جريدة الاسبوع الادبي العدد 1046 تاريخ 10/3/2007
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في انقلاب الشعر على سلطة المعنى عادل محمود : " انتبه إلى ربما" ـــ وفيق سليطين

كان كلما رآني " يقرطني " نظرية جديدة , وهو ما فعله مجدداً عندما أهداني ديوانه الأخير هذا في مقهى الروضة قبل عدة أيام . إنه عادل محمود , صياد قديم, ومغامر محترف , لا تنجو اللغة من إيقاعه بها , إذ يطارد صفاءها المفتقد ونقاءها المنسي . يبعثر أصدافها المنضدة, و" يخربط" انتظامها الشائع , ليقنص الخفاء الجوهري من باطن الركام , ومن خلف آياته المبذولة ورنينه النحاسي الموقع . يقنص الخفاء ويطلع به خفاء أسمى , كما يحاور الصمت ويطلع به صمتاً مشعاً في مفاصل القول , الذي يغدو هو صمتاً آخر في قوله ما يند عن القول , وفي مطاولة ما يحجبه كلكل اللغة المطبق على جسد العالم , والمضروب _ بما تراكم من إفصاحه _ حجاباً على الممكن , وسياجاً على مستحيله الغائر فينا , ذلك الذي يتجلى انخطافاً لا وصفاً , وإشارة لا تعييناً , وانقداحاً عصياً شارداً ينأى بنا عن قشرة حضورنا المعتاد .‏

هكذا يأتي ديوانه الجديد انفتاحاً على ليل الكائن , وانغماساً فيه يحرره من ربقة المعاني الجافة , ومن محدودية الضوء ومظاهره , أو من غلالاته القديمة المسدلة على إشراقات الجسد , ومباهج الكون , وغوايات السفر, وبكارة الدهشة , وغضارة قولها الأول .‏

وإذا صح أن اللغة هي التي تتكلم كما قال ملارميه, فإنها تتكلم هنا عندما يملؤها الشاعر بقصده, أو عندما يدفع بها إلى فراغ قصدها . لا يشوش ذلك في هذه النصوص سوى إقحامات تطفو فيها معالم من توجيه الحكاية , وتداعيات الذهن , في بناء يحتفل بالمفارقة , لكنه لا ينجح دائماً في ترشيحها من مصهر التحويل الشعري , بأثر من بروز تخطيطاتها الأولية , وسفور تكويناتها وملامحها الصنعية . وقد يرقى النص بقدرة التشكيل إلى خلق حلول فنية , من شأنها أن تشتت ذلك الحضور المستبد , بما تشبك في مركزه من خطوط تشد باتجاهات متغايرة , وتفتح السياق على التواجه والتعدد, وتكثر أساليب القول في استراتيجية تقوم على تسريد الشعر , وتشعير السرد , وتكسيرمحور النمو النصي بين اتجاهات وحركات ومنطلقات شتى , تعيق إمانية التقدم الخطي , وترتد عنه في اللحظة المناسبة , للبدء من مناطق أخرى , وللتوسل بإمكانات جديدة للتوليد الحركي , الذي يتغيا إنتاج ضفيرة من التشابكات , تحول دون تأسيس المعنى , بل تنتج شرطه الجديد , في تعليقها له , بتحويله من المفرد إلى المركب , ومن التراكم إلى التفاعل , ومن مستوى الدلالة المستقيمة إلى أفق الإنتاجية النصية .‏

يتقدم عادل محمود في نصوصه هذه منقباً , مداوراً , كأنه يتطلب براءة أولى , تنحو بالكلام إلى هتك القيم العالقة به . وفي هذا المعترك الصعب تراه يسافر ويعافر , ويحرث في حقل كثير الأشواك والأعشاب . قد يطيش به السهم , لكن كنانته المجربة لا تفتأ تختلج بما يباطنها من نشوة القنص ولذائذ المطاردة , إنه :‏

الرجل الذي يصنع الغروب‏

من مواد عازلة للأسى ,‏

من قماش بريء‏

مشدود على حامل كسرته الألوان‏

ومن‏

علبة أسف أحمر‏

وشمس هالكة‏

في أسفل هذا النهار.‏

في تعدد بدايات القول , في القطع كما في الكف عن إغلاق الجمل والمتواليات , وكذلك في استئناف هذا النقصان , وتنشيط الحركة في وضعيات الانقسام والبعثرة , مع تنامي معترضات السياق وخلخلة استقرار النسق . في كل ذلك ما يحفز فاعليات التأجيل والمباعدة والتشظي , في شعرية تتخلق في مكامن التفتيت ومنعطفات التحول , فتصد الاكتمال , وتعلق النهايات الخطية , وتعطل قنوات الابلاغ , بانقلابات متجددة ومتباينة , تحتفي بالدال , فتطلقه , وتلفت إليه , وتعدد أشكاله ومستوياته , وتمد حضوره المتغاير في مساحة النص . وذلك ما يحتاج إلى وقفة أخرى تسمح بإمكانية تأمله واختباره وإنتاجه نقدياً على نحو أوسع .‏

-عنوان الديوان: انتبه إلى ربّما‏

-للشاعر: عادل محمود.‏

-إصدار: دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244