|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الباب ـــ أيمن إبراهيم معروف ها أنا أتركُ العنان لمشيئة الليل. بين الإشاعة والنوم يلمع الباب كسكين.. أمرن نفسي على هذه المصادفة مساء الأحد.. ممرٌ غامقٌ بين سريري والباب يفصل العتمة.. بينما على الضفة الأخرى يشحب الزمن بحوصلتين وملاقط للأيام.. أمرُّ على البلاط البارد بخفة طائرٍ.. وأحياناً.. أزحف كسحلية.. الباب عيونٌ مفتوحةٌ.. وأنا لي أسبابي كي أتسكع وأبعثر ضيق الهواء لأعيد الانسجام إلى جو الغرفة.. قنديلي شاحبٌ.. وروحي متشحة بالخوف.. من أين جاء الخوف..؟؟!! يقول مقبض الباب لا أحد! أجرؤ على تحسس شيء ما على الطاولة.. ومعي خرداوات الكتابة: /كلّ هذا الليل :/أنتِ معرضةٌ للمشيئة.. فاتئدي خلف ريبتك في هدوء.. يقول صوت. أصغي إلى هذا الحفيف-الصوت يرن في أذني وأنا أفهرس المخيلة.. بينما كلمات مدرس الرسم القديمة تتكثف مثل ندف الثلج وتنتصب فجأة في طريقي كعلامة.. أظافر طويلة تنمو مع الليل على مقبض الباب.. أتطلع في المرآة.. لا أراني في المرآة.. أنفاسي تتخاطفني وتطوح بي في الممرّ.. كلمةٌ ما تطن في رأسي.. وترميني في المحو.. السكون أشد قتامةً من الليل.. والأظافر تنمو.. وأكاد أعرف أنها فوق رقبتي تماماً.. تلمع كالسكين.. وليس من نبوءةٍ عن شمالي.ثمة أمر ما سوف يحدث. قلتُ، وأنا أقرأ الوجوه الممحوة. انشغلت بترتيب الكلام.. أصرخ: ما الذي يمكن أن يقال أيتها الكلمات لينضاف شيءٌ ما إلى جحيم الملمّات؟؟!.. ما الذي يمكن أن تقوله اللغة.. والليل ساطعٌ.. ساطعٌ.. كالمنفى؟؟!.. أفكر أحياناً بالنهار.. وأمرّرُ رقبتي تحت قوس الألم. يطلع الصباح باهتاً كالمصادفة بابُ البيت داكنٌ.. داكنٌ.. بينما مقبضه مشلوحٌ تماماً في الريح. ***** *الغد البارحة فاجأني الغد بصراحةٍ على باب بيتي. ربت على كتفيه وأنا أسعل من البرد.. ثم أدخلته من الباب الجانبي إلى الصالة على المرتبة فرك راحتيه بتؤدةٍ.. ثمَّ عدَّل من نظرته، قائلاً لي: أنت في مرآتكِ الآن ممحوةٌ على نحو أنَّك غير موجودةٍ. ثم جال بعينيه اللامعتين في أرض الغرفة والسقف والحيطان.. تاركاً لي على الطاولة وهو ينهض آثار غموض رنان.. بينما قسوةٌ زرقاء بين الباب والعتبة تلمع من خلال الهواء الذي يقشره الأمس أسود. أسود.. رميت بالقسوة عند الباب، وقلت: في الأربعين لا يحتاج المرء إلى أمور كثيرة، سيجارةٌ واحدةٌ تكفي لتحصيل ديونه من العالم. ******** *البالون أحزّ رقبة الوقت.. أرمي بالوني في هذا الفراغ.. وأركض.. يفلت الخيط من يدي.. أزعل وأركض وراء الخيط.. يضحك الخيط ويركض.. وأنا أركض وراءه.. وأبكي.. يعلو الخيط ويهبط.. يهبط ويعلو. وأنا ألهث وأنط.. رأسي المرفوعة إلى فوق محطة رصدٍ. ويداي شبكةُ صيد.. يتهادى الخيط.. ويهبط. يهبط بالوني.. فأثب عليه. وأخطفه بين أحضاني مثل نورس ضال. ****** *الفكرة أفتح التلفاز.. وأدخن تروق لي فكرة الليل. أقطع كهرباء الحواس وأطفئ التلفاز فقط.. شرار السيجارة يجعل المكان أرضاً صالحةً للإقامة. أفعل الشيء نفسه مع الكلام.. أعلقه من أقراطه على المشجب.. وأثور المخيلة. المخيلة مريضةٌ.. ومامن أحدٍ يستطيع أن يقدر المسافة التي قطعتها في الليل. وحدها الفكرة تعرف أني وصلتُ. **** *التباس البرد في داخلي. وثمة أصابعٌ ما ترفع غيمةٌ وتحط أخرى، ولا تلمُّ بقاياي المنثورة في أرجاء العتمة. أصابع معجوقةٌ بالليل تشدُّ أطراف الأرض إلى غرفتي وتُلقي مفاتيح اليأس في الطريق. حقيبة التيه ملأى، وأنا لا أريد أن أكون حمالةً للتيه. أفتح باب المدينة.. وفي يدي شماعة الغموض. وقف لي نورسٌ على الميناء. دس رقبته بين أعضائه كأنه يريد أن يتحرى قفطان الوقت بين سماء غائمةٍ ومساءٍ بليغ على أرضٍ مائلةٍ بالأسباب، أحياناً، كان يبدو لي النورس كعلامة تعجب تحت حر الظهيرة تدير قفاها للبحر. وأحياناً، مثل أحجيةٍ مرفوعةٍ في اللاّ شيء. لم أشأ أن أفسر الوقفة على أنها صدفة. تركت النورس وشأنه.. وعدت أدراجي إلى غرفتي. تمددت على سرير أيامي مثل كرزة. قالت لي أناي، وأنا أعبر أزقتي ومصائري وأسئلتي الكالحة: أنا في انتظارك. أرفع كل ليلة عود ثقاب وأدخل العالم معك، وأيامي تنحل في أيامك مثل دمعة. قلت لها، وأنا ملتبسةٌ بالأيام: =أنا قادمة... .. سويت شعري وأضأت لي شأني بقليلٍ من العطرِ، ثم أحطت بالمرآة المعتمة قبالة سريري، أخلع العتمة عن جسدي، سائرةً باتجاه الصوت. سمعت جلبةً كأنها جلبة أناسٍ قدامى يفركون آسَ أيّامهم وحكاياهم على العتبة. تقدمت في الليل، وفي ظنّي أنَّ صوت أناي قريباً يلمع أبيض عند المزهرية. المزهرية تغطس في الليل وتسحب العتمة كلها إلى تويج الزهرة. تمشيت على طول هذه الأبدية المعتمة وأنا أحدق في الفراغ. توقعت فألاً ما وأنا أمشي. حوجلة البكاء تجزُّ خواتيمها وأنا أتحرَّى أكرة الباب. تحوقل حولي الأشياء ككائنات غريبة.. بينما الحياة قطارٌ يصفر في الليل. *********** *غيوم الفوضى ترتب لي عزلتي اللاسعة.. ودمي ينقط كحنفيةٍ.. أجلس .. وأصفن في الغبش.. حولي الهواء الذي تخثر مثل قطرة ابتلت بالنشفان. اصفرَّت دودة القز في القيظ، وأنا أكدس أثلام الألم، وأهرق كميةً منه في طريقي. يعبر عبد الله عبد من أمام البيت ولا يطرق الباب.. يفتش عن خرابه القديم. قلت، وأنا أكشط الغبار عن العتبة: /المزلاج هرمٌ وقد تهرَّأ، وأنا لا أصدق بابي الجسور. منذ متى وأنا هنا.. منذ متى...؟؟!!.. العالم تنهيدةُ رعبٍ.. وإنائي فسيحٌ كفايةً.. نمت على حوافه كواكبٌ مطفأة. بينما العنكبوتة عجزت... وكلبي لا ينبح من زمان. عبد الله عبد بكنزته الصوف الداكنة ويديه المعروقتين.. وعلى رأسه قبعة.. يفتح تابوته ويعبر شوارع اللاذقية.. ندهت عليه فلم يسمعني. كان يتبختر على مهله ويتنقل في الأزقة مثل ملكٍ.. وحاشيته حوله.. ومن أمامه.. ومن خلفه.. تطلع من درفات قصصه كالأساطير. ألتقط أوهامي.. وأمرر عربات الليل. يداي فارغتان.. وبركة الأسماك جفت. أنظر عن يميني، عبد الله عبد بأشواقه الممزقة يذهب بعيداً، بينما أنا تختلط عليَّ الجهات، وأنا جالسةٌ في شمال التيه، أكلم نفسي: / صف لي أيها الألم عضلة قلبك –مثلاً- وأقواس هدبيك.. عينيك اللامعتين. صف إبر الخبل.. وحبات الفصام التي تكرج.. قف بي على بابك .. سبع قبائل من طيور الليل تكاد تنهب أطراف الأمل.. أنت يا عصباً مشدوداً إلى أثلام وردة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |