جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

يوسف اليوسف في «تلك الأيام» الناقد الكبير طفلٌ ـــ وليد عبد الرحيم

كم منزل في الأرض يألفه الفتى‏

وحنينه أبداً لأول منزل‏

واحدٌ من أهم النقاد العرب في القرن العشرين، من قلة عربية معاصرة هضمت التراث العربي والإسلامي، تاريخاً ونقداً وشعراً وفلسفة، ويجمع المهتمون على أنه واحد من أهم المترجمين عن الإنكليزية، لا سيما ترجمته قصائد ت.س. إليوت الشهيرة.‏

ذلك هو يوسف اليوسف الذي أطل مؤخراً كطفل ينتمي لتلك القرية الفلسطينية القريبة من طبريا والتي خرج منها إثر انتكاسة الروح البشرية عام 1948، والتي يجمع الفلسطينيون على إطلاق النكات المحببة على أهلها المتميزين بالعناد والتشبث بالرأي، حتى لا أقول مصطلحاً شعبياً يسيء في هذا السياق، إن ورد.‏

يخرج يوسف اليوسف في جل هذا الكتاب «تلك الأيام» من وقاره النقدي، قارئاً بعين الطفل المتطرفة البريئة عناصر ذاكرته المليئة بالفجائع والآلام والانكسارات، وهو كتاب لا يقل أهمية عن كتبه النقدية والأدبية السابقة، بل قد يكون أمتعها وأصدقها نظراً لتلامس فحواه مع صدمة الطفولة التي أصابته، لهذا كان منذ عنوان كتابه يدلل على رغبة ليست انتقامية بقدر ما تحمل روح العدالة من خلال استحضار عنوان كتابه «تلك الأيام» من القرآن الكريم إذ تقول الآية: ?وتلك الأيام نداولها بين الناس?، وكأنه يريد استباق كتابه بالإفصاح عن إيمانه «كطفل جريح لا كسياسي أو ناقد» باندحار التتار الجدد عن وطنه واستيفاء التاريخ لحقه المهدور، في مستقبل لا يُعرف إن كان بعيداً أم قريباً. لكنه وصل في النتيجة إلى ذلك عبر مسيرة طويلة، حيث يستهل كتابه بمقولة عميقة ذات عمق فلسفي: «لقد رأيت حتى أصابني الذهول».‏

نحن إذاً أمام شاهد أصابه الذهول، ذهول مؤقت، بدليل أنه حفظ مكونات وعناصر هذا الذهول في وعاء الذاكرة، كما ترجم مفرداته إلى فكر وحياة يومية عاشها بقسوة كلاجئ في مخيم اليرموك جنوب دمشق حيث مايزال ينتظر، وحيث درس ودرّس في مدارس الأونروا، ويذكره أبناء جيلي كمدرس قاس لا يتهاون.‏

يتحدث اليوسف في «تلك الأيام» عن طفولته في لوبية بوصفها طفولة معنية بالسياسة، أثرت فيها أيما تأثير، واندحرت هذه الطفولة أمام الرغبة السياسية العالمية بتشكيل بؤرة للنازية الجديدة في فلسطين سميت بإسرائيل، بعدما تسنى لها الإطاحة بطفولة البشرية وأصلها ومن ضمنها طفولة الناقد الذي ظل لوبانياً فلسطينياً حتى النسغ على الرغم من اقتحامه لسدة الريادة النقدية والمعرفية، وكأن القرية الصغيرة التي يطلق الفلسطينيون عليها النكات الظريفة انتخبت هذا الرجل لتمثيلها في المحافل الثقافية.‏

إن يوسف اليوسف في «تلك الأيام» يقدم الصور والأفكار التلقائية بشكل مدروس، بدءاً بعمته وأعمامه وأخواله وجاراته من خلال شريط ذكريات شديد الواقعية بلا رتوش سينمائية، ولكن بلغة راقية عرفت لديه، مما جعل المعلومة البسيطة بل والساذجة تتحول إلى نص أدبي رقيق يخرج من إطار تلك النصوص السطحية التي شهدها الأدب الفلسطيني تحت عنوان: «تدوين الذاكرة الفلسطينية».‏

إنه هنا لا يحمل المفتاح وأوراق الأرض المسلوبة بالسذاجة التي اعتدنا عليها فلسطينياً، فهو ليس بحاجة لأن يثبت ذلك بل يقوم بالغوص في أعماق المأساة الفلسطينية، كطفل رأى حتى أصابه الذهول، لا كلاجئ أو سياسي يريد ترويج حقائق وأرقام، وإنما كإنسان يدون فترة طفولة خصبة اقتلعت خضرتها جحافل السياسة والاستحقاقات الدولية التي مورست عليه من كل صوب، مدنسة ظهر التلقائية، ويبدو اليوسف هنا باحثاً عن طفولة مفقودة هربت كماء زلال من بين أصابعه لتصب في جوف أرض مازالت في انتظاره لاستخراجها من جديد، وقد فعل.‏

وإن كان الناقد الكبير والفلسطيني الطازج أبداً يتحدث في نهاية كتابه بوصفه له على أنه ليس بحثاً «عن الزمان الضائع، بل هو بحث عن المكان المغتصب السليب، أو عن الوطن الذي نهبته غريزة العدوان»، فإنه لا يعني بذلك مجرد تقديم تقرير تاريخي، بل يبدو الأمر هنا ابتكاراً لقلعة حسية في مواجهة الغزاة. الأهم من ذلك كله أن يوسف اليوسف يتحدث في الوقائع لا عنها، رافداً الذاكرة بالتحليل والتقييم، محملاً بريطانيا والجيوش العربية مسؤولية الخديعة التي أودت بوطنه، ومقدماً شهادة أشبه بمن يقف شاهد عيان بسيط أمام محكمة دون مبالغة أو تسويف، معبراً عن حسه الشعبي بوصفه مواطناً مدمى لا ناقداً يمتلك دبلوماسية الفكرة والأمنية، فيقول: «الإنجليز أعدوا كل شيء لتدميرنا وتحويلنا إلى لاجئين قبل خروجهم من بلادنا بسنوات، لهذا أرجو ألا أموت إلا بعدما أرى بلادهم خراباً بلقعاً لا تتنفس فيها أية حياة».‏

ولا يتوانى عن إطلاق عبارات مشابهة عن الجيوش والإذاعات والملوك العرب الذين شاركوا في الخديعة: «... ولسوف يدهش المؤرخ في المستقبل حين يكتشف أن دور العالم العربي في إنشاء الغيتو الصهيوني أكبر من دور الغربيين والشرقيين معاً».‏

إلى جانب ذلك كله يضع اليوسف قارئه أمام تفاصيل تؤدي به إلى الدخول في منطقة الجليل وأجوائها الطبيعية والاجتماعية، التي احتضنت أجساد عشرات الثوار الذين استشهدوا هناك بصمت وهو يتحدث عن بعضهم بحرارة واضحة، كما أنه لم يترك الكثير مما يمكن الحديث عنه إلا أورده. ومن هنا تبرز هذه الحقيقة.‏

أراد اليوسف أن يكتب هذا العمل كرواية، وربما كان ذلك أحرى، لكنه ربما تراجع في لحظة ما، ذلك أنه تاريخياً يتهرب من كتابة الأدب شعراً ونثراً على الرغم من قدرته على ذلك، وربما رأى أن كتابه هذا رد على الأدب السطحي الذي ينتشر فلسطينياً في السنوات الأخيرة، بحيث صارت الذاكرة عنواناً للكتب والروايات والشهادات السيئة المبنى الناقصة المعنى، وفي «تلك الأيام» رواية لكان أجدى، لكنه وقد كتبه كمذكرات أبدع فيه وأوصل ما يريد وهو الجدير دائماً بذلك، لكن القارئ قد يستشعر معي جموحه الخفي نحو كتابة ذلك رواية ولا أدري إن كان قد فكر بذلك حقاً، ربما أدى الاعتقاد بأن أدب الذاكرة «تدوينها» يبدو أكثر ملاصقة وصدقاً، بما يعنيه من ملامسة الواقع بلا رتوش. لذلك قرر الناقد الكبير أن يكون طفلاً وحسب دون استخدام تقنيات الكتابة العالية.‏

يوسف اليوسف في كتابه «تلك الأيام» يضيف جديداً في الأدب الفلسطيني ذاكرة ومستوى ومعنى، ويشجع كتابه هذا أسلوب الكتابة التلقائية التي باتت تنتقص في العالم العربي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244