|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
(اعترافات) باسم عبدو.. بين الواقعية والذكريات.. والخلجات النفسية ـــ د.ماجد أبو ماضي صدر للكاتب تسعة أعمال أدبية متوزعة بين القصة والرواية بالإضافة إلى ثلاثة إصدارات مشتركة؛ فيصبح مجموع ما نشر له اثنتي عشر إصداراً، أما عن الإصدار الأخير فجاء تحت عنوان (اعترافات) وقد ضمت هذه المجموعة من الاعترافات خمس عشرة قصة في مشاهد مختلفة.. وإذا بدأنا من العنوان فنراه مكوناً من كلمة واحدة لكن معناها ينضوي تحته مجموعة عناوين لأن لكل عنوان منها اعترافاً خاصاً يريد الكاتب أن يدلي به ويبتغي من ورائه هدفاً محدداً ومغزى يريد إيصاله وفكرته إلى القارئ.. أما باقي عناوين المجموعة فنجد أنها تحمل كلها عناوين مكونة من كلمتين أو أكثر ما عدا قصة واحدة تكونت من عنوان واحد (كاترو)، والملاحظ على هذه العناوين أن معظمها يلقي ضوءاً على الموضوع المطروح والمراد طرحه من خلال سرد أحداث القصة، وهنا نلاحظ أن تكاملاً ما يتكون بين مجريات القصة وبين عنوانها؛ فكانت بعض العناوين إيحائية استطعنا أن نلج من خلالها إلى النص بكل سهولة ويسر فنقرأ مثلاً: الذاكرة المفقودة-ذكريات تتكرر كل يوم-الحب والشوك- الخراب والصواب-يخرج القلب من دمي.... *أسلوب البناء القصصي: ما الأسلوب الذي استخدمه الكاتب في بناء قصصه؟ كيف نسج خيوط أحداث قصصه؟ لاشك أن القاص أراد أن يلعب لعبة ما بتغيير نمط القصص الموجودة في الساحة الثقافية والنموذج التقليدي المتبع عند أغلب من يكتبون القصة، فلجأ إلى إيجاد تقسيمات وعناوين ضمن القصة الواحدة، أي سعى إلى تجزيئها إلى مقاطع يحمل كل مقطع منها اعترافاً أخذ ترقيماً متسلسلاً بشكل مغاير للمألوف فبدأ قصته (اعترافات عائشة) بالاعتراف الأخير ثم الاعتراف ماقبل الأخير ثم الاعتراف الأول، لينتقل بعدها إلى الشهادة الأولى ثم الثانية ثم يعود إلى الاعتراف الثاني ويرتد بعد ذلك إلى الشهادة الثالثة.. ومثل هذا التجاذب بين الاعتراف والشهادة من شأنه أن يشتت ذهن القارئ بينهما وكان على الكاتب توحيد العناوين إما باعترافات أو بشهادات وبخاصة أن النمط واحد في القصة فلم ألحظ فرقاً بين الاعتراف وبين الشهادة، فلم أر ضرورة للتغيير.. هذا من جهة ومن جهة أخرى لم ألق تفسيراً عندما تساءلت لماذا بدأ الكاتب بالاعتراف الأخير ثم قبل الأخير ثم الأول. لينتقل مباشرة إلى الشهادة الأولى ثم الثانية ليعود فوراً إلى الاعتراف الثاني لينتقل بعده إلى الشهادة الثالثة.. لقد وجدت أن هناك تخبطاً في الترتيب... ومع تقديرنا لهذا التجديد في شكل عرض أحداث القصة إلا أنه جانب المنطق في التسمية أولاً وفي الترتيب ثانياً وفي التبويب ثالثاُ وأخيراً. (ومثل هذا حصل في قصة كاترو) ص 53. أما إذا أردنا التحدث عن أسلوب السرد لهذه القصة (اعترافات عائشة) فإننا نصطدم بحائط من الغموض الشديد الذي أخذ مساحة كبيرة في بداية القصة وصلت حتى نهاية الصفحة السابعة عندما وصل إلى الاعتراف الأول، فلم يتبين لنا عمن يتحدث إلى درجة أننا وصلنا إلى حل لغز من الألغاز التي لم تتوضح معطيات حلها ومعرفة المشتركين في بناء هذه الألغاز فهو يتحدث بضمير المتكلم عن شخص لم نعرفه ولا فكرة سابقة لنا عنه وعن صفاته وعما حصل معه، ولكننا عندما عرفنا وتوضحت الصورة وظهرت الشخصية بكل صفاتها انحلت جميع العقد وتسلسلت الأحداث بانسيابية وسهولة ويسر ولربما قصد الكاتب من وراء ذلك إلى استدراج القارئ بأسلوب يثير فيه فضوله ليشده لمعرفة المزيد عما يسرد وليثير شجونه لمتابعة ما سيجري مع الشخص الذي لم يعرّف عن نفسه –وهذا جميل لو وضع الكاتب إشارات توضيحية كالتي استخدمها بعد ذلك في القصة ذاتها فنراه يحترم عقل القارئ في البعد عن المباشرة، فهو لا يقف عند الأشياء التي يدركها القارئ من خلال السياق فمثلاً لم يصرح بأن عائشة كانت تحلم عندما قال (ص10): (ووالدي يخرج من قبره كالمارد ينتظرني أمام بوابة المقبرة فاتحاً ذراعيه) ثم تجلس معه وتأكل... إلى أن يقول (ص12): (عندها رفعت رأسي عن مقعد الحافلة!). أما في قصة (الذاكرة المفقودة) ص13 فنلاحظ أنه يتكئ على الذكريات الخوالي والحنين إلى الماضي، فكان يستذكر مع أخيه كل الذكريات بجزئياتها الدقيقة وجلسات السهر والسمر.. وتذكر المكان ووصفه وبين قيمته وقربه من نفسه وهذا ما نراه في قصة (ذكريات مقبرة الغستابو) ص 23 عندما يصف السجين القابع في زنزانته (2×2) وكيف يقضي وقته مع تلك الذكريات وكان نقل المشاعر صادقاً لأنه استطاع نقل صورة السجين الذي قضّى في زنزانته عشر سنوات لم يزره أحد سوى الذبابة التي أنس لها وصادقها وجعلها رفيقة له في زنزانته والتي ستنقل كل ما يعيشه في زنزانته إلى العالم الآخر والمنظمات الإنسانية حيث وعدته بذلك.. كل هذا يدل على المعاناة داخل السجن وما يقاسيه السجين ومايلاقيه من السجان... نعم لقد اهتم الكاتب في هاتين القصتين بالعامل النفسي والمقاساة النفسية التي تأتي منعكسة عن المعاناة التي تمر بها الشخصية الرئيسة في كل منهما فالخيط الذي يجمعهما واحد من خلال تذكر الماضي والعيش على أطياف الذكريات مع اختلاف في الزمان والمكان مما يجعل لكل قصة منهما خصوصية خاصة تحتفظ بها وتختلف عن القصة الأخرى في توصيف الزمان وتحديد المكان.. *اعترافات قصصية: عمدت في هذه الفقرة إلى أخذ نماذج من القصص التي تضمها هذه المجموعة والتي يعمد الكاتب فيها إلى البوح بمكنونات أعماقه والتصريح عن خلجات نفسه من خلال سرد أحداثه تضفي صبغة محددة على كل قصة وتطبعها بطابع خاص مختلف كل واحد منها عن الطابع المصبوغة به القصة الأخرى.. وسأتناول نماذج من هذه القصص (الاعترافات) ثم أنتقل إلى تحديد السمات المشتركة والخيط الذي ينظمها ومدى تأثير كل منها في نفوسنا. ففي قصة (الحب والشوك) (ص59): يصور لنا صورة واقعية ممزوجة بخلجات نفسية للأم الحامل ولزوجها الذي يشاركها مراحل نمو الجنين في حركاته وسكناته.. وهذا الانفعال الممزوج بما يحصل لأطفال فلسطين الذين لا يستثنيهم العدو الصهيوني من القتل وسفك الدماء ويثبت لنا تألمه وصدمته من خلال نقل المنظر الذي شاهده للمرأة الفلسطينية التي حملت رأس طفلها المقطوع وكيف أخذت تقبله بقبلات حارة... كل هذه المشاعر غيبت فرحته بقدوم المولود الجديد السالم المعافى... ليعود في نهاية القصة ويربط بين المولود الجديد وزوجه وصورة الأم الفلسطينية وطفلها بأسلوب ممزوج بالأسى والحزن والصدمة. *وفي قصة (العناقيد المرة) (ص95): اعترف على لسان (أبو سميح النابلسي) بأنه إذا عجن التمر العربي بالنفط الخليجي فسنصنع منه هيمالايا أخرى.. وسنبني سوراً صينياً يحمينا من القذائف والجرافات، وعندها قام جليل وخليل بشتم النفط والهمس والصمت والصحف واليباس؛ لماذا؟ لأن ذاكرتيهما لم تعد تتسع لأقنية الدم ولسجلات الثكالى والشهداء والجرحى.. كما ذكر في اعترافه أنه في صباح اليوم التالي لهذا الكلام كانت الجرافات تحمل أنقاض بيت أبي سميح، وعناقيد التمر تنهرس تحت أقدامهم بجنازير دباباتهم".... فتجمهر أهالي المخيم في خانيونس أمام الجامع الكبير يلقون نظرات الوداع على أبي سميح وابنيه وزوجه... *وفي قصة (يخرج القلب من دمي) (ص99) اعترف بخلافه مع زوجه من أجل مباراة كرة قدم، حيث كانت تؤيد فريق القمصان الخضر، أما هو فيؤيد فريق القمصان الحمر، ويبين كيف حصلت مشادة كلامية وارتفعت أصواتهما بالشجار، وكادت يدها تهوي على وجهه لولا أنه دفعها عنه وهددها، وما جرأها على ذلك هو أنها ابنة أغنى رجل في الحي وهي الابنة الوحيدة له... ثم تطور الموقف لينضم الصبيان إليه والبنات إليها حين اشتعلت الحرب بينهما من جديد، وقد اعتذرت الزوجة في اليوم التالي واعترفت بأن الموقف يجب ألا يكون أمام الأولاد وبأنه يمكن تأجيله إلى مابعد المباراة حين حرص ألا يثير غضبها عندما لم يضحك أو يصفق لفوز فريقه في المباراة... هذه هي نماذج من اعترافاته القصصية... لكن ما انعكاسات هذه الاعترافات وعلام تدل؟.. ما الخيوط النفسية التي تجمعها؟ ما الأسلوب المستخدم للتعبير عنها؟... إننا نستطيع تصنيف هذه الاعترافات حسب الموضوعات القصصية والأفكار المطروحة فيها، والغايات والأهداف التي يريد القاص أن يوصلها إلى القارئ من خلال بث اعترافه ضمن إطار القصة المطروحة فوجدت أن هناك محورين: -الأول: محور اجتماعي: يصور فيه مشاهد اجتماعية تبين استغلال الإنسان للإنسان؛ واستغلال القوي للضعيف وكانت هذه المشاهد حية وواقعية وبظني أنها قد حدثت في الحقيقة وفي الواقع المعيش، ومن غير الغريب أن تصدر كل هذه التصرفات والسلوكيات عن الإنسان الذي يعد أغرب مافي هذا الكون من حيث تفكيره واستغلاله وأنانيته وبشريعة الغاب الاجتماعية التي نعيش فيها والتفكير الخرافي الذي يسود بعض المجتمعات وبخاصة الريفية منها والتي تسيطر عليها ترسبات من أفكار الماضي ما زال الناس يؤمنون بها ويعتقدون بصحتها وصدقها... -المحور الثاني: محور وطني يصور مشاهد حية وواقعية أيضاً لما يحدث في الأراضي العربية المحتلة كل يوم وفي كل بقعة من فلسطين، ومناظر التدمير والتجريف والقتل والاعتقال دون استثناء أطفال أو نساء، صور كل هذا بطريقة مؤثرة لمجتمع يذوق أبناؤه مرارة الاحتلال، ولا تخلو هذه المشاهد من تصوير المناظر المؤلمة جداً لا يستطيع الإنسان تحملها حيث استطاع القاص نقلها بكل صدق واقتدار الإنسان المتأثر لما يحصل والمنفعل مما يحدث، لكن ما القواسم النفسية المشتركة بين هذين المحورين؟ مامن شك أن الكاتب واحد، والانعكاس النفسي البادي على كلا المحورين هو القلق والاضطراب والارتباك أمام ما يحدث سواء في هذا المجتمع القريب الذي يعيش فيه أم في ذاك المجتمع البعيد الذي تجري أحداثه في فلسطين، لقد استطاع الكاتب تصوير الخلجات النفسية المتأثرة والتي تبدي التوق لتغيير هذا الواقع وتحسينه.. وهو بذلك يقوم بدور الأدب في تصوير ما يحدث وطرح التغيير وقد أدى وظيفة الأدب في اختيار الموضوعات التي تعزف على أوتار القلب والتعبير عنها بأسلوب شائق خال من التعقيد والغموض وهذا هو الأسلوب الناجح في أداء كل لون أدبي وظيفته كما ذكر (ت. س.إليوت) أما عن الزمان والمكان في هذه القصص فالملاحظ أن أماكن معروفة بشكل عام، وهي في زمان معروف أيضاً من هنا نستطيع أن نسم هذه القصص بأنها واقعية بامتياز فشخوصها معروفون وزمانها معروف وكذلك مكانها، لكن الكاتب بفنية عالية استطاع تأطيرها على شكل قصة نقل أحداثها ونسج لها أحداثاً إضافية لتخرج لنا بشكل مشوّق استطاع به نقل مشاعره والتأثير فينا من خلال نقله ما يجري في الساحتين الاجتماعية والعسكرية، وبظني أن هذا الصدق في النقل وصدق الخيال الذي ظل في إطار الواقع ولم يبتعد عنه هو سر نجاح هذه المجموعة، فقد استطاع القاص نقل تأثره بما يجري إلى التأثير فينا، وبخاصة أن جميع المشاهد المصورة عايشناها وعشناها وتأثرنا وانفعلنا بها.. وإذا جزنا أكثر إلى الواقعية سنجد أن الأشخاص الذين يديرون الأحداث ويقومون بها هم أناس معروفون؛ وكلنا نعرف سلوكياتهم وتصرفاتهم وما يقومون به من أعمال، فهم واقعيون وليسوا غرباء عنا في كل ما ينفذونه ويؤدونه.. إن هذه الطريقة الفنية في السرد منحت الكاتب أكبر قدر من حرية الحركة، مما أدى إلى الحصول على متعة أعظم وعلى اقتراب أكثر من نفس الإنسان.. وهذا ما يذكرنا بالقصص التي ظهرت في الخمسينيات التي عالجت المشكلات الاجتماعية والسياسية وقضايا الإنسان العربي المختلفة من خلال رؤية فنية واضحة وعميقة وفي طليعة من كتب بهذا الجانب نجيب محفوظ حيث رسم في رواياته صورة عريضة وعميقة للمجتمع العربي في مصر في تطوره وبحثه الدائب عن طريق له في عالم جديد فكتب (القاهرة الجديدة) و(خان الخليلي) و(زقاق المدق) وثلاثيته (بين القصرين) و(قصر الشوق) و(السكرية)... -النسيج اللغوي: مامن شك أن لكل أديب أسلوبه الخاص في اللون الذي يكتب، ولكل قاص أسلوبه المميز في صياغة قصته صياغة لفظية تؤدي وظيفتها في التأثير والتصوير، وقد جنح الكاتب هنا إلى أسلوب البساطة والسهولة والوضوح، فهو لم يهتم بالتأنق اللفظي الذي يمكن أن يصرف الكاتب عن الاهتمام بعمله القصصي ذاته فلم يتكلف لغة أدبية، ولم يتصنع عبارات فيها انزياح عن جادة العمل القصصي بل على العكس كان ينقل أحداثه ويعبر عن شخصياته بصورة لغوية واضحة المعالم غير مشوشة وغير مضطربة بل اتصفت بالليونة والسهولة والتلقائية فلم يجنح إلى الصعوبة واختيار الألفاظ الجزلة بل كانت لغته تتناسب شخصياته ولم تتسم بأي غموض أو غرابة... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |