جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الآخر في كتاب «مقال في الرواية» ـــ باسم عبدو

يقول الناقد يوسف سامي اليوسف في مقدمة كتاب (مقال في الرواية): إنَّ التدفق الغزير في البلدان العربية، وهذا السيل الزاخر، علامة انحطاط، وإنَّ معظم ما ينتجه الطور الراهن من آداب ليس سوى نتاج خديج يعوزه النضج والكمال، بل تعوزه التلقائية أول كل شيء، وإن الروائيين العظام الذين أنجبهم العالم كله طيلة القرون الثلاثة الأخيرة لا يزيدون عن حفنة صغيرة من الأفراد الأفذاذ.‏

هل هذا الرأي هو حصيلة الدراسة النقدية، خلال قرون ثلاثة للرواية، للوصول إلى هذه النتيجة؟‏

هذه مسائل جدية، ومواقف لا يمكن تبنّيها، والجزم في تعميمها، والقول إن الرواية قد وصلت إلى مرحلة الانحطاط في القرن العشرين، وإن الرواية فنّ أنتجته أوروبا، فلم يزدهر بأصله إلا في أوروبا!‏

لا أحد يتنكّر للتاريخ ويقول، إن الرواية عربية، انتقلت إلى أوروبا، فهي فنّ عَبَرت حدود أوروبا إلى العالم العربي، لكنها بعد أن وصلت إلينا، انتقلت من (مرحلة الترجمة) إلى الرواية التقليدية، ومرَّت بمراحل الطفولة والشباب (النشوء والتطور) لتصل في العقود الثلاثة الماضية إلى (مرحلة الخصوصية العربية)، وتواشجت فنياً مع الرواية العالمية، وتفوَّقت على بعضها، وأصبح لها رصيد في الترجمة إلى عشرات اللغات الأجنبية، وما يبرهن على ذلك (جائزة نوبل لنجيب محفوظ عام 1988).‏

ويقول أيضاً: (إفلاس الفكر الأوروبي).. هل أفلس الفكر الأوروبي؟ ومتى؟ هذا الإعلان لم يسمع به أحد! فالفكر الأوروبي كما يقرّ ويعترف فلاسفة ومفكرو العالم يمرّ في أزمات، مثله مثل السياسة والاقتصاد، لكنّه لم يصل إلى مرحلة الإفلاس! فقد أنتج فلسفة وعلماً، أصبحا مدّخراً للعالم، بخاصة بعد أن أنقذ أوروبا من سيطرة الكنيسة وعبوديتها، وأنجز الأوروبيون (فصل الدين عن الدولة)، وهو أكبر إنجاز حضاري ـ مدني، ذهب ضحيته ملايين الناس.. وليس كما يقول الأستاذ يوسف، بأن الفلسفة الأوروبية (زائفة وخاوية إلى حدّ مثير للذهول).‏

ويمكن للقارئ المتذوّق، والناقد الحذق، ألا يستسيغ رواية أو قصة، ولكن هذا لا يعني أن هذا الروائي أو القاص يقف على رصيف حثالة الإبداع. والمؤلف نفسه لا تعجبه رواية يولسسز، لجويس، ورواية أولاد حارتنا لمحفوظ، وهذا من حقه ولا أحد يقف في طريقه، ولكن «آزورين» كتب مرة، وهو روائي مُملّ: (يكتب الأديب النثر، النثر الصحيح، النثر الكلاسيكي، ومع ذلك فإن هذا النثر لا يساوي شيئاً دون خميرة الرشاقة، والقصد المهم، والسخرية، والتهكّم..).‏

ولا يرى المؤلف في روايات (أولاد حارتنا، الحرافيش) لنجيب محفوظ أية صلة بالفن الروائي كله! ويؤكد من جهة ثانية أنه نص شديد الشهرة، لكنه في الوقت نفسه بعيد جداً عن أن يكون ذا قيمة أدبية في نظر من له أدنى خبرة بفن الرواية.‏

جاء في مقدمة كتاب فيليب ستيوارت، لترجمة (أولاد حارتنا) في مقالة للناقد ماهر شريف فريد (مجلة فصول ـ العدد الثالث ـ 1997): (يقارن الناشر هاينمان، أولاد حارتنا، بأعمال من طراز مسرحية برناردشو «العودة إلى متوشالح» ورواية كازانتزاكس «المسيح يُعاد صلبه» و«مزرعة الحيوان» الأورويل.‏

إن كتاب (مقال في الرواية) للناقد يوسف سامي اليوسف، الصادر عن دار كنعان عام 2002، يتألف من مقدمة وستة فصول هي: (معيار الرواية، ازدهار الرواية ـ الرواية الروسية ـ الرواية الفرنسية ـ الرواية الأمريكية بين الحربين العالميتين ـ أزمة القرن العشرين) وخاتمة، في مئة وخمس وسبعين صفحة.‏

حشد الناقد اليوسف عشرات الروايات في هذه المقالات الملاكَّزة، وعزل أو فصل الحَبّ الصافي عن الزّؤان، وبيّن رأيه الصريح دون مواربة.‏

ويرى أن الرواية محمولة على قاعدة مؤلفة من ثلاثة عناصر هي:‏

أولاً: المثل الأعلى الشامل.‏

ثانياً: التعاطف بصدق مع الإنسان المفجوع.‏

ثالثاً: أصالة الرؤية وسلامة القدرة.‏

أمّا معايير الرواية فهي أربعة:‏

أولاً: شعورك ساعة القراءة، بأنك في حضرة روح متفوق، نادراً ما تصادفه حتى على الورق.‏

ثانياً: رغبتك في العودة إلى النص.‏

ثالثاً: رسوخ فحوى النص في الذاكرة.‏

رابعاً: انتشار النص في الزمان والمكان.‏

إن معيار الرواية (حسب المؤلف) المستخلص من غاياتها الأخلاقية، ينبغي أن يتحدّد في قدراتها على صياغة الشخصية التي تصلح كي تكون قدوة من شأنها أن تسهم في صنع الكمال الروحي.‏

إن القدرة على صياغة الشخصية لا يكفي للوصول إلى (الإمتاع والمؤانسة)، وكي تحقق الرواية النجاح (التوهج) ليس في الأسلوب أيضاً. فهناك روائيون يتميّزون بأسلوبهم (الرزين والسليم) من العاهات اللغوية والفنية، ويطبّقون العناصر الفنية تماماً، ويستخدمون كل الأدوات التي تخرج الحدث بأبهى صورة للقارئ، لكنّ القارئ يحسّ أو يشعر أن الرواية لم تُقدّم له ما يريد، إما لأنه لا يتفق مع الروائي في الثيمات أو في الأيديولوجيا أو سواها...‏

ويُحدد الناقد اليوسف، المقومات المعيارية الوثيقة الصلة بمفهوم الرواية كما يلي:‏

أولاً: نقطة ازدلاف أو (بؤرة مركزية).‏

ثانياً: رشاقة النص، بحيث تقرأ الرواية حتى نهايتها.‏

ثالثاً: البحث في أعماق الحياة، والابتعاد عن سطوح الأشياء.‏

رابعاً: حيوية الشخصيات وقدرتها على العيش في الذاكرة وعدم نسيانها.‏

خامساً: تزويد الأسلوب بشيء من الغنائية «الشاعرية».‏

سادساً: مقوّم تركيبي محبوب أو جذّاب...‏

لقد ازدهرت الرواية في القرن 18، وأن الطبقة الوسطى هي أقدر كيان اجتماعي على إنتاج الثقافة الرفيعة كما يقول الأستاذ يوسف سامي اليوسف، ولكن هناك من يقول، إنّ التوسع التدريجي لطبقة الفقراء كان له أثر في تطوير الأدب المتوجه إلى تلك الطبقة، وأن نشوء الرواية، بالإضافة إلى نشوء الصحافة أصبحا مثالين حيين معبّرين عن أثر التغيرات في جمهور الأدب.‏

ومنذ صدور كتاب (جوانب الرواية) لفورستر، صارت رواية (مول فلاندرز) مضرب المثل، وبدأت تفرض نفسها على أنها العمل الوحيد الأمثل لغرض استقصاء المناهج التي اعتمدها «ديغو» كروائي، ولغرض تبيان موقعه في تراث الرواية. ويُبيّن تاريخ الأدب أن روايات ديغو تنتصب كالصروح، ولكن روايته (مول أومل فلاندرز) خضعت لنقد شديد، لا سيما العلاقة بين العناصر الثلاثة (الحبكة ـ الشخصية ـ المغزى الأخلاقي).‏

إن الروايات التي درسها الناقد، ومحَّصها من خلال (معيار الرواية) تحتاج مناقشتها إلى عشرات الصفحات إن كان في فرنسا أو روسيا أو أمريكا...، وتحتاج أيضاً إلى العودة إلى بعضها، وإلى الدراسات النقدية (العربية والأجنبية)، كي نتمكن من إعطاء الرأي السليم فيما يراه الناقد اليوسف، وعدم الوقوع في مطبّات بعيدة عن الأخلاقية النقدية. ويجري يوسف سامي اليوسف مقارنات بين الروايات ويُدقق في تاريخ صدورها ومضمونها وبنائها الفني.. في قوّتها وضعفها، بدءاً من مطلع القرن 18، مروراً بالقرن 19، وصولاً إلى القرن العشرين... ولم ينسَ الروائيات اللواتي ساهمن في تطور الرواية الإنكليزية والأوروبية... وله رؤية خاصة في تقويمه للآداب الأوروبية. فيرى أنها أخذت بالاتضاع أو حتى بالتجفيف والتليّف، ابتداء من الحرب العالمية الأولى إذ طغت النزعة الشكلية على الكتابة. وكانت بداية انحدار الرواية الإنكليزية مع نشر رواية «يولسز» عام 1922، لجيمس جويس، وأنّ رواية (البحث عن الزمن الضائع) هي بداية انحدار الرواية الفرنسية.‏

وينحاز الناقد اليوسف إلى الرواية الروسية، وهذا الانحياز ينطلق من عدة أسباب، وعدة أهداف، وكما يرى أثبتت الرواية الروسية حضورها، وبداية نضجها يوم نشر ألكسندر بوشكين، رواية «يوجين» عام 1831.‏

ويقابل النضج الروائي النضج النقدي، فهما يكملان بعضهما بعض. فكان بلنسكي الناقد الفذ، وكان يترغنيف، الرائد الأكبر للرواية الروسية. أما دستويفسكي (عملاق الرواية) فقد أثبتت رواياته الثلاث (الجريمة والعقاب ـ الممسوسون ـ الإخوة كرمازوف) أنه (شكسبير الرواية).‏

إن «الإخوة كرمازوف» حكاية بوليسية، ورواية دينية، وهي آخر عمل لدستويفسكي قبل رحيله في كانون الثاني عام 1881، أي بعد أسابيع من نشر آخر فصول الرواية في مجلة «الرسول الروسي». وكانت هذه الرواية تكثيفاً لكل أدبه، وملخصاً لكل أفكاره حول الإنسان والدين والإيمان والخير والشر. ويؤكد على ذلك ما قاله اليوسف: (إن دستويفسكي هو فيلسوف الضمير).‏

ويركز الناقد في تحليل روايات دستويفسكي على ابتكار الشخصيات، ويُفصّل في تحليله، رواية (الأبله) أيضاً.‏

إن الشخصيات في روايات دستويفسكي، هي شخصيات تنافسية. فقد كان اسم «يوشا» في مسودة «الأخوة كرمازوف»، الأبله، وأن «غروشنكا» تذكّر بآناستازيا، في الأبله. أما ديمتري فيكاد يكون «راسكولنيكوف» في (الجريمة والعقاب)، وسمر دياكوف هو، هو خومافومتش.‏

وبدأ الناقد في الرواية الفرنسية، منذ عام 1678، حيث نشرت مدام دي لا فاييت، رواية (أميرة كليف). ونشر فنلون، رواية (تلماك) سنة 1699. وسلكت الرواية طريق النضج مع لوساج وفولنير وروسو ودريد ووساد.‏

ويطغى اسم بلزاك على كل الأسماء، فقد أنتج 130 كتاباً، يصوّر فيها المجتمع الفاسد. منها رواية (أوجيني غرانده). ويعتبرها اليوسف أفضل من رواية (الأحمر والأسود) ومن رواية (الأب غوريو).‏

وهناك تباينات ومفارقات في الروايات على مستوى الدولة الواحدة، وبين هذه الدولة وتلك أي بين الروائيين الأوروبيين من جهة، وبين الروائيين في أمريكا اللاتينية والروائيين العرب من جهة ثانية. هناك مثلاً روائيون من أمثال سرفانتس وستاندال وديكنزوغارسيا وسواهم، يبنون أعمالهم الروائية، فكرة فكرة، بأسلوب متين، لغة متماسكة، مكثّفة، متوهجة، غنية بالإشارات الدلالية... وكلما كانت اللغة متناسقة ومترابطة، وتشكل كتلة واحدة، اندماجية، بعيدة عن الهشاشة والهزال، كلما نهضت بالسرد، وارتقت به إلى درجة الامتياز، كما في رواية (أوليس) لجويس، فكانت مشرقة في عرضها للعواطف والأحاسيس، وساحرة أيضاً، من خلال مونولوغ داخلي جيّاش، يتغلغل في أعماق النص (البُعد الشاقولي)، وفي أعمال المتلقي، وإقناعه بأن هذا الأسلوب، وهذه الطريقة غير شائكة، كما هي عند بعض الروائيين فهي تمتلك القوة، سهلة التعبير، لا وجود للتصدع بين اللغة والمضمون.‏

إن كتاب (مقال في الرواية) يشكل دراسة ساخنة في زمن بارد بلا أمطار، يُقدِّم لوحة بانورامية، غنية بالألوان النقدية... دراسة تبيّن أماكن الضعف وأماكن القوة، بأسلوب رصين، يوفّر للقارئ زمناً في قراءة هذه الروايات أو بعضها.‏

ويبدأ يوسف سامي اليوسف في الرواية الأمريكية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، إذ ظهرت روايات سنكلارلوَوس (الشارع الرئيسي) و(هذا الجانب من الجنّة) لسكت فتسجرلد، عام 1920، ورواية (آروسمث) التي مكنته من نيل جائزة نوبل.‏

ويعلّق على حركة الرواية الأمريكية في القرن العشرين بالقول: (هي حركة أقرب إلى الزيف والخواء، منها إلى الأصالة والامتلاء، وربما كان في ميسور المستأني أن يستخلص من الهزال الشامل للأدب الأمريكي في القرن العشرين، أو لمعظم منجزاته، أن المجتمع الذي ينتج هذا الأدب، هو كيان متخشّب أو متليّف الأنسجة...).‏

يُمايز الناقد بين الرواية الفرنسية والأمريكية من جهة، وبين الرواية الروسية، ليس على أساس فني فقط، بل على أساس سياسي ـ حضاري. فالأدب الروسي ينحو منحىً إنسانياً، يدافع عن القيم البشرية... أما الأدب الأمريكي، فينزع نزوعاً مادياً. يقول: (فالمسرفون في العدوان كائنات تفتقر إلى غريزة التأمل والتفطّن التي هي الغريزة المتخصصة بإنتاج الثقافة...) ويرى أنه عندما ظهر (بروست وكافكا) أخذ هذا الفن بالانحدار لكنّ الروائي والمفكر الإيطالي أمبرتو إيكو، يقول غير ذلك، والناقد اليوسف له رأيه، وغير ملزم بهذا الرأي. يقول إيكو: (كافكا رمز في كل شيء. في علاقته بمدينة براغ، وفي تنظيراته عن الكتابة، عن أصوله اليهودية، وسُلطة والده، ورمزية مسخه، وصولاً إلى علاقاته بالفتيات والمومسات والجنس، ولا أظنه أديباً واحداً، اجتمعت المتضادات في وضعه، مثلما اجتمعت في كافكا).‏

ويعترف الناقد أنه أغفل الحديث عن الرواية في أمريكا اللاتينية، لأن الفن الروائي إنجاز أوروبي لم ينجح كثيراً خارج أوروبا وحدها... ويتساءل: كيف قُيّض للروايات الأمريكية اللاتينية أن تنتشر في العالم طيلة الربع الأخير من القرن العشرين، مع أنّ معظمها لا يرقى إلى المستوى الرفيع؟‏

ولا بد أن الناقد يوسف سامي اليوسف يفكر اليوم بأن يُصدر كتاباً عن الرواية في القارة الأمريكية الجنوبية، وأفريقيا، والعالم العربي... وهذا ما ينتظره القُرَّاء!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244