|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نجيب الحداد غصن وارف في الدوحة اليازجية ـــ عيسى فتوح الشيخ نجيب سليمان الحداد أديب وشاعر وصحفي وروائي وكاتب مسرحي ومترجم لبناني، وأحد رواد النهضة الأدبية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وحفيد الشيخ ناصيف اليازجي (1800-1871) من ابنته حنة... ولد في بيروت في 25 شباط عام 1867 وهاجر إلى الاسكندرية مع أهله عام 1873 وعمره ست سنوات، حيث تلقى دراسته في مدرسة الإخوة (الفرير)، ولما حدثت الثورة العرابية عاد إلى بيروت واستأنف دراسته في المدرسة البطريركية على خاليه الشيخين إبراهيم اليازجي (1847-1906) وخليل اليازجي (1856-1889). مقتفياً أثرهما في نهل العلم وإتقان اللغة العربية، ولما أنهى دراسته عام 1883 علّم اللغتين العربية والفرنسية في بعلبك، ثم استدعي إلى مصر للتحرير في جريدة الأهرام، وبعد عشر سنوات من العمل فيها، تركها وأنشأ عام 1894 مع أخيه أمين (1868-1912) وعبده بدران (1867-1924) جريدة "لسان العرب" التي حولها بعد مدة إلى مجلة أسبوعية وتولى رئاسة تحريرها، كما تولى في الوقت نفسه تحرير مجلة "أنيس الجليس" لصاحبتها الكسندرة الخوري (1872-1927) وجريدة "السلام" التي أنشأها مع غالب طليمات في الاسكندرية، وكان مع هذه الأعمال كلها لا يتوقف عن نظم الشعر وتأليف وترجمة الروايات والمسرحيات... وقد أثر التعب والإرهاق ومواصلة السهر في صحته، فاصطلحت عليه الأمراض حتى أنحلت جسمه الطري، وقصفت غصنه الرطيب، فمات وهو شاب لم يتجاوز الثانية والثلاثين، وقد قال قبيل وفاته:
كان نجيب الحداد كما وصفه صديقه طانيوس عبده (1866-1932) حنطي اللون، عنيف اللسان، رفيع الأخلاق، لطيف المعشر، راجح العقل، حاد الذهن، حاضر البديهة، فصيح اللسان، فإذا تكلم أنصتت إليه الأسماع، وكان متضلعاً من العربية، يجمع في إنشائه بين متانة العبارة وسهولتها. وكان سيداً من أسياد البلاغة وأميراً من أمراء البيان، ومن أحسن كتاب القرن التاسع عشر الذين دعوا إلى القومية العربية ووحدة العرب، قبل أن تُؤسس الجامعة العربية.. وقد اشتهر بتأليف الروايات التمثيلية أو تعريبها، ولقي بعضها إقبالاً ونجاحاً كبيرين، ومن أشهر المسرحيات التي ألفها: صلاح الدين الأيوبي، المهدي، الرجاء بعد اليأس، صدق الوداد، ثارات العرب، شهامة العرب، عمر بن عدي، عداوة الأخوين، الرواية الشعرية... أما مسرحياته التي عربها عن الفرنسية فهي: السيد، حلم الملوك، لكورناي، زايير لفولتير، أوديب ملكاً، البخيل، الطبيب المرغم لموليير، روميو وجولييت لشكسبير، وغيرها من المسرحيات لآخرين.... كما عرّب رواية "الفرسان الثلاثة" لاسكندر دوماس التي نشرها مسلسلة في الأهرام، وله أيضاً: فرسان الليل، حديث ليلة، غرام واحتيال، فضيحة العشاق وغيرها... شعره كان الشيخ نجيب الحداد قد أعد ديوانه "تذكار الصِّبا" للنشر، وأهداه إلى الأديبة ألكسندره الخوري، لكن الموت عاجله قبل أن يصدره، فقامت ألكسندره بترتيبه وطبعه على نفقتها عام 1899، وختمته بترجمة حياته، ثم أعيد طبعه في المطبعة العثمانية في بعبدا (لبنان) عام 1906، وكتب مقدمته طانيوس عبده. كان شعره أجود من نثره، لأنه حذا فيه حذو الشعراء العصريين في جِدّة المعاني، وجمال الألفاظ، والعزوف عن المدح إلا في القليل النادر، لكراهته مدح من لا يستحق المديح، وقد انحصر مدحه في من أجمع الناس على احترامهم... لكنه نظم في أبواب الشعر الأخرى كالرثاء والغزل والعتاب والتهنئة والتأريخ الشعري والوصف، وقد شاعت قصيدته التي وصف فيها القمار ولاعبيه، في جميع الأوساط الأدبية وغير الأدبية، وحفظها الناس لما تضمنته من معانٍ بليغة، وتصوير لحال المقامر الذي يؤدي به السهر والإجهاد والإفلاس إلى اليأس والانتحار، وتقع القصيدة في اثنين وثلاثين بيتاً، ومنها قوله:
ثم يصور وجوه المقامرين التي علاها الندم والحزن والاصفرار، بعد أن كانت بلون الورد الأحمر القاني فيقول:
كذلك يصف القمر، والسكك الحديدية والقطارات التي تسير عليها، وجبال لبنان، والقاهرة، والإسكندرية، ودمشق، والحسناوات السابحات في البحر... يقول في وصف دمشق مع أنه لم يزرها ولم يرها، بل سمع عنها فأعجب بمحاسنها:
ويقول في وصف القمر الذي طالما هام العشاق بنوره الفضي في الليالي الحالكة، وأطلقوا الأعنة لأخيلتهم، وشبهوا وجوه الحسناوات والجميلات به:
أما شعر الغزل فقد دار به لسانه، وخفق له قلبه منذ أن بلغ الرابعة عشرة من عمره، وأكثر منه في الفترة التي قضاها معلماً في بعلبك عام 1883، ولذلك سمى ديوانه "تذكار الصبا".... يقول متغزلاً بالحبيب الذي غاب عن ناظريه، لكنه ظل ماثلاً في روحه وفكره:
ويقول واصفاً هيامه بالحسان، وإذلال الحب له، وهو الشاب الأبي المترفع:
نثره عني الشيخ نجيب الحداد في نثره بمعالجة مشكلات المجتمع، وكان يعمد في أسلوبه إلى استخدام السجع غالباً والترسل قليلاً، ولكنه كان في الحالين يؤثر الأٍسلوب العربي الرصين المشرق المحلّى بخيال شاعر لا بخيال لغوي. كان سلس العبارة، وإن جنح إلى التكلف أحياناً، تتدفق ألفاظه كما السيل، ويترنم بموسيقاها ويتأنق في اختيارها كما في مقاله "الغني والفقير" الذي يقول فيه: "قل للغني المترفِ السارحِ في مراتعِ نعمائه، الساحب ذيل الاعتبار على بني الإنسان نظرائه، المتقلب في أعطاف النعمة والهناء، لا يحس بما في الدهر من شقاء، الراكب الخيل الجياد تجري به عنقاً، السابح في بحار الغنى والترف يكاد يشكو فيها غرقاً، النائم على حشايا من الحرير والدمقس الناعم، المتنعم بما لديه من ملذات الحياة بين المشارب والمطاعم: قف هذا النظر الذاهب في السماء قليلاً، ومل بتلك النعمة التي تجرّ من فضول أثوابها ذيولاً على فقير يسأل منك رحمة...". وإلى جانب هذا الأسلوب المتخم بالصنعة والتكلف، وقوة الأداء، وبراعة الوصف والتأنق... فإن له أسلوباً أدبياً آخر لا يعتمد فيه على الصنعة، بل على انتقاء الألفاظ ودقة أدائها، وجمال جرسها ووقعها في الآذان، وتلاؤمها مع غيرها في الجملة كقوله في مقال "معركة سيدان"(1): "... وبينما الوغى في أشد احتماسه، والجيشُ يهجم مستبسلاً، ويستقبل الموت باسماً، والحديد يقرع الحديد، والهاجم يدوس القتيل الساقط، وأبواق القتال تنفخ موسيقاها بشدة وزفير، ورجال فرنسا تذكر أجدادها، وتريد أن تقتدي بأسلافها في ساحات القتال، وسوابق النصرات، إذا بالرايات قد نُكست، والأعلام قد التوت، والرجال قد وقفت، والمدافع قد صمتت، والسيوف قد نبت عن مضاربها، فلا تُغمد ولا تتحرك، وصوتُ نابليون الثالث قد طلع في ذلك الجمع وهو يصيح: "كفوا عن القتال!" فوقفت المدافع عند ذلك عن دويها، كأنما أصابها دهشٌ وجمود، وانقطع صليل السلاح كأن لم يكن سلاحٌ ولا جنودٌ، وأقبل النسر حائماً، يخطف أحشاء القتلى، ويعتدي على ضواري الأسود...". وسواء أجاء نثره مسجوعاً أم مرسلاً، فإنه يظل مستساغاً، إذ تؤدي الجملة معناها، فهي تصور في المقطع الأول حال الفقير المعدم، كما تصور في المقطع الثاني المعركة وأدواتها من أبواق ورايات ومدافع وسيوف... وتذكرنا الموضوعات الاجتماعية التي طرقها بموضوعات المنفلوطي (1876-1924) الذي جاء بعده، مع تشابه في العاطفة الإنسانية، فقد أظهر كل منهما حدباً بالغاً وحزناً على الفقراء والمعذبين في الأرض. بقي أن نقول إن نجيب الحداد كان أول من استعمل لفظة "الصحافة" بمعناها الحالي، وإليه يرجع الفضل في اختيارها، فقلده سائر الصحفيين بعده، وكانت الصحف في أول عهدها تسمى "الوقائع"، كجريدة "الوقائع المصرية"، و"غزته" نسبة إلى قطعة من النقود بهذا الاسم، كانت تباع الصحيفة بها. **** الهامش: (1)-سيدان: مدينة في شمال فرنسا جرت فيها سنة 1870 معركة كبيرة دحر فيها الألمان نابليون الثالث في مئة ألف جندي. المصادر 1-مارون عبود-رواد النهضة الأدبية-دار العلم للملايين-بيروت 1952. 2-عمر الدسوقي-نشأة النثر الحديث وتطوره-معهد الدراسات العربية العالية مطبعة الرسالة، القاهرة1962. 3-نجيب الحداد-الديوان-المطبعة العثمانية-بعبدا (لبنان) 1906. 4-يوسف أسعد داغر-مصادر الدراسة الأدبية-مكتبة لبنان-بيروت 2000. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||