|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الدكتور محمد النابلسي في كتابه (أوهام مشروع الشرق الأوسط الكبير) تموقع رمال الشرق أوسطيين أمام النواة الأميركية ـــ علي العائد بعيداً عن الصوفية السياسية القائلة بهزيمة أميركية في العراق، فإن فشلاً أميركياً يستمر في العراق!.. ينهي الدكتور النابلسي كتابه هذا بهذه العبارة المفتوحة، شأن الصراع المفتوح على كل احتمالات النجاح والفشل! فالتاريخ قال دائماً، ولو بعد حين، لمن الفشل ثم الهزيمة. يضيف النابلسي: ندعو" إلى تجنب قراءة مشروع الشرق الأوسط الكبير قراءة أيديولوجية،.. وحجتنا تقوم على ضرورة طرح التساؤل: هل تتمسك الولايات المتحدة بهذا المشروع لو هو تعارض مع مصالحها؟ .. والجواب دائماً بالنفي". تعود إرهاصات مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى الأشهر الأولى مابعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي أفقد الولايات المتحدة معادلة توازن الرعب، المسمى بالحرب الباردة، بين الشيوعية ممثلة بالاتحاد السوفياتي، والرأسمالية ممثلة بالولايات المتحدة الأميركية، فقد اعتادت الولايات المتحدة على توجيه مصالحها بمخالفة الطرف النقيض، الذي مثلته أوروبا لغاية الحرب العالمية الثانية، لينتقل دور العدو إلى الشيوعية. وفي جميع الأحوال، كان الأميركيون يبرمجون سياساتهم، ويتموقعون في السياسة الدولية، اعتماداً على مخالفتهم للآخر، فلما غابت الشيوعية من دون عدو وريث، وقعت الولايات المتحدة في حالة فقدان التوجه. وهذا ما يؤكده هنتنغتون حول العجز عن توجيه المصالح الأميركية في ظل غياب العدو، بل إنه يصل إلى حدود المطالبة بالبحث عن عدو، حين يتساءل: هل كان انفجار أوكلاهوما ليحدث على أيدٍ أميركية لو كان هنالك عدو؟! كذلك، كان سقوط الاتحاد السوفياتي شديد الوطأة اقتصادياً على الولايات المتحدة! وإذا كان بوش الأب قد نجح في إنعاش الاقتصاد عبر حرب العراق الأولى، فإن كلينتون نجح في اعتماد تقنيات اقتصادية ذكية، لكنها غير كافية للإنقاذ. فجاء بوش الإبن ليواجه سرطاناً اقتصادياً لايمكن شفاؤه إلا بفرض الأتاوة على العالم. وهذا هو التفسير لسياسات بوش الاقتصادية والعسكرية الراهنة. عراق.. نفط.. جغرافيا مشكلة بوش الإبن، بدايةً، ومن ثم مشكلة الولايات المتحدة، اليوم، هي قدرة الصقور على إقناع بوش بأن سلوك كلينتون كان دليل ميوعة، ونقصاً في القدرة على حسم الأمور،... اقتنع بوش بذلك، وسار في الاتجاه المعاكس، فأوصل أميركا إلى مأزقها الراهن، من احتلال أفغانستان، إلى احتلال العراق. وفي الظاهر أن سبب ذلك كان الرد على أحداث الحادي عشر من أيلول، أما بواطن الأمور فهي سلسلة من الخطط وبدائلها الموجودة في أدراج البيت الأبيض، جاهزة للتفعيل حين تدعو الظروف إلى ذلك، ولافرق هنا بين صقور وحمائم. وكان أن بدأت فكرة تعديل الشرق الأوسط الإنكليزي، والشرق الأدنى الفرنسي، إلى الكبير، فلكل غرب شرقه المعلن، وعلى أبناء الشرق اتباع الوسائل القانونية لإثبات حقهم في أرض وفضاء أنبتا وجدانهم الميت الحي، في انتظار انبعاث معجزة سلام الذئب والحمل. يتضمن مشروع أميركا للشرق الأوسط الكبير مجموعة ضخمة من الإلحاقات الجغرافية التي توسع حدوده، وتبرر تسميته بالكبير، فالشرق الأوسط الأميركي يتاخم كل الأعداء المحتملين للولايات المتحدة، فهو يتاخم أوروبا من جهته الغربية، والصين من الشرقية، وروسيا شمالاً. وهذه الحدود المترامية الأطراف ترشح المنطقة للعب دور استراتيجي هام في احتواء هذه الجهات الثلاث، عدا عن الاحتواء الأميركي المباشر للمنطقة نفسها، بسبب استحالة الحفاظ على استقرارها من دون مساعدة أميركية تلغي كل المنظمات الإقليمية فيها، أو تصيبها بشلل تام. أما عن توقيت طرح المشروع، فهو يتعلق باستعجال الاستراتيجيين الأميركيين تثبيت الواقع العالمي الجديد، بعيداً عن استثمار الحرب العراقية، والغاية هي قطع الطريق على أي احتمال نهوض أوروبي، فقد أعلن بوش، مرةً، في خطابه البريطاني منع قيام قوة التدخل الأوروبي السريع، وضمناً منع تفرد أوروبا بشمال أفريقيا، حيث ضمُ المغرب العربي للشرق الأوسط إعلان ناجز عن عدم الاعتراف الأميركي بوجود مصالح أوروبية. وأوروبا، للعلم، على خلاف الولايات المتحدة، ترى أن معادلة تأمين مصالحها في المنطقة العربية مكونة من ثلاثة حدود: التحديث، فالديموقراطية، فالأمن. في حين تراها الولايات المتحدة مكونة من حدين اثنين: الديموقراطية، و"مكافحة الإرهاب الإسلامي الدولي". الآن، وباستعمال اصطلاح بديل لعبارة "الفوضى الخلاقة"، سنجد أن غموض مستقبل المنطقة مرتبط بغموض الاستراتيجية الأميركية. فإذا تحرينا عن أوضاع المنطقة ما بعد حرب "عاصفة الصحراء"، لوجدنا أنها شديدة السوء بالمقارنة مع ماقبل ذلك. وهذا يشكل إدانة جماعية، من أطراف متناقضة، للسياسة الخارجية الأميركية، إذ عدا عن الخسائر الخليجية الفادحة، والانهيار العراقي، سنجد أن الانعكاسات الاقتصادية لهذه الحرب تؤثر على دول الجوار الجغرافي، وعلى الدول المصدرة للعمالة، حتى البعيدة منها عن المنطقة. أما بعد الحرب العراقية، فيبدو أن مبدأ بوش "الحرب الاستباقية" المحكوم بلعنة مبادئ الرؤساء الأميركيين، قد وقع في نطاق اللعنة نفسها التي وقع فيها أسلاف بوش، من أمثال مونرو، ويلسون، أيزنهاور،.. ولعل شخصية الرئيس بوش هي أحد أهم مسببات فشل مبدئه، إذ تتصف شخصيته بالتبعية، وبتقبل الإيحاءات، والعجز عن تحمل الإحباطات، والعزلة الدفاعية عن حقائق العالم الخارجي، وهي صفات تتحول إلى كارثية لدى ترافقها مع محدودية القدرات الذهنية. تراجعات أميركية هل يمكن اعتبار مشروع الشرق الكبير رداً أميركياً غير مباشر على طموحات العالم غير الأميركي باقتناص فرصة متساوية في عالم اقتصاد السوق، ورداً عسكرياً يفعل أكثر مما يقول، كما تفضل الولايات المتحدة، اليوم، أن تفعل؟.. لنتذكر، إذاً، العولمة! فقد أنجزت العولمة كل، أو معظم، مقدماتها النظرية قبل أن يفاجأ الأميركيون بسقوط الكتلة الاشتراكية (بالرغم من توقعهم لذلك)، فقاموا بطرح العولمة، ووضعوا لها المؤسسات الدولية، ليعودوا فيطرحوا ِصدام الحضارات، ويعيدوا سياسة الأحلاف، بما يشكل تراجعاً تاماً عن الطروحات السابقة. يقول النابلسي:" أي مشروع أميركي قابل للتعديل، حتى الانقلاب، لو تعارض مع المصلحة الأميركية". وفي رؤيا شخصية للمؤلف، يقول:" مشروع الشرق الأوسط الكبير يحقق وجوهاً عديدة للمصالح الأميركية، لكنه يتطلب تضحيات لاتشجع على تقديمها البراغماتية الأميركية". ويورد المؤلف البراهين على ذلك مما فعلت الولايات المتحدة، فالتراجعات الأميركية بدأت بالتدخل في المجال الحيوي للصين،.. ثم التراجع الأميركي عن الاعتراف بوجود مصالح أوروبية حيوية في شمال أفريقيا،.. ثم تحدي بوش لروسيا عبر إعلانه عن الدرع الصاروخي،.. هذه التراجعات هي مكاسب محتملة لأميركا لمواجهة تهديدات مصالحها، وتحويلها باتجاه خدمة المصالح الأميركية، والثمن تراجع نمو اقتصادات هذه الدول، وغموض مستقبلها. هذا ما تبدى في ضعف الدولار، والتلاعب الأميركي بأسعار النفط، وقبلهما التلاعب الأميركي بقوانين منظمة التجارة العالمية، ماوصل إلى حدود المواجهة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا بسبب هذه المخالفات، ومثال ذلك الدعم الذي تقدمه الدولة الأميركية لصناعة الفولاذ، ولبعض الزراعات. مراجعات أميركية ذلك مايمكن أن يكون، أو كان من الابتكار الأميركي. أما في المنطقة العربية، فماهي الركائز المغرية لطرف، أو أطراف، كي تكون قاعدة فكرية، أو سياسية، أو إعلامية، أو عسكرية، للولايات المتحدة؟ وماهي الفائدة الأميركية من إجبار أغنياء المنطقة على تبني فقرائها، والدخول معهم في حلف استرتيجي؟ وهل هذا الحلف الذي يجمع بين مالكي الثروات، ومالكي التقنيات العسكرية، سيشكل خطراً على المستقبل الأميركي في المنطقة؟ بداية، التناقضات بين دول هذا الحلف تجعله قابلاً للانفجار في أية أزمة مفصلية، خصوصاً وأنها تجمع بين التناقض العرقي والديني والمذهبي واللغوي، على خلاف البراغماتية الأميركية التي تحدد أهدافها في المنطقة بتقسيم نظري، أو عملي، على النحو التالي: 1 – الدول النفطية: وتضم دول الخليج العربي والعراق وإيران. 2 – التخلص من أعباء المعونات المقدمة لإسرائيل، والتي لم تعد مبررة استراتيجياً. 3 – التحكم في تناقضات المنطقة، وملكية خيوطها التي تسمح بقلب الطاولة على أي نظام يهدد المصالح الأميركية في المنطقة. والسؤال هنا، انتهاءً، لا يطرح حول القدرة الأميركية على تأمين ضبط الحلول، بل حول قبول إسرائيل بتهميش دورها الاستراتيجي على هذا النحو، حيث الإغراء الاقتصادي ضعيف في هذا السيناريو، لأن إسرائيل محاطة بفقراء العرب، ولأن أغنياء العرب لا يحتاجون للأسلحة في ظل تحالفهم مع الولايات المتحدة. فإذا ما لاحظنا أن متوسط دخل الفرد الإسرائيلي، حالياً، هو في حدود ستة عشر ألف دولار أميركي سنوياً، سندرك خطورة هذا التهميش على إسرائيل، فاليهودي يفضل الشتات على تدني المدخول المادي، ماقد يدفعه إلى ترك أرض ميعاده إذا ما تراجع دخله. ولكن هل يصل الخلاف الأميركي الإسرائيلي إلى حدود التصادم؟ لنرَ! آخذين مثالاً على ذلك ممن هم أقل قدرة من إسرائيل بجميع المقاييس. ففي العقود الماضية، كانت الدول الأصغر تفكر ملياً في رغبات القوى الإقليمية، واعتباراتها، قبل اتخاذ أية خطوات مهمة في السياسة المحلية، أو الخارجية. أما بعد احتلال العراق، فإن كل الصغار يتطاولون على كل الكبار، مثل عقد البحرين لاتفاقية التجارة مع أميركا، متفردة عن السعودية،.. أو اتخاذ سلطان عُمان قراراً بإقامة انتخابات عامة، أو إنشاء دبي منطقة إعلام حرة، حيث يمكن للمستثمرين، أياً كانوا، أن يتمتعوا بالحرية الإعلامية. كل هذه الخطوات ماكانت لتتحقق لو أُخذت في الاعتبار الحساسية الإقليمية مجتمعة، إذ إن هذه الدول الصغيرة باتت تنظر إلى رد فعل واشنطن، وليس إلى رد فعل أية عاصمة إقليمية، قبل الإقدام على أية خطوة. وهذا ما يبرر اهتمام القيادات الإقليمية بأن تراقب عن كثب تطورات السياسة الداخلية للدول المجاورة. والأمر سيان بالنسبة إلى مصر، التي يبدو دورها يتضاءل أكثر فأكثر. فالقاهرة لن يُسمح لها بأي دور ريادي في أمور الخليج، الأمنية مثلاً. وهي تفضل عوضاً عن ذلك أن تكون مفيدة في جوارها القريب، أي أن تكون وسيطاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو حتى بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. الكرامة.. والإنترنت تحفل تقارير التنمية البشرية بأرقام ومعطيات مبنية على مزيج من إحصاءات رسمية شاملة، أو بطريقة العينة (غير العمياء، حتماً) وتقارير لصندوق النقد والبنك الدوليين، إضافة إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان "المستقلة". في هذه الأرقام يجد الباحث كل مايريده، وأكثر، من نصيب الفرد السنوي من مياه الشرب، ونصيبه من ساعات الإنترنت، وحتى الحريات الإعلامية، والشخصية، والسياسية،.. يقول النابلسي:" مياه الشرب والإنترنت ليست موضع أولوية لدى شعوب المنطقة، فهذه الشعوب تقدم كرامتها القومية، على كل نصائح تقارير التنمية البشرية". فهل ينفي هذا صلاحية هذه التقارير للاعتماد كنواة لإطلاق مشاريع مقبولة من شعوب المنطقة، وهي تثبت بأشكال عديدة رفضها استبدال ذلك بسعادة مياه الشرب، كخيار بين أمرين، خاصة أنها تدرك أنها ليست فقيرة، بل هي تعرضت على مدى عقود لسياسة إفقار منظمة، ومن ثم فإن الحل لا يكون بتبرعات أميركية، وإنما بإطلاق حرية استثمار ثروات المنطقة، من دون تقنين الإفقار الأميركي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |