جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الذكرى الخمسون لقيام الجمهورية العربية المتحدة ـــ إسماعيل الملحم

مضى نصف قرن من الزمن على قيام أول تجربة وحدوية في تاريخ العرب الحديث، في الثاني والعشرين من شهر شباط 1958 تدفقت الجماهير في كل من مصر وسورية لتعلن رأيها في استفتاء ندر نظيره لتجتمع الجماهير على كلمة (نعم لقيام الجمهورية العربية المتحدة).‏

كان قيام الجماهير نتاجاً لعاطفة قومية متأججة، كان الشعب العربي في كل أقطاره يتعطش لقيام الوحدة العربية، وهي حلمه الكبير منذ بداية اليقظة العربية وشعور العرب بتميزهم عن الأقوام التي كانت تنضوي تحت عباءة سلاطين العثمانيين الذين اتخذوا الخلافة الإسلامية لبوساً لحكمهم منذ عام 1517 يوم دخولهم إلى مصر...‏

تجسد الحلم بقائد له كاريزماه التي أسبغت عليه كل صفات البطل المنتظر، رأت فيه الجماهير المارد الذي خرج من القمقم...‏

أحدث قيام هذه الوحدة تحولات بدت في ذلك الحين ضرورية لإعادة التوازن إلى أمة حصلت معظم أقطارها على استقلالها دون أن يكون الاستقلال سبباً كافياً لقيام وحدة عربية تتجلى في دولة موحدة... كانت الجمهورية العربية المتحدة في رؤى الجماهير نواة تستكمل بها وحدة العرب المنتظرة وغرق الناس في التفاؤل وإن هي إلا أعوام قليلة وربما شهور ويصبح الحلم حقيقة مجسدة.‏

كانت الخيبة الأولى في العراق فإذا كانت حركة تموز 1958 قد أتت مفاجئة وكأنها أولى ثمرات وحدة القطرين السوري والمصري، وإذ تراءى أن العراق سيكون الإقليم الثالث في دولة الوحدة العتيدة إلا أن ما حدث كان صدمة فقد صفّى رفاق الأمس بعضهم بعضاً وابتعد العراق عن دولة الوحدة ـ ربما أكثر منه في عهد الملكية ـ.‏

وكانت البيروقراطية المتحكمة بالإدارات المختلفة وسوء الأداء الإداري، بخاصة في إقليم الجمهورية الجنوبي تقلل من زخم الشعور الوحدوي وتسيء إلى الوحدة أكثر مما كان يجب أن يكون ذلك في خدمة الوحدة وتطويرها وإعطائها شحنات مقوية تدفع بها إلى أمام وتلك خيبة أخرى.‏

كان عماد الوحدة الاندفاع العاطفي من الجماهير نحو قائدها أكثر من أن يكون فعلاً عقلانياً واعياً بأدواته وقدراته قادراً على وعي قدرات المنظومة الوحدوية التي صيغت في مواثيق قيام الوحدة...‏

وبدلاً من أن يكون الفعل الوحدوي ـ المفترض أنه قد أصبح أقوى بكثير مما كان الحال عليه قبل ولادة الجمهورية ـ مرناً قادراً على التكيف مع المناخ الضاغط عالمياً والمعادي لهذه الوحدة فإن ما حصل كان يحمل كثيراً من الاستفزازات التي وجد فيها الآخرون أسباباً للعداء وممارسته ربما ببراعة افتقدتها الوحدة التي أضاعت الشيء الكثير من الزخم الوحدوي عند الجماهير...‏

وإذا كان للعوامل الخارجية الدور الأهم في التآمر على الدولة الفتية فإن عوامل داخلية ثقافية أولاً واجتماعية وسياسية قد أضافت إلى العوامل الأولى قوة فوق قوتها.‏

أُخذت العاطفة الوحدوية إلى قنوات غير قنواتها فبدلاً من أن تكون هذه في صلب عمل ثقافي وحدوي يستنفر الطاقات ويجمعها ويطورها بحيث تكون الأقدر على صون ما أنجز وتسليحه بوعي قومي ذي معالم واضحة، ترك هذا العمل وأهمل وأوكل إلى المغنين ومدبجي الشعارات، واتجهت الدعوة إلى الوحدة على المستوى الرسمي لتفرق بين جماهيرها لا أن تزيد في لحمتهم وتقويها...‏

ولعل أخطر ما حصل بعد انكسار الحلم وفك الوحدة بين جناحي الجمهورية العتيدة كان تلك الانقسامات الهائلة والشروخ بين صفوف الوحدويين... لم يكن الوعي بضرورة الوحدة من القوة بحيث يمنع الانقسامات ويرمم الشروخ لذلك أخذ الفكر الوحدوي بالتراجع حتى غدا الكلام في الوحدة بل في العروبة مستهجناً إلى حدود إقصائه وإعلان موته من فئات كثيرة أُخذت بشعارات الحريات الفردية وحقوق الفئات الأثنية دون أن تمحص في بواعث مثل هذه الدعوات وأهدافها ومصادر تمويلها وإنمائها... فكأن العروبة قد صارت بعبعاً أو مرضاً تجب مكافحته بأمصال ظاهرها صحي وباطنها سم زعاف... وليس ذلك فحسب، ترويج سلوك عدم المبالاة بالشأن العام وتنمية النزعات الفردية وإغراءات الاستهلاك قد نمت جميعها على حساب العمل الوحدوي الذي يحتاج إلى الكثير من البحث والاهتمام ومراجعة ما حدث في العقود القليلة الماضية.‏

تمر ذكرى الوحدة وكأنّا لا علاقة لنا بها ولا بما أدى إلى قيامها ولا بما ساعد على تقويضها...‏

تراجعت ثقافة الأمة من حيث كان يفترض أن تكون ثقافة قادرة على الإسهام في عمليات التغير والمحافظة على وحدة شخصية الأمة وصون خصوصيتها الثقافية من الغرق في ثقافة الاستهلاك وثقافة الانبهار بالآخر وثقافة الشعور بالدونية بدلاً من تنمية القدرات الإبداعية وتوظيفها في خدمة الثقافة القادرة على التكيف مع عصر المتغيرات السريعة والهائلة، والبحث عن أسباب القوة في قدرات الأمة من خلال عملية تربوية شاملة تنتج مخرجات قادرة على الفعل...‏

تظل ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة شمعة مضيئة تذكرنا بضرورة الوحدة وبأهمية نمو ثقافي وحدوي يحافظ على هوية الأمة ويعزز شعور الانتماء ويبحث عن العوامل التي تسهم في تقوية التواصل بين مثقفي الأمة والتشجيع على إنتاج ثقافة قومية عصرية تنقل الثقافة العربية من حالات الحركة البطيئة إلى رحاب الفعل والتواصل مع العصر بفاعلية تساعد على الإسهام في تقدم حضارة العالم في وجوهها الإنسانية والتقدمية. ويكون ذلك بعيداً عن الأفكار الجامدة والمحنطة التي لا تخدم مسألة الوحدة والتقدم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244