جريدة الاسبوع الادبي العدد 1046 تاريخ 10/3/2007
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تلك المدينة ـــ فاديا عيسى قراجه

آدم الذي لا علاقة له بما جرى/ أقدر انسحابك.‏

حواء المتأبطة حبها/ كان يجب أن تخفي السياط لون جسمك، لا مساحة قدميك.‏

تلك المدينة الجاذبة النابذة/ لم أستطع الإحاطة برسومك.‏

كأس العصير الذي أنهكته أصابع حواء توسلاً/ رائحتك مشبوهة.‏

***‏

في مدينة تزدحم بالغربة، تسدل ستائر الأمل على نوافذها، تغلق بوابات العشق في وجه مريديها، تتسع ساحاتها لضيق الأنفاس، يحرق إسفلتها الخطوات اللاهثة، لدوائرها. لوبان الخوف، لزواياها رائحة الموت.‏

***‏

في تلك المدينة دارت بها الجهات، وطارت حزم الحُب التي تتأبطها، كل الطرقات مراوغة، كل الساحات مغلقة، أي نهر سيكون دليلها؟ لم تكن تعلم أن البشر يحملون لون النهر الذي يجري في مدنهم ورائحته وغطرسته ، فكيف إذا جفت الأنهار؟..‏

جمعت معطفها حول جسمها وقبضت بقوة على ما بعثرته الريح ومشت في تلك الدائرة –المدينة-.‏

(الأماكن التي لا تمتلك زوايا لا تمتلك حكايا) أعجبتها هذه المقولة ورددتها وهي في لوبانها، تخيلتها أغنية عصرية تتراقص على أنغامها الأجساد وتتثنى على وقعها القدود، اكتشفت بعد مضي الوقت أنها تعود للمركز كلما أمسكت اتجاهاً ومشت به، عاد إلى ذاكرتها تمرين كانت تنفذه كلما خالفت تعليمات مدربة التربية العسكرية وهو المراوحة حيث تقطع أقدامها مئات الأمتار دون أن تبارح مكانها قيد أنملة.‏

***‏

في المدينة ذاتها، التي تتبقع فيها الغربة كمساحيق على وجه، راقصة وتوشى ستائرها بخيوط الانهزام، وقف آدم على بعد ساحتين يراقب دوران حواء..‏

كانت ساحة آدم مستطيلة كوجه ثعلب جائع، شمت حواء رائحة الجذب والنبذ، أقدمت ثم أحجمت، حاصرتها الروائح التي تتكاثف فوق الساحات قطعت المسافات اللولبية، مشت كالمنومة مغناطيسياً، مدت يديها وتاهت في تقاطع الأمكنة وحال فتحت عينيها كان آدم يمسك بيديها ويدخلها إلى مملكته المستطيلة ذات الزوايا الأربع قال وهو ينتقي من الألفاظ ألطفها: لك أن تختاري مولاتي المكان الذي يعجبك.‏

هالها ما رأت كل الزوايا متشابهة، الغبار والصقيع يحتلان المكان ويطمسان معالم الزمان، ضحكت فخرج صوتها مرتجفاً: كل الأمكنة ستغدو جميلة مادمنا معاً.‏

قدم لها كوباً من العصير الأحمر، أحست بأنه جاء في الآن المناسب فقد قطعت عشرات الكيلو مترات من أجل لقائه ليطلع على فنها الذي وصفه بالراقي، لقد تركت مدينتها نائمة خلف التلال وتسللت تحمل لوحات استوحتها من عناق حاراتها وصباحات مدينتها، تحملت عتمة الدهاليز الطويلة وجراح المنحنيات المدببة كل ذلك لقاء كلمة مديح من آدم أستاذها وحبيبها.‏

قربت كوب العصير من فمها، كانت تنوي إفراغه دفعة واحدة في جوفها، لكن رائحته جعلتها تبعده عن فمها وتضمه بين يديها وتغرز أظافرها في زجاجه السميك...‏

حاولت أن تميط اللثام عن هذه المدينة الدائرية المغلقة دون الفرح، كانت تريد أن تسأله من أين تأتي لوحاته بكل هذه الحياة وهو يقبع في مدينة الأموات، لكنه وبحركة مدروسة أقفل نوافذ تساؤلاتها وطلب منها أن تشرب العصير الأحمر ذا الرائحة الحمراء..‏

غطت المكان سحابة برائحة واخزة، إنها رائحة كريهة، تشبه رائحة العربة التي يجرها عامل التنظيفات كل مساء في حيها كي يزيل أكياس القمامة من أمام البيوت المفتوحة على الدوالي والجوري والياسمين، خافت أن يعلم آدم ما يدور بخلدها لكن الرائحة تزداد كثافة كلما اقترب منها، حشرت جسدها في زاوية حادة علها تقلل من تأثير تلك الرائحة التي تحولت إلى وحش أسطوري يطوح بذراعيه فوقها يريد الفتك بها.‏

أبعدته بأدب.. دفعته برفق.. بقليل من الخشونة.. بخشونة.. بكراهية.. بنفور.. بحقد.. رمته أرضاً صرخت بتقزز واشمئزاز: رائحتك تحمل مكب قمامة العالم أجمع.‏

نفض الغبار عن ثيابه، حدق في ذعرها، أطال مدة تعذيبها ثم أخبرها بأنه ما استدرجها إليه إلا ليرسمها وهذا جوابه عن سؤالها من أين تأتي لوحاته بكل هذه الحياة وهو يقطن في مدينة الأموات..‏

أجالت نظرها على اللوحات.. كلها تتضمن وجوه فتيات عاريات صغيرات.. اقترب منها وأخبرها بأنها الوحيدة التي عارضت رغباته لذلك يحق له معاقبتها!‏

استل حزامه الجلدي من وسطه وانهال عليها ضرباً بينما ذعرها يحدق به..‏

عادت إلى مدينتها الغافية خلف التلال، تحبس بين ضلوعها ساحة مستطيلة كوجه ثعلب جائع يدفن خطمه في إحدى الحاويات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244