جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أسس نظرية الشعر عند يوسف سامي اليوسف ـــ د.نزار بريك هنيدي

يكاد المتابعون للحياة الثقافية العربية, يجمعون على المكانة التي يحتلها الناقد الأستاذ يوسف سامي اليوسف، في صدارة المشهد النقدي.فمنذ أواسط سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، يبدو اليوسف صاحب مشروع نقدي متكامل قائم على أسس راسخة يعمل باستمرار على مساءلتها وتوضيحها وإغنائها والإضافة إليها. وتلك هي المسألة التي تفرق بينه وبين غيره من النقاد وأشباههم، الذين يسوّدون الصفحات بالمقالات الباهتة والنقود المسطحة المجانية التي لا يضبطها منهج، ولا تجمعها رؤيا، ولا تقدّم جديداً, ولا تشبع حاجة عند القارئ. وإنما هي كتابات أنتجت كيفما اتفق لكاتبها، ومما تيسّر له من أفكار أتيح له أن يطلع عليها، دون أن يتمكن من استيعابها وتمثلها، وراح يطبقها بشكل متعسف على ما وقع بين يديه من نصوص، بفعل المصادفة وحدها أيضاً. لأن الغالبية العظمى ممن يتنطحون للكتابة النقدية في هذه الأيام، لا يكلفون أنفسهم عناء المتابعة الجادة لما ينشر من نصوص إبداعية جديدة، ليمارسوا عليها الدور المنوط بهم في فرز الجيد من الرديء، والحقيقي من الزائف. بل إن المرء ليشكّ في قدرة معظمهم على تمييز الحقيقي والجيد، لأن ذلك يتطلب، أوّل ما يتطلب، ذائقة سليمة، وأدوات معرفية، وثقافة موسوعية، وقدرة على الكشف والاستبصار، وهي العناصر التي لا بدّ منها ليصبح الكاتب ناقداً قادراً على إنجاز فعله النقدي.‏

وبالإضافة إلى ذلك كله، فإن الناقد الحقيقي لا بدّ له من أن يكون صاحب رؤية خاصة، أو مفهوم خاص للإبداع ومقوّماته وعناصره، ليتمكّن من مقاربة النصوص الأدبية، والغوص في أغوارها، واستنباط خصائصها الجمالية، بغية إصدار حكم القيمة النقدي عليها.مما يعني أنه لا بدّ له من أن يمتلك أسساً نظرية محدّدة تصلح لتبرير المعايير التي يعتمدها في حكمه النقدي، وإلا تحوّل عمله إلى ركام غير متجانس من الكتابات التي لا تقول شيئاً في مآلها الأخير.‏

ومهما يكن من أمر، فإن يوسف سامي اليوسف يبدو منشغلاً بما هو أكثر من ذلك بكثير. فهو في مشروعه النقدي يطمح إلى المساهمة في تقديم أسس نظرية عربية حديثة للشعر، في مواجهة حالة الاستلاب التي وقع فيها النقد العربي المعاصر أمام نظريات الشعر الغربية.ولا شكّ أن ذلك الطموح، بالرغم من مشروعيته، بل وضرورته، يبدو مغامرة كبرى دونها الكثير من العراقيل والعقبات، التي يدركها اليوسف ويشير إليها في مقالته المعنونة ( تمهيد لنظرية الشعر) والتي نشرها عام1991 في مجلة الوحدة. وربما كان على رأس هذه العراقيل، ضيق المساحة المتوفرة للتفكير الحر، فالعقل الحر هو وحده القادر على التنظير. وحال الواقع الثقافي العربي المتدني، فليس من الميسور الحديث عن نظرية للشعر في غياب الفلسفة،أو في غياب الدراسات اللغوية الجادة،أو بمعزل عن فقه النفس الذي يتمحور بالدرجة الأولى حول المشاعر الجوهرية التي تؤلف قوام الباطن البشري. وبما أن المفكر الأدبي لا بدّ له أن يكون فيلسوفاً وحائزاً على (فقه النفس)، فضلاً عن كونه ذوّاقة شعر وخبير فن، فإن الثقافة العربية الراهنة ليست مؤهلة لإنتاج مثل هذا الرجل النظري الكفؤ.ولكن مع ذلك كله، علينا أن نعمل ولو على ظهر العاصفة، على حد تعبير اليوسف.‏

ولا ريب في أن أي جهد نقدي جاد، لا بدّ له أن ينطلق من سؤال المنهج.فالكثير من نقادنا اليوم يستعملون المناهج الناجزة استعمالاً يحرمهم من تفعيل بصائرهم وطاقاتهم الحدسية. وكثيراً ما يكون المنهج محاولة اعتسافية بينما ترخم الحقائق الكبرى وراءها.وما ذلك إلا بسبب توجه النقد الأدبي هذه الأيام إلى الآلية والتحليلات الناشفة الخالية من الذائقة الجمالية، والعاجزة عن التقاط الحسن ومعانقته في زمنه الأرجواني الألق. مما يجعل الدراسات النقدية تؤول إلى نوع من المنطق البارد، أو إلى ضرب من الهذاء في بعض الأحيان، ولا سيما في عصر يميل إلى الخواء الروحي والتسطح والآلية. ولكن مادام الحدّ الأدنى من التمنهج حتمياَ، وما دامت المناهج الجاهزة لا تزيح عن وجه الحق إلا القليل من الحجب،فإن اليوسف يقترح في مقالته في مجلة الوحدة(آب1999) اللجوء إلى ما يسميه: ( المنهج المفتوح). ويعرّفه بأنه: دغم التمنهج (الضرورة) وعدم التمنهج ( الحرية) في زيجة واحدة.ومن الواضح أن المنهج الذي يدعو إليه اليوسف يختلف تماماً عن المنهج الذي اقترحه بعض الكتّاب تحت تسمية (المنهج المتكامل).فما ذلك المنهج غير توليفة غير متجانسة من المناهج النقدية المختلفة والمتناقضة، والتي لن يكون من شأنها إلا إسدال المزيد من الحجب وتشييد المزيد من الأسوار التي تحول بين الناقد وبين قدرته على استبار مضمرات النص. أما منهج اليوسف المفتوح، فهو تطعيم للنقد التحليلي بالذائقة الجمالية العينية، بحيث يغدو الناقد رائياً جمالياً قبل كل شيء، ورائداً أبدياً يبحث عن كل ما يتضرّم ويشع النبل والحياة في النص الأدبي. ويؤكد اليوسف أن المنهج المفتوح يقبل الكثرات ويؤمن بالتعدّد، ويسعى جاهداً ليضمّ شمل المتباينات في وحدة عليا تندّ عن التجزئة والانشطار،ويستنفر المضمرات، ويلامس المستدقات ويتابعها في نموها وتطورها، حتى يصير في المقدور كشف العلائق التي تربط الصيغ بعضها ببعض بحيث تؤلف المجمل الشامل. وعلى ضوء هذه الرؤية الكلية يصبح في ميسور الناقد أن يستصدر حكم القيمة الناضج.‏

وربما كانت المهمة الأولى لأية نظرية شعرية، هي الإجابة على السؤال الأزلي: لماذا كان الشعر؟ وهو السؤال الذي يفرد له اليوسف الفصل الأول من كتابه (ما الشعر العظيم)الصادر عام1981. ويوجز إجابته في عبارة واحدة: (لنتجاوز الخواء إلى الملاء). فالشعر قبل سواه من سائر الفنون، هو ما يوازن بين أنفاسنا وأنفاس الكون الذي يتنفس من حولنا بجوانيته الخاصة. والشعر قبل سواه من سائر الفنون هو الأقدر على التعبير عن حياة الوجدان الداخلية بما هي روح صرف يختلج ويتماوج، وتعوم فيه شتى لونيات الشعور وجزئياته. كما أن الشعر محاولة يبذلها الوعي الوجداني أو الحدسي،كي يقف على سنام الوجود، أو قمته الأكثر شموخاً وذلك لاستشراف المشهد الكوني برمته..والشعر منهج لكيما يندرج المعنى في سواء الروح ومتنه. فالإنسان يقرض الشعر ليتذوّق محتويات روحه. أو كما سيقول اليوسف في كتابه (القيمة والمعيار الصادر عام2001) : إن الشعر يشرح ماهيّة الانسان شرحاً لا يملك علم النفس ولا علم الاجتماع ولا علم التاريخ، أن يجيء بمثله . فالشعر مختص بذلك الجانب الأثيري من الشعور، وهو اختصاص يتعذّر أن يدخل في أي علم من العلوم.‏

وبالرغم من أن أية نظرية لا يمكن لها أن تقبض على جوهر الشعر لتحدّد ماهيته تحديداً محكماً، فإن اليوسف يحاول أن يقارب هذه الماهية من خلال تعريفه للشعر بأنه لغة حساسة متعالية تنتجها غريزة الكمال التي لا وظيفة لها سوى الصعود بالإنسان إلى الساميات. ثم إن من شأنها أن تستقطر وعي الحياة وتوتراتها، وأن تشرح فحوى النفس وتبسطها أمام الوعي المتلقي، وفي مكنتها أن تبحث عن حقائق شبابها الخالد، أو أن تستحضر بنية خيالية تشتقها من مملكة الديمومة. فيشعر المرء حين يلج إقليم الشعر بأن القصيدة تنتصب كأنها حضور في سواء الغياب، أو محاولة باهرة للإنتصار على كل سلب أو نقص، وكذلك للاتصال بالحياة في تفوّرها واندلاقها الغزير.‏

وبما أن أي تعريف للشعر لا بد أن يستدعي السؤال عن وظيفته. وهو السؤال الخالد أيضاً الذي ما فتئ يعيي أذهان فلاسفة الجمال ومنظّري الأدب، إلى درجة جعلت الفيلسوف الفرنسي المشهور (جان كوكتو) يصرخ : لا شك أن الشعر ضروري، ولكن آه لو أعرف لماذا؟. فإن يوسف اليوسف يخصص حيّزاً كبيراً من كتبه ومقالاته للبحث في وظيفة الشعر.مؤكداً أن الشعر ما كان إلا متعدّد الوظائف على الدوام، ولولا ذلك لما كان له أن يرافق الإنسان طوال تاريخه الذي لا يقل عمره عن خمسة آلاف سنة.ويمكن لنا أن نوجز أهم هذه الوظائف فيما يلي:‏

1- بما أن حدّ الشعر هو أن يكون برهة كمال اللغة، وأعلى أطوارها وأسمى تجليّاتها على الإطلاق، فإن ترفيع اللغة إلى أفق اكتمالها هو الوظيفة الأولى للشعر.ولا تملك اللغة أن تحوز أية قيمة ما لم ينخرط فيها محتوى من تلك المحتويات التي تؤسس الوجود البشري كله.و عندما ينحت الشاعر اللغة ويصقلها ابتغاء جعلها أكثر شرفاً ورفعةً، ويعمل على تحويلها من الإلفة إلى الغرابة، فإنه يبثّ فيها روحاً جديدة لم تكن لها من قبل.‏

2- للشعر وظيفة إنعاش الروح بما يبتكر أويبدع، إذ هو محاولة جادة للتماس مع الروح البدئي الأزغب، روح الوثنية وتألق البدايات والحب الصبوي، والحنين النازع صوب الذرى والأقاصي الجاذبة وكل ما هو من مملكة الصبوة والإشراق.‏

3- حين يتعامل المرء مع الشعر إنتاجاً واستقبالاً، فإنما يفعل ذلك استجابة منه لغريزة التعبير والصياغة والتشكيل، وهي الغريزة التي من شأنها أن تستحضر محتوياته الداخلية على هيئة أقوال وأشكال فنية ذات صلة بالعلو، إذ إن من طبع نافورة النفس أن تدفع بمخزونها الغزير إلى خارجها ليمثل أمامها فتنظر إليه كما تنظر العين في مرآة.مما يخوّل المرء حق الذهاب إلى أن إطلاق سراح النفس، أو تحرير القوى المحبوسة داخل الإنسان، هي واحدة من أبرز وظائف الشعر.‏

4- الشعر، في قلب جوهره، تكميل للحياة. لأنه يصون في الذاكرة والخيال معاً ما تعجز الطبيعة الحية عن إنجازه بالفعل، بل إن من وظائفه أن يدّخر بعضاً مما لا يتيسر تحقيقه عياناً بأي حال من الأحوال‏

5- الشعر يقول ما لا يقوله الذهن ولا المنطق ولا النظريات ولا العلوم. وما من قيمة له إلا بمقدار ما تبثّ فيه النفس من دفء وصدق وعمق ووجدان، وتلكم هي أبرز مكونات الأصالة.‏

6- لابدّ للشعر أن يعاشر الحياة أو الموجودات العينية والوقائع، وكذلك الأحداث التاريخية، فهو شديد الحساسية تجاه أصغر حركة أو هزة تجري على سطح الواقع الخارجي، أو في جوفه العميق.ولكن أهم مافي الأمر أن التجربة لا توصف من الخارج، بل إن الشعر لا يتناولها إلا بعد ما صارت شعوراً، أي برهة في بنية النفس، حارة وراسخة في آن واحد. يمعنى أن الشعر لا يصوّر الواقع، ولا ينسخه نسخاً، وإنما يرسم باللغة الحية مكابدة الوجدان للواقع أو للتاريخ والوجود معاً، وهو ما يعنيه اليوسف حين يقول بالذاتية العينية الممتلئة بالتجربة الفعلية.‏

7- ومن وظائف الشعر، الاتصال بالآخر، عبر الاتصال بصميم الحياة، والانفلات من إسار المحدود وراهنية الهنا والآن . وهو ما يتأسس على مبدأ البلوغ إلى الأماكن النائية والأزمان التي لم تبدأ بعد.‏

8- يصون الشعر روح الأسطورة، أو روح الوثنية وكثافتها وتهجسها للأسرار. إذ إن الرمز والمجاز والاستعارة، وجميع أصناف القول الموحي، هي من سلالة الروح الوثني حصراً. ولذلك فإن الشعر هو أمتن منجزات الوثنية وأقدرها على استحضار روحها العميق والشديد الاستتباب في جذور الكينونة.ولا يقصد بالوثنية عبادة الأصنام، وإنما شعور الإنسان بالاستسرار الذي يغلغل في الأشياء بأسرها. ولعل من شأن هذه الوظيفة الباطنية، أي تحصين الشعر لروح الوثنية وضمان استمرارها، أن تمنحنا حق النظر إلى الشعر بوصفه استيعاء لبواطن الأشياء في ثرائها المدهش، ثم لعلها كذلك أن تضمر علة استمرار الشعر نفسه، حتى في الشروط التاريخية والاجتماعية التي لا تقدم أية أرضية كافية لوجوده، أو لازدهاره.‏

9- ولا ريب في أن مجرد وجود الشعر في الدنيا هو نهوض بوظيفة العلو بالدرجة الأولى، وهي الوظيفة التي من شأنها أن تتعالى فوق رتوب المياومة الزائفة. فأن تقرض الشعر يعني أن تمارس فعلاً أصلياً لا غاية له سوى السمو، أو العلو الروحي النازع إلى مغادرة المادة باتجاه التوكيد على قيمة الانسان. وهذه وظيفة عظيمة، بل لعلها أن تكون مسوغاً كافياً لوجود الشعر في ثقافة كل أمة من الأمم.‏

10- إن الوظيفة الكلية للأدب تقبل التلخيص في أنها خلق الضمير البشري الذي انقرض، أو هو أوشك على الانقراض. فما لم يهدف الأدب إلى إعادة خلق الانسان الذي شوّهه التاريخ، ولاسيما طور الصناعة الراهن، أو طور الجشع والولوغ في الدم البشري على نحو لم يؤلف من قبل، فإنه لن يزيد بتاتاً عن كونه ضرباً من ضروب التسلية. ولا مراء في أن مثل هذه المهمة لا يقوى على تنفيذها إلا أناس عباقرة لا يملك عصرنا الراهن أن ينتج منهم غير النزر اليسير.‏

ويؤكد اليوسف أن إنجاز أي عمل فني عظيم، وليكن قصيدة متميزة، مثلاً، هو انتصار للروح البشري على الخواء وضحالة الوجود وانطماس معناه، وهذا الانتصار لا يخصّ فرداً بعينه، ولا شعباً واحداً بمفرده، بل هو نصر مؤزر للإنسانية برمتها.‏

ولمّا كانت مسألة القيمة ومعيار القيمة واحدة من أبرز القضايا الأدبية و أحقها بالبحث والتنظير، فإن اليوسف يقترح في كتبه المتعددة مجموعة من المعايير التي تصلح لأن يعتمدها الناقد في حكمه على النص الشعري.وإذا كان المجال لا يتسع هنا لمناقشتها جميعها فحسبنا أن نشير إلى أهمها:‏

1- والمعيار الأول هو المتعة الأدبية، أو التلذّذ بما هو عزيز على النفس البشرية. ولا شكّ أن هذا المعيار يشكّل القاسم المشترك الأعظم بين النظريات الشعرية التي وصلتنا من التراث العربي أو من النقد الغربي. فابن رشيق يقول في كتاب (العمدة): (إنما الشعر ما أطرب وهزّ النفوس وحرّك الأطباع). ويقول المبرّد في القصائد العظيمة انها تلك التي (ترتاح لها القلوب وتجذل بها النفوس، وتصغي إليها الأسماع، وتشحذ بها الأذهان)، أما (ت.س.إليوت) فيقول: (إن أولى وظائفه التي نستطيع أن نكون على يقين منها، هي إن الشعر يجب أن يمنح المتعة). وهي الوظيفة التي يسميها الناقد البنيوي (رولان بارت) ب(لذّة النص). إلا أن ما يميّز اليوسف هو إضافته: (إن النص لا يمكن له أن يمتعك إلا بمحتويات روحك نفسها، وهي منظومة القبم الرفيعة المركوزة في داخلك منذ الأزل.. ولهذا فقد صار لزاماً على فيلسوف الفن والأدب أن يبحث عن معاييره في الباطن، أو أن يغرس تلك المعايير في تربة النفس حصراً) ( الخيال والحرية ص36). ومن الواضح أن اليوسف قد استوحى هذا المعنى من التراث الصوفي العربي، بل من ابن عربي تحديداً.‏

2- معيار الحساسية: فالحساسية هي والدة الرفعة في كل إنجاز نفيس. وكل أدب لم تنسجه الحساسية الشديدة الإرهاف لا يعدو كونه شيئاً من أشباه الأدب وحسب. ولا يكمن الفرق بين كاتب متميّز وكاتب عادي إلا في درجة الحساسية التي يتأسس عليها كل منهما. ولا تقتصر الحساسية على الارتعاش في حضرة الألم والشقاءالإنسانيين، أو على همّ البؤس وحده، ولا على قلق النفس، بل تتعدّى ذلك إلى موضوعتين رئيستين هما موضوعة الجمال، وموضوعة التهجس لأسرار الوجود.‏

3- قدرة القصيدة على البلوغ إلى سويداء القلب أو إلى ينبوع الوجدان، والتأثير في المتلقي. ومعنى التأثير استيلاء حساسية المرسل على حساسية المتلقي استيلاءً كلياً أو نسبياً.‏

4- حريّة الاندلاع وتلقائية التعبير.أي أن تنبثق القصيدة انبثاقاً تلقائياً حراً، دون أن تكون مقسورة ومجبورة على أن تكون. وهو المعيار الذي أسسه التراثيون (الجاحظ والآمدي والقاضي الجرجاني)، ويبقى واحداً من أوليات المعايير الناقدة للشعر العظيم.‏

5- أما المعيار الخامس، فيتعلّق بالمحتوى أو المضمون،إذ إن الشعر، بل الفن بعامة، يتزنّخ أو يتخمّج، حين يكفّ الشكل عن استضافة أي محتوى سوى التجريد الشاحب. وبما أن الحميم أو الدافئ والنبيل هو المحتوى الجوهري لكل شعر أصيل، فإن كل ما يجعلنا نشعر أونتحسس وجدنا ووجودنا ،من أية جهة من جهاته، فهو شعر حقيقي دون ريب .‏

6- التماهي بين محتوى الشعر، ومحتوى النفس. فالقصيدة لا تكون جيدة إلا بمقدار توافقها مع هوية النفس، أو بمقدار استطاعتها على الأخذ بيد المتلقي ليدخل إلى داخل ذاته. وإن الاشتياق المتكرّر لنص بعينه هو معيار يشهد له بالجودة والمزية، فرسوخه في البال دليل حاسم على أنه إنجاز نفيس.‏

7- معيار التوتر، فالشعر الذي يصف توترات الحياة هو صنف شديد الالتصاق بالنفس، جاذب لها.وإن عمق الإحساس بالبعد المأسوي للمعاش الإنساني هو واحدة من أبرز آناء الروح البشري. إذ في الفاجع قبل سواه يكشف الروح عن أصالته الاستثنائية.وما من شعور إلا ويتضاءل أمام وجدان القهر. وهذا ما يدفع الى اتخاذ شعور القهر الكامن خلف محتوى الشعر كمعيار أساسي لنقد الشعر.وان فن الوجدان المكروب أرقى بكثير من الفن الحبوري.‏

8- ثنائية النور والظلمة: و هي أسٌ صميميٌ في عظمة الشعر.فالشعر العظيم يلوّح بمضامينه تلويحاً، يخفي قسماً من فحواه ويَلمَعُ بالآخر.و الجميل أضأل قيمة من العميق، من الخبيء المستور، فالعقل مولع بالاستسراري، أو الدامس، أكثر مما هو مولع بالواضح أو المضاء.‏

9- التناقض المستور داخل أسلوب تلتغم فيه الأضداد، لابدّ له من أن يكون معياراً عظيماً من معايير الشعر العظيم، لأن في المشتمل الكلي للنفس البشرية، مبدعة الشعر العظيم وقابلته، يكمن ويستسر تناقض شبه خفي.‏

10- وهناك معيار اللغة، إذ إن إحالة اللغة إلى جمال، أو نحتها كما تنحت التماثيل الفاتنة،ورفعها إلى أفق السمو، هو شأن من اختصاص الشعر قبل سواه. فالشعر إطلاق لاستطاعة اللغة، أو لقدرتها المتعالية.وبذلك فإن السمة الأثيرية للغة معيار من أهم معايير الشعر.‏

11- الأسلوب: فالأسلوب هو الأساس الأول لكل أدب عظيم. والأسلوب السامي هو ذلك الذي يوّحد بين الصلادة والطراء في ملغمة واحدة لا تقبل الانفكاك، وهو كذلك ما يتدفق حراً سلساً دون أي عائق على شفافيته ورشاقته وسيولته الطليقة.و لا بدّ أن يقوم التناسب بين المعجم والمحتوى، ويكون الأسلوب قادراً على أن يخلق المناخ المؤثر والجو الموحي بالغرض النهائي المنشود.وإن صوغ المجهول من عناصر المعلوم هو سمة الأسلوب الأعظم.‏

12- الايقاع أو الموسيقى، فالنغم الداخلي الحامل للانفعال والمسهم في التعبير عن الداخل، هو ملك للشعر وحده، لأنه يؤطر اللغة بمناخ جواني يتعذر على النثر أن يتزوّد بمثله. فالشعر أرقى من النثر لأنه يزاوج ويدغم بين صائتين متباينين، اللغة والموسيقى، الشيء الذي يعجز عنه النثر بكل وضوح. لذلك يقول اليوسف أن ما يسمى (قصيدة نثر) ليست من الشعر في شيء. لكن النظم يستحيل هو الآخر أن يعدّ في الشعر طالما افتقر إلى الأخيلة ورعشة الانفعال، والى اللغة المهيّمة، أو تلك التي تحلّ فيها سنن الفؤاد البشري (ما الشعر العظيم ص29).‏

13- الخيال: لا مراء في أن الخيال برهة ماهوية في كل شعر. فالخيال طفلي، أسطوري، وهو من شيعة الحلم والتصوف والاستسرار، وهو وطن الحرية، والفاعلية التي بواسطتها يتمّ إطلاق سراح النفس وتحريرها من الحتمي والمنطقي والمحدود. وأن منجزات الخيال الناضجة هي حوامل لمحمول جوهري تلخصه كلمة (الوجدان) أو الشعور الأصيل الذي قلما يصادفه المرء إلا في قصائد الشعراء الكبار. ولكنه لا قيمة له إلا إذا جاء موحياً، نائياً عن التكلّف وبريئاً من الاصطناع. ويؤكد اليوسف أن الشعر يتطلب حضور العقل دوماً. فما لم يرضخ الخيال الزاخر بقوة الفوران إلى شيء من النظام اللازم إلى الحد الكافي للحجز بين القصيدة والفوضى، أو قل ما لم يندرج البازغ والمسفر في بنية كل صورة، فإن الرائع لن يكون قد عرف دربه إلى الوجود.‏

14- إن النصّ الأدبي الجيّد لا بدّ له من الانفصال عن الكتلة العامة، أي أن يفرّ من الاشتراك مع سواه، وذلك لأنه يحمل شعوراً خاصاً لا يشبه غيره، أو يشرح مشهداً يتفرّد الكاتب برؤيته من دون الناس.‏

15- أما معيار الانتشار في الزمان والمكان، الذي يعني أن النص الشعري تتناسب قيمته تناسباً طردياً مع سعة انتشاره في آفاق الأرض، وكذلك مع صموده أمام تصرّم الأزمان، فإن هذا المعيار لا يصلح للتصنيف إلا في فصيلة الثابت النسبي. وهو لا يملك أن يكون معياراً كلياً لاستصدار حكم القيمة. بل إن كل أدب يقصيه العصر الربوي بعيداً، ينبغي أن يكون الأعظم والأسمى، فما كان له أن يقصيه إلا لأنه لا يطاله بسبب من علوه أو عمقه‏

ومع كل ما سبق، يؤكد اليوسف أن أحداً لا يملك أن يبرهن بمنهج منطقي على أن معيار القيمة كلي، أو صالح للإستعمال بشكل شمولي أو ديمومي. لذلك يجب الإفساح في المجال كي تسهم الذائقة إسهاماً كبيراً في إصدار حكم القيمة، ولكن دون أن نجعل منها أسّ النقد الأدبي أو جذره الوحيد. ولا بدّ من الوساطة بين الذوق والمعيار، أو بين الانطباع والتعليل، أي بين الوجدان والذهن الذين يتنازعان السلطة على النص الأدبي. وإذا ما تمّ تلاحم البرهتين ودمجهما في برهة واحدة مركبة دون تمايز مرئي، فإن النقد الأدبي يكون قد بلغ إلى مبلغ عالٍ بكل توكيد.‏

هذه هي أهم أسس نظرية الشعر عند يوسف سامي اليوسف. وهي أسس جديرة بأن تفرد لها المقالات والأبحاث، لمناقشتها ودراستها وتبيين مواطن الجدّة فيها، ومقارنتها مع نظريات الشعر التي وصلتنا من التراث العربي، أو من النقد الغربي. و من نافل القول إن ذلك يحتاج إلى مقام آخر. ولابدّ لي من الإشارة إلى أن ما قدمته في هذه المقالة من استعراض لهذه الأسس، لم يكن على قدر السهولة التي تبدو للوهلة الأولى. ذلك أنه كان علي أن أستخلصها استخلاصاً من مجمل مقالات وكتب ناقدنا الكبير، وأعيد ترتيبها، وأعمل على الربط فيما بينها. و ما ذلك إلا بسبب طريقته في الكتابة، التي تندفع فيها الأفكار اندفاعاً، وتنداح وتتزاحم، فتتداخل أحياناً، وتتكرّر أحياناً أخرى. على طريقة كتابة النقاد التراثيين، أو المتصوفة الكبار، ولاسيما طريقة كتابة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، الذي يعجب به الأستاذ اليوسف أيما إعجاب، ويراه الأعظم بين فقهاء الوجود (الخيال والحرية ص28) كما يعدّه أوّل شاعر رمزي كبير في حركة الشعر العالمية (ماالشعر العظيم ص146). وإذا ما أضفنا إلى ذلك خصوصية اللغة العالية التي يكتبها اليوسف ويتميّز بها، ونفوره من استخدام المصطلحات الشائعة المتواترة في الكتابة النقدية الحديثة، وميله إلى اشتقاق مصطلحاته الخاصة، التي يصوغها من المعجم الصوفي في أغلب الأحيان، أدركنا كيف يصبح نص اليوسف أقرب إلى النص الأدبي الإبداعي، منه إلى النص النظري المنهجي. ومن ثمّ فإن قراءته تصبح برسم الذائقة، والقدرة على الاستبار والاستبصار أيضاً.‏

نزار بريك هنيدي‏

25/11/2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244