسيل بعض الخضار ومساعدتي في بعض الأعمال المنزلية. وأحضرت له مجلات، ليتسلى بصفحة الألغاز والكلمات المتقاطعة. وشجعته على فتح الفال بورق اللعب، وعلى الاستماع إلى الموسيقا والأغاني التي يحبها. لكن جميع هذه المحاولات، لم تنقذ إنسانية أبي من الانطفاء. كانت الأيام تنمو وتكبر، والضياع في ذاكرة أبي ينمو ويكبر. حال أبي يفجر في داخلي شعوراً عنيفاً، يحاول أن يبحث عن وسيلة تخلصه من ضياعه، وتخلصني أنا من عذاب وجدت نفسي فجأة فيه. لكن كيف؟ لا أعرف؟.. عاشت ذاكرة أبي في الماضي، أما الحاضر والمستقبل فلا تعرف عنهما شيئاً. كان يحكي بشغف طفل يحب أن يفضي بكل مافي نفسه من تفاصيل كونت ماضيه ورسمت ملامحه المتغضنة. فكان لا يفتأ يعيد ويكرر، ما جرى معه في طفولته وفي شبابه من قصص وأحداث. فكم تغنى بعمله عندما كان بائعاً ثم مديراً في شركة خاصة تبيع وتسوق أنواعاً من السيارات، وبدماثته في معاملة الزبائن وتفانيه في إرضائهم، ليقنعهم بالشراء ويحصل على العمولة. الذكريات تدغدغ حواسه، فيستزيد في الكلام ويصبح كأنه إنسان آخر يتقمص شخصية غريبة لا أعرفها. وعندما تتعب حواسه من لملمة الأحداث، ويتعب لسانه من الحكي، يرخي رقبته الواهنة على كتفه الواهنة، وينام. *** صوت جواني ينبهني قائلاً: أنت اليوم تروين قصة أبيك، وغداً من سيروي قصتك؟.. يهزني الصوت، ويذكرني بأني أخرجت نفسي من زمن بعيد من زمرة المحظوظات من النساء. فأنا لا أعرف من الحياة، غير الدراسة والوظيفة وعمل المنزل. في زمن مضى تقدم لخطبتي طبيب، وكاد كل شيء يتم، لولا أن أبي تعنت بشأن متأخر المهر. وانفض المولد بسبب ألوف من الليرات، وكان هذا آخر عهدي بالخطاب. تردي عقل أبي أضاء عقلي، وماكنت أضع وراءه من حكايات. كل شيء بدا أمامي بصورة مكبرة، ظهرت فيها أشياء ماكنت أحب أن أستعيدها. لقد مرت حياتي بلا جدوى، من غير أن أحقق فيها شيئاً يذكر. إذ ما معنى أن أدرس في الجامعة وأنال شهادة عالية؟..وما معنى أن أعمل في شركة مرموقة وأقبض راتباً جيداً؟... وما معنى أن آكل جيداً وألبس جيداً وأسكن في منزل جيد؟.. كل هذا لا معنى له على أهميته، مادمت لم أتزوج ولم أكون أسرة. كنت أحلم بزوج وبيت وأولاد يتابعون دوري، ويحققون ما عجزت عن تحقيقه من أحلام. ومع ذلك أحس بالرضا في هذه المرحلة، لأني لم أتزوج. وإلا من كان سيعتني بوالدي، وإخواني الأربعة موزعون، في أكثر من ديرة. وحتى لو كانوا حوله، هل سيخدمونه بمثل محبتي وحناني، أو سيضعونه في المصح؟.. لقد استقلت من عملي لأتفرغ له، لأنه بحاجة إلى قلب يرعاه وعين لا تغفل عنه. كنت أتعثر بثرثرتي مع نفسي، وكأني أمشي بين حفر أسقط مرة وأنهض مرة أخرى. صوت السقوط والنهوض، يتداخل مع صوت علب الأدوية التي أفتحها، أمسح وجهي بالرحمن، أملأ الكأس ماء وأمضي إلى أبي في سريره. *** كان أبي رجلاً قصير القامة، قليل حجم الجسم حتى أن ريحاً متوسطة القوة تستطيع أن ترفعه إلى الغيم. وكان له عينان لامعتان، بلون أخضر. وشعر فضي رقيق ينسدل على جبهته، ويغطي قسماً من حاجبيه الرماديين الكثيفين. لقد تحولت ملامحه الهادئة الرضية إلى ملامح قاسية، وكأنها منحوتة من مادة صلبة. فالمرض يحزم أمره على جسد أبي الضئيل ويحوله إلى هيكل من حطب. الألم الشديد شوه اللوحة الآدمية وطمس قسماتها الجميلة، ولم يبق في اللوحة سوى حفرتين غائرتين لا ماء فيهما ولا حياة، وخطين باهتين لفم كان ذات يوم ناطقاً بالحكمة والطرفة. وأنف يسيطر على اللوحة بفلطحة واضحة ولون أحمر قاتم. من ينظر إليه يلحظ أن كل قطعة من هذه القطع تعيش منفردة مستقلة، بعد أن تنافرت ألماً وتفسخاً. *** ها أنا أجلس قدام أبي، أراقب أنفاسه الأخيرة، صوت واحد يرن في سمعي: للوراثة دور في مرض الزهايمر. هل يا ترى سيأتيني الدور؟.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |