جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قراءة في مقدمة «مواقف النفري» ـــ بسام سفر

عمل الكاتب يوسف سامي اليوسف على إيضاح فرادة النص، وخصوصية الشخصية التي أنتجته من خلال معايير ثابتة لديه عبر عنها في مقدمة كتابه «القيمة والمعيار». مساهمة في نظرية الشعر الصادر عن دار كنعان في العام 2000، حيث يؤكد على مقاييس الناقد الخبير أولاً ـ التذوق المرهف الحساس. وثانياً ـ أصالة النزوع المعياري. ثالثاً ـ القدرة على الموازنة. رابعاً ـ غريزة التمييز بين الغث والسمين، مما يؤهله لإصدار حكم القيمة الناضج وهذا ما يؤهله لأن يكون الناقد الأدبي الذي لن «يكتشف إلا فرديته الخاصة به هو نفسه، وليس فردية النص المدروس، ولا خصوصية الكاتب الذي أنتج ذلك النص، بل ثمة من يقول (وهذا هو الصوفي): إنك لن تذوق سوى نفسك، أو سوى محتوياتها حصراً».‏

من خلال هذه الكلمات التي يقدمها الكاتب يوسف سامي اليوسف نجده يبحث عن ذاته فيما يشبه من النصوص التي اختارها وقدمها من مختارات مواقف النفري التي وصفها بأنها «القبض على تفتح الذات عن الوجود الداخلي الصرف الذي تكتنزه منذ الأزل، إنه انكشاف مخبوءات الذات والوجود وعوالمهما أمام الذات نفسها». ولا يمكن فصل ذات الناقد عن قناعة النفري في قوله: «إن الواقف (على الحق وفي الحق) يعرف من داخله، ولا تنبجس معارفه إلا من أشواقه وأذواقه، أما غير العارف، أو غير الواقف، فلا يعرف ولا تأتيه معارفه، إلا من الأشياء، من جماديتها الميتة المتيبسة، فما من شيء أنبل من القلب البشري أو أصفى، وما من شيء أصدق وأثبت وأحق بالثقة من أشواق الروح وحنينه إلى الحب الصرف».‏

ويحاور الناقد اليوسف مع النفري الحقيقة الكونية والجملة القارة الأبدية في معانقة انفتاح الديمومي، والتمركز حول المركز الذي لا مركز بعده. فالصوفي لا يتعلق ولا يتعشق إلا بالثابت الراسخ الدائم كما يقول النفري: «لا طمأنينة إلا مع الدوام». ولا سبيل إلى المطلق، إلى الجملة الأرسخ والأعمق، إلا بالموقف على حد مذهب النفري، والكون عند النفري والناقد اليوسف موقف كله، ذوق وشوق واشتهاء روحاني غضير. والحجاب الذي يغلف الوجود والحق لا يهتك إلا بالمواقف، بالحدس الداخلي الشفيف الدافق المرهف بالتعايش والحقائق في داخل الوجدان الأنبل والأقدر على إطاقة روية الحقيقة، إذ «للهتك صولة لا تقوم لها فطر المخترعين». فاليقين الحقيقي جهل. ولكن الأفظع والأغرب أنه جهل بغير ضد، جهل لا يرضخ للتجاوز.‏

يتساءل الناقد اليوسف تساؤل العارف كيف يصير اليقين الأرسخ جهلاً؟، فيجب أن هذا ليتسق تمام الاتساق مع جوانية المعرفة التي لا تقال فما دامت اللغة لغواً بإزاء الجملة المطلقة، بإزاء الحقيقة الكلية الأكثر شمولاً وعمقاً، فإن اليقين الموقف لا يلفظ وما لا يلفظ مجهول بالذوق وفي الذوق، إلا بالشوق وبكارة الحدوس، إلا بالغضارة الأصفى، والأنبل، طراء الروح واستعداده، لمعانقة المطلقات والمعارف الأزلية.‏

فعلم المعرفة عند النفري (الصوفي) كما عند الناقد اليوسف مرتبة دون المعرفة، ولكنها مرتبة لا بد منها للواقف قبل أن يصير غارفاً أو واقفاً، والأفق العرفاني الواحد يميل إلى أفق يليه ويسمو عليه، والرتبة المعرفية تفتح أمامك باب الرتبة التي تعلوها والإنسان نزوع دائم نحو الارتقاء والسعة والاندياح.‏

ويدعو النفري الصوفي لكي يواظب دوماً على أن يرى نفسه نبضة أزلية من الجملة الحية التي لا يجوز عليها الانهيار، إذ الإنسان في الصوفية هو الموجود برسم الأبدية، يملكها وتملكه، فالتجلي هو الحق المطلق، وفقاً للمعتقد الصوفي، ليس إلا حادثاً طبيعياً، تماماً مثل ما أن شروق الشمس من المسلمات. ويعمق الناقد اليوسف نظرة النفري إلى الثابت والديمومة في الحضارة حين يقول «لا أجافي الحقيقة إذا ما زعمت أن كل حضارة إنما يتوقف مدى عمرها على مدى عمق نزعة الثبات لدى أهلها، أو في الروح القومي الذي أبدعها».‏

ويقدم اليوسف دليلاً على صحة ما ذهب إليه في أن الحضارة الفرعونية هي أطول حضارات الأرض عمراً. وأنها من خلال قراءته ما كان لها أن تستمر على ذاك النحو إلا لأنها الحضارة الصوفية بامتياز، وهي تبجيل النظام والثبات.‏

ويبحر الناقد اليوسف نحو الأعمق في الصوفية من خلال بحثه في السر وعن السر الذي يتجاوز العقل ويسمو عليه، إذ ما من عاقل ينكر أن في الكون سراً لا يملك العقل حله دفعة واحدة.‏

ويوضح الناقد اليوسف أي عقل يخاطبه قائلاً: «إن العقل هو الحجى الذي يقارن ويربط ويفك ويماحك ويستقرئ ويستنتج. ويؤكد بالتالي أن الصوفية نداء حارٌ ينبه إلى الجانب المهمل من أرواحنا، إلى الفسحة الأرحب الرابضة في نواة العقل البشري، والتي لا يمكن للحياة اليومية أن توظفها أو أن تستهلكها، مثبتاً أن في داخلنا درة نفيسة جديرة بأن نستمتع بألقها.‏

ويجمل اليوسف سر المزية عند النفري باللغة والمكابدة هي العامل الأول استنبع جودة الأسلوب لديه، وبفضل عمق الشعور بأن اللغة غياب أكثر مما هي حضورِ، سكوت أكثر مما هي كلام، جاء العمق الفذ لأسلوب النفري. وبذلك جعل النفري من الفلسفة شعراً ومن الشعر فلسفة وزاوج بينهما في وحدة صميمية يكاد يعجز عن مثلها إلا من كان مثله تماماً.‏

وهكذا في مقدمة الناقد يوسف سامي اليوسف لمختارات مواقف النفري يصعب الفصل بين ما يقوله عن النفري ورؤيته للناقد الحصيف. ولعلي لا أغالي إذ ما استنتجت أن ما يذهب إليه الناقد اليوسف في كل ما قرأ في مواقف النفري هو اجتهاد وقراءة ما بين الكلمات. وفيما يرغب أن يكونه الناقد من سعة أفق واتساع معرفة وعلم وعدم يقينية تجاه الجديد. وإنما فحصه من زوايا متعددة وقدرة على المماحكة والفك والربط والمقارنة والاستنتاج والاستقراء، وأجزم ولست مغالياً أن الناقد يوسف سامي اليوسف يتمتع بأغلب الصفات التي يذكرها لذلك يستحق بحق صفة الناقد الحصيف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244