جريدة الاسبوع الادبي العدد 1046 تاريخ 10/3/2007
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

السينما والتاريخ العربي ـــ محمد عبيدو

إن محاولة استكشاف العلاقات الجدلية الكائنة بين التاريخ العربي كمادة درامية والفن السينمائي كفن تركيبي جديد في المجتمع العربي المعاصر تتطلب إعادة النظر في المنهج الذي يتبعه السينمائي في عملية تمثل التاريخ مع الإشارة إلى أن السينما العربية مشروطة بمجمل الحركة الثقافية العربية. فالسينما العربية ما زالت متعثرة في تناولها فضاءات الإبداع في التاريخ العربي.‏

والمتابع للسينما العربية يرى تعثر التجارب السينمائية العربية –باستثناءات قليلة- مع قضايا التاريخ في ظل الرؤية السائدة لقراءة التاريخ والتي تكرسها قوى وسلطات سائدة ومستمدة مشروعية بقائها من تكريس تفسيرها وصياغتها الخاصة الرافض للرؤى الأخرى المختلفة لقراءة أحداث التاريخ.. ولا يزال المبدع لدينا مقيداً في التعامل مع التاريخ بعقلية الرقابات العربية التي لا تقبل شكلاً فنياً يقدم التاريخ بطريقة غير الطريقة الرسمية.. والسينمائيون يعودون للتاريخ أحياناً من أجل طرح أفكار معاصرة لافتقادهم الحرية في نقاش القضايا الكبرى مثل السلطة والحرية في هذه الأيام. والسينما باعتبارها نحتاً للزمن، ملزمة، كنوع من التعبير بتقريب الواقع من المتلقي إيماناً بمصداقية وعدالة القضية التي يدافع عنها المبدع أكان منتجاً أو مخرجاً أو ممثلاً وكذلك التحلي بالجرأة في التطرق إلى مواضيع اجتماعية حساسة كملفات الاعتقال السياسي ورصد جانب غامض من التاريخ السياسي الذي كان يصنف ضمن التابوهات. ويمكننا مثلاً ضمن مقاربة السينما للتاريخ السياسي القريب أن نلاحظ أن الأفلام المغربية التي تطرقت لهذه الظاهرة مؤخراً ونذكر منها "منى صابر" لمخرجه عبد الحي العراقي (2001) و"درب مولاي الشريف" لحسن بن جلون (2004).‏

و"جوهرة بنت الحبس" لسعد الشرايبي (2003) و"ذاكرة معتقلة" لجيلالي فرحاتي (2005) هي بمثابة شهادات على حقبة من تاريخ المغرب وتكريم لأشخاص كانوا ضحايا هذه الحقبة كما أن هذه الأفلام حاولت أن تضع المتلقي، من خلال تكييف السيناريو والحوار والصورة والصوت واللغة، في قلب اللحظة التاريخية ماذا عن دور السينمائيين العرب في القراءة البصرية للتاريخ العربي؟.. ينبغي القول هنا إن مسألة قراءة التاريخ العربي في السينما ليست بدعة نظرية وإنما تنتظر على الصعيد التطبيقي مساهمات يقوم بها سينمائيونا. وهي في ذات الوقت ليست بدعة أو نزوة أو تعصباً وإنما ضرورة عصرية مشروعة خاصة بعد إرساء الأسس الاقتصادية للصناعة السينمائية في عدد من الدول العربية. إن علاقة السينما بالتاريخ لا تعني إعداد لائحة من الأعمال الأدبية والتاريخية إلى الشاشة بقدر ما يمثل هذا التاريخ عدداً من الموضوعات والتجارب الفكرية والمعرفية والتعبيرية. فالثروة العظيمة في تاريخنا العربي بكل ما يتضمنه من تراث وأبطال وقصص وعواطف وأحلام وخيالات وأوهام لم تتوضع بشكلها المطلوب في فضاءات الفن السينمائي العربي.‏

يقول "جان كوكتو": "إن الفيلم هو كتابة بالصور "والفيلم كتكثيف للحظة تاريخية واجتماعية وكنظام رمزي ودلالي، يمكنه أن يشكل انفتاحاً لأسئلة وقضايا تشغل المفكر المهتم بتطور الحساسية الجمالية أو بدرجة الصراع السياسي أو الحضاري لمجتمع من المجتمعات. ومن هنا فإن استلهام التاريخ العربي في السينما لا يعني إعادة سرده أو تبسيطه وإنما يمثل جوهره ودلالاته وتشكيل مادة جديدة تغني الزمن المعاصر. عبر أفلام سينمائية يمكن أن تتسم بخصائص أو هوية وطنية تميزها أسلوبياً عن السينمات الأخرى في العالم. إن التساؤل عن ماهية التاريخ يفجر الكثير من القضايا، منها ما يتعلق بضرورته، ومنها ما يتعلق بكيفية كتابته، ولكن ما يعنينا هنا –في مجال السينما كفن بصري- هو التاريخ المصور فالتاريخ قد خرج من سيطرة الكلمات [الكتابة-التدوين] إلى دائرة التحقق البصري إلى كونه متعيناً، متحققاً كصورة أمام أعيننا وهذا التحقق يدفع للتساؤل، للبحث عن أجوبة. ومن المتعارف عليه أن كل (فيلم تاريخي) هو لقاء بين خطابين ووسيلتين. للحديث عن كتابية وبصرية الخطاب السينمائي ينبغي أن يكون مشهدي الطابع منظرياً قابلاً للعرض يستحق المشاهدة ويجذب أو يشد الانتباه كما يتطلب التقيد الذي نشأ فيه الخطاب التاريخي هو النص الكتابي أو الوثيقة المكتوبة في زمن وقوع الحدث أو بعده بمدة زمنية طويلة أو قصيرة وهو الذي اصطلح على تسميته بـ(النص التاريخي) أو الخطاب التاريخي الذي يطرح نفسه كونه (علمي النزعة) وهو مايمكن أن يكون عليه الخطاب السينمائي. إن كل واحد من الخطابات هو عذر وحجة للآخر. وكتب التاريخ ستلبس أو تكتسي عبر السينما وبفضل الصورة السينمائية حقيقة تاريخية أكثر إقناعاً حتى وإن كانت مغايرة بعض الشيء للواقع الحقيقي للحدث التاريخي أو للشخصية التاريخية.‏

... ثمة أعمال تاريخية مميزة قدمت على الشاشة الكبيرة ابتعدت عن التسطيح أو فبركة الأحداث إرضاء لفكر مسيطر أو سائد وعملت على إنتاج معرفي وتعبير جمالي متطور، منها أفلام يوسف شاهين التي تناولت التاريخ الحديث في مصر عبر سيرته الذاتية مثل "رباعيته الاسكندرانية" والتاريخ القديم "المصير" عن المفكر الإسلامي التنويري ابن رشد و"الناصر صلاح الدين" عن القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي. وفيلمي "الرسالة" و"عمر المختار" للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد وإذا نظرنا إلى فيلم "عمر المختار" فسنجد أن شخصية عمر المختار قد خرجت من كونها أحد شخصيات كتب التاريخ التي ندرسها/ نقرؤها، إلى كونها شخصية مجسدة فاعلة، وبعد عرض الفيلم في أوائل الثمانينيات، أصبح عمر المختار حديث العالم العربي، وأصبحت تلك الحقبة محط الأنظار ومركز الاهتمام، ولا يزال الفيلم حتى يومنا هذا يحظى بأكبر قدر من المشاهدة لدى عرضه على الشاشات التلفزيونية.‏

وفي الفيلم السوري "تراب الغرباء" إخراج سمير ذكرى المأخوذ عن رواية للكاتب السوري فيصل خرش ويتناول حياة المفكر الإسلامي عبد الرحمن الكواكبي. قدم سمير ذكرى جهداً لافتاً في محاولة إحياء شخصية مهمة في التاريخ عبر محاولة استعادة المكان والزمان اللذين عاش فيهما الكواكبي وعلى الرغم من أن الحدث المفصلي في حياته والمتعلق بتمرده على الحاكم العثماني وانتقاده في كتابه "طبائع الاستبداد" وحادثة نفيه إلى مصر، وعلى الرغم من أنها تشكل محور الفيلم وحدوته.. "تراب الغرباء" يحكي على مدار ساعتين ونصف محنة عبد الرحمن الكواكبي.. وقد كان جلياً أن الفيلم يؤكد رسالة مهمة وهي أن العرب يعانون من الاستبداد والجهل اللذين يكرسان تخلفهم وتعطل لحاقهم بالأمم المتحضرة. كشف الفيلم عن التعصب الديني والاستبداد السلطوي والجهل الذي يغذيه الدجالون المتحالفون مع سلطة الوالي العثماني، آنذاك إن هذا الفيلم الذي تميز، أيضاً، بأداء متفوق من قبل كل الممثلين الأساسيين وبتصوير رائع وإخراج متمكن يمثل نقلة نوعية في تسخير السينما لمعالجة قضايا الحريات والعلم، وأهمية التسامح في المجتمع السياسي في البلدان العربية.. وعلى الرغم من أن الفيلم يحكي عن الفترة الممتدة حتى نهاية القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين، فإن المسائل المطروحة من خلاله لا تزال تتطلب المواجهة والمعالجة.. وربما يعزف المبدعون في الثقافة والفنون عن طرح مسائل معاصرة واللجوء لمواجهتها بشكل غير مباشر من خلال العودة إلى التاريخ وسبره واستنباط الدروس المستفادة منه.‏

.. ونذكر أيضاً "أحلام المدينة" و"الليل" لمحمد ملص و"الترحال" لريمون بطرس، وهي أفلام عادت إلى فترة مهمة من تاريخ سوريا السياسي والاجتماعي في الأربعينيات والخمسينيات. وكذلك الأفلام التي تناولت الحرب الأهلية اللبنانية وأحداث الثورة الفلسطينية، لمخرجين مثل مارون بغدادي وجوسلين صعب وجان شمعون وسمير حبشي.. كما تبرز هنا أعمال السينما الجزائرية حيث إن لتزامن بداية الإنتاج السينمائي الجزائري مع ثورة شعبها على الاحتلال الفرنسي (1954-1962) دوراً كبيراً في صياغة توجهه نحو تصدير حقائق الواقع المعيش وتسجيل الأحداث التاريخية، خاصة المتصلة منها بالثورة الجزائرية، حيث نجد أن الثورة عملت منذ البداية على تجنيد كل ما أتيح لها من الوسائل السمعية البصرية والكفاءات لتوثيق كفاح الشعب الجزائري في أفلام مادتها الأولى من نسج الواقع اليومي للثورة مثلما سجلت نشأة متميزة لـ(فن سينمائي) يرتبط ارتباطاً مباشراً بالواقع النضالي، فلم يكن للأعمال المنجزة حينئذٍ، إلا أن تساير تاريخ الأمة وتشكل جزءاً من ذاكرتها الجماعية. ونذكر منها فيلمين لخضر حامينا "وقائع سنوات الجمر" و"رياح الأوراس" وفيلم "أبواب الصمت" لعمار العسكري وغيرها.‏

كما نلاحظ أن المحاولات التي تمت في السينما العربية لإنجاز أفلام تقارب التاريخ العربي ارتكز بعضها في صياغاته على التراث الأدبي فبعضها استعار بعض أحداثه أو أسلوب السرد في "ألف ليلة وليلة" مثل فيلم "المغامرة" للمخرج السوري محمد شاهين، و"كيد النساء" للمخرجة المغربية فريدة بليزيد و"وقائع مغربية" للمخرج المغربي مؤمن السميحي.‏

ونرى أن هناك عدة أسباب لانحسار الفيلم التاريخي في السينما العربية على الرغم من جماهيرية هذا النوع بعامة. أولها الفهم الفكري والثقافي لهذا النوع السينمائي وثانيها ضعف مؤسسات التمويل والإنتاج السينمائية التي أصبحت تفضل أفلام المغامرات والكوميديا الخفيفة. خصوصاً مع خصخصة القطاع العام السينمائي في معظم الأقطار العربية "مصر والجزائر" والتي كانت تتولى إنتاج هذه الأعمال. ويمكن على سبيل المثال ملاحظة الأفلام التي أنتجتها مؤسسة السينما السورية عن القضية الفلسطينية وتناولت أحداثاً تاريخية بمنتصف القرن الماضي لنراها تضم قائمة كبيرة منها "المخدوعون" لتوفيق صالح و"كفر قاسم" لبرهان علوية و"السكين" لخالد حمادة و"الليل" لمحمد ملص. بينما احتاج يسري نصر الله للتمويل الفرنسي لإخراج فيلمه "باب الشمس" الذي يؤرخ للقضية نفسها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244