|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مصرع ملك الإرهاب ـــ لينا محمود المشعان صباح ككل صباحات لندن الماطرة، لديه شعور غريب لم يستطع تفسيره، وانقباض في الصدر من الجهة اليسرى. ترى هل سيحدث ماقد حدث قبل أيام في محطة قطارات لندن الرئيسية...!؟ أرعبته الفكرة، سرعان ما نبذها من خلايا دماغه. تتالت تصريحات (أيان بلير) قائد شرطة (اسكوتلانديارد): ((لدينا معلومات مهمة/ إنهم تحت المراقبة/ لن يفلت من قام بتفجيرات الأمس/ الموقف تحت السيطرة)). أشعرته تلك الكلمات بشيء من الاطمئنان وتمنى أن يكون الكابوس قد انتهى. /إن التخريب شيء فظيع، أولئك لماذا هم دمويون هكذا..!؟/ لم يجهد عقله بتقصي الحقائق، واكتفى بالنتائج. أغلق زر التلفاز، تناول معطفه من المشجب، مسحت عيناه أرجاء الغرفة النظيفة، والبسيطة الأثاث، وامتدت إلى المطبخ، والصالة، والشرفة. تنهد بارتياح/ كل شيء على ما يرام/، أغلق الباب وراءه، وخرج. أرهقته النظرات الزاجرة وهو يجتاز الشارع إلى الجهة الأخرى، شد ياقة معطفه الشتوي، في محاولة يائسة لإخفاء ملامحه الشرقية البائسة. تمنى لو يعلق يافطة تقول/ أنا لست عربياً/. بدا خائفاً كزنجي مقهور في ظلام القرون الوسطى. أسرع الخطى/ لو أن مكان العمل يصبح أقرب/ إن مجرد تواجده في المحطة يرعبه، فكيف والأنظار الحاقدة ما زالت تطارده..!! ماذا يفعل الآن، ماذا يفعل الآن..!؟ آه لو كان وجه أخيه (كارلوس) بملامحه الأوربية، وشعره المنسدل، بالتأكيد سيوفر على نفسه الكثير من المعاناة ولكن... تابع طريقه مستسلماً لنظرات الحقد، والكره، التي تطبق على رقبته، وتضغط أكثر فأكثر، إنه يمقت تلك النظرات كمقته للحرب والعنف والدم. لم يدخل في حياته حتى في مشاجرة عادية... عندما كان يافعاً كان ينعت بالجبان، لأنه لم يرد قبضات أولاد الحارة، إذا ما وجهت إلى صدره، ووجهه. أخي الحبيب، توأم روحي (كارلوس)، أين أنت الآن لترد عني تلك النظرات المرتابة الحذرة، كما كنت ترد عني قبضات (عصابة الأشرار) في المدرسة إيه كارلوس، لم يبعدني عن أيامك، إلا لقمة العيش، وحلم (ماري روز) في حديقة مليئة بالبط، ومنزل كبير، وبركة. ماري روز.... رفيقة دربي، وحبيبة عمري، ليتها معي الآن، رقة أنفاسها، وخفة ظلها، ودفء يديها، كفيل بإذابة الثلج من صقيع الغربة. وأنت يا صديقي (خوسيه)، أراهن بأنك الآن تستلقي متكاسلاً، خاملاً، تحتسي قهوتك مع الأصدقاء، تدخنون، وتثرثرون، وتتشاجرون تحت فيء الشجرة العملاقة، المطلة على البلدة. الصبايا المتراقصات في ثيابهن الملونة، لن يسلمن بالتأكيد من وخز تعليقاتك الساخرة، الماجنة. عندما كنا نرسم الخطط لغزو بستان العجوز (خوان) لم يكن هدفنا سرقة الثمار، كنا نسعى فقط لإغاظته، ولمشاهدة الرذاذ المتطاير من شفتيه، وهو يكيل لنا أقذع ما جادت به قريحته، من فنون السباب، والشتم. كنت دائماً الأٍسرع في الهرب من عصاه الكافرة، حقيقة كنت في قرارة نفسي، أتمنى لو أنني لم أشارك في تلك اللعبة القذرة، لكني كنت أخاف أن يفتضح أمري، وتلصق بي تهمة الجبن. صحيح، لماذا أنا ضعيف، وجبان...!؟.. أليس من الأفضل أن يظنني الناس إرهابياً ويخافوني...!؟.. راقت له الفكرة، أحس ببعض القوة تتسرب إلى مفاصله، لم تعد تلك النظرات الزاجرة تغضبه، لكنه سرعان ما أبعد عن رأسه الفكرة/ إنها ألأكبر من حجمه بكثير، إنها فكرة مخيفة، مخيفة/ قطع تفكيره رجال الشرطة، وهم يطوقون المكان كذئاب وقعت على فريسة، عيونهم تفيض بنظرات مريعة. لم يستطع منع ساقيه من الركض، فالرعب أكبر من أن يقف ليستوعب ما حدث هل وصل التطور بأجهزتهم إلى حد قراءة الأفكار...!؟ لا.. لا... ألف كلمة جبان، ولا كلمة الله يرحمه... أطلق ساقيه للريح، هذه المرة ليس العجوز (خوان) من يجري وراءه، ولن تكون العقوبة مجرد شتائم، أو ضربة عصا طائشة، أو حبس في قن الدجاج، أو حتى تعليق على الشجرة المطلة على مدخل البلدة. التعليق على حبل المشنقة أرحم بكثير من مصير أولئك الذين اختطفوا من بلادهم ليتعفنوا هناك، خلف الجزر البعيدة في (غوانتاناموا). القطار المستعد للانطلاق ملاذه الوحيد، سينقله إلى حيث اللا خطر، ولكن، لماذا تخونه قدماه، إنه يتهاوى، يتهاوى، يتهاوى. رصاصات خمس فجرت دماغه، وجسده يرتعد. أمي، أبي، أخي كارلوس، ماري روز، خوسيه، وحتى أنت أيها العجوز خوان، كم أحبكم، كم أشعر معكم بالدفء والأمان... لماذا أشعر أنني خفيف، خفيف، كجناحي حمامة، ها أنذا أحلق، أطير، يا إلهي، إنه الأطلسي، بزرقته العميقة، وسحره الأخاذ، وروحي عصفور يرفرف شوقاً لشموخ جبال (الأنديز)، وللغابات العذراء، ولتراب مازالت تحرسه أرواح أجدادي العظام من (الآزتيك)، روح (سان مارتينيه) الذي حرره من يد الإسبان. (بوينس أيرس)، (كوردوبا)، (روزاريو)، (لابلاتا)، سانتافييه)، (ميندوزا)، وقريتي الصغيرة في سهول (أرض النار). هنا، وسط سهول (البامبا)، في هضبة (بتغوانيا)، هنا سيرقد الطائر الجريح، هنا يا أحبائي ستكون نهاية الرحلة...!!.. ((في الساعة السابعة صباحاً قامت عناصر من شرطة (اسكوتلانديارد)، بعملية نوعية، وجريئة، وبالتعاون مع أجهزة أمنية لدول صديقة، بقتل الإرهابي الكبير الذي فجر قطار الأمس، عندما كان يحاول الهرب، وكان متنكراً باسم (خوليو استرادا)....!!)). أعلن النبأ بفرح كبير (أيان بلير) رئيس شرطة (اسكوتلانديارد). الرئيس الأرجنتيني غاضب بشدة، وقد صدر عن القصر الرئاسي خطاب شديد اللهجة، والبريطانيون مدينون للأرجنتين بتوضيح: ((باسم صاحبة الجلالة، تعتذر الحكومة البريطانية للحكومة، والشعب، في الأرجنتين، عن مقتل مواطنها (خوليو استرادا) خطأ على يد شرطة (اسكوتلاد يارد))...!!.. *كل الأسماء الواردة في هذا المقطع هي أسماء أماكن جغرافية معروفة في الأرجنتين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |