جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الناقد د. سمر روحي الفيصل ( لا شكَّ في أن الأدب عندنا هواية وليس حرفة ) ـــ حوار: سامر أنور الشمالي

الدكتور (سمر روحي الفيصل) من النقاد السوريين الذين أفردوا الحيز الأكبر من أعمالهم لنقد الرواية العربية، ورصد إصداراتها وتاريخها، عبر مسيرته النقدية التي تزيد عن ربع قرن من العطاء المستمر. حول تجربته المميزة والغنية حاورناه حول وواقع وآفاق الرواية العربية.‏

= لنبدأ حوارنا بمقولة الكاتب السوري الكبير (حنا مينة): (مع الأسف إن النقد لم يضف إليَّ شيئاً) لا شك أن رأيه هذا عكس رأي شريحة كبيرة من الروائيين الذين وجدوا أن النقد عبئاً بدلاً من أن يكون معيناً لهم. إلامَ تعزو هذه العلاقة المنقطعة بين الروائي والناقد؟.‏

- من المفيد ألا نهتمّ كثيراً بالأقوال المعلنة، وبالذوات المتورِّمة، وبالآراء غير العلمية. فالأديب يحتاج إلى الناقد، والناقد يحتاج إلى الأديب. لا غنى لأحدهما عن الآخر. تلك طبيعة الحياة الأدبية وناموسها. فإذا رفض الروائي النقد فإنه يدّعي عدم حاجته إليه؛ لأنه مكتمل لا سلبيات في النص الذي ينتجه. وإذا قبله فإنه يعبِّر عن أنه مازال ينمو ويتطوّر ويجرِّب. وقد لاحظ عدد غير قليل من النقاد أن (نجيب محفوظ) كان دائماً يستمع إلى النقد الذي يُقدِّمه النقاد لأعماله؛ لأنه يرى نفسه في مرآة الآخرين. وفي الاحتفال الذي أُقيم عام 1998 بمناسبة مرور عشر سنوات على نيله جائزة نوبل، وقف يشكر للنقاد ما قدّموه قائلاً: (لقد نسيتُ هذه الجائزة، وأشكر لكم أنكم مازلتم تذكرونها). لقد نسي (نجيب محفوظ) جائزة نوبل لأنه يرفض الجمود عند مرحلة معينة من حياته الأدبيّة، أو عند نصر معنوي أحرزه في حاضره، أو عند أي إحساس بالاكتمال شعر به في أحد الأيام، أو عند عوائق كبيرة أو صغيرة وقفت في وجه إنتاجه. لم يكن (نجيب محفوظ) يؤمن بشيء غير الإنتاج، ويدرك جيداً أنه لن يتغيّر ويتقدَّم إذا لم ير ميزاته الفنيّة وعيوبه في عيون النقاد. والمعروف أن أحد الروائيين أطلق على الناقد تسمية (الذبابة)، وكان يرسل إليه رواياته سراً ليسمع رأيه فيها.‏

= حسنا.. لنتحدث الآن عن النقد الأدبي الحديث بشكل عام، ألا تجد أنه يهتم أولاً وأخيراً بالشكل والمظهر على حساب المضمون والجوهر، وتأكيداً على ذلك أذكر أشهر المناهج النقدية: (الألسنيّة، البنيوية، التفكيكية)؟.‏

- نعم، الاتجاه الشكلانيّ يُهمِّش المضمون الفكريّ للنصوص الأدبيّة، ويبتعد نهائياً عن همومها الاجتماعيّة وقضاياها الإنسانيّة العامة والخاصة. ولكنه اتجاه طبيعي في وقتنا الراهن، بعد عقود من ادّعاء الاهتمام بالمجتمع، ورصد قضاياه في الأدب. ذلك أننا اكتشفنا خواء النصوص، وعدم قدرتها على اختراق الممنوعات، وتزييفها مجتمعها المتخيّل. ومن ثَمَّ أصبحنا نملك ردّ فعل على هذا الاهتمام بالمضمون، تجلّى بالاهتمام بالشكل؛ لأن المضمون أنتج خطاباً مباشراً، ندر فيه الصدق الفني، بدلاً من أن ينتج خطاباً فنياً يبني مجتمعات تخييليّة دون أن يتدخل في توجيهها.‏

= ولكن لماذا ظل النقد العربي أسيراً للمناهج الأجنبيّة ولم يستقلّ بدوره؟. بل هل ثمة ضرورة ليكون لدينا نظرية نقدية عربية؟.‏

- لا يستطيع النقد الأدبي العربيّ أن يستقلّ عن النقد الأجنبيّ، فهو يستعين بالمناهج التي وضعها النقّاد الأجانب، وينتظر أن يطوّروها ليفيد من تطويرهم لها. ولهذا الحال سببان، أولهما الضعف العربي العام، وثانيهما كونية النقد وعدم اقتصاره على دولة دون أخرى. وعندما كنّا في العصر العباسيّ أقوياء كان الآخرون يأخذون ما نضعه ويفيدون منه. ونحن الآن ضعاف، لا نُشجِّع الحياة النقدية، ولا نبذل لها ما تحتاج إليه من أدوات بحث ومناخ نقديّ. ومن ثَمَّ ليس لدينا نظرية عربية في الرواية أو الشعر أو غير ذلك من الأجناس الأدبية. وما يُقدِّمه إخواننا المغاربة والتوانسة مفيد، إذ إنهم يبعثون التراث الحكائيّ العربي ليجعلوه جزءاً من نظرية نقد الرواية والقصة، ولكن عملهم لم يتكامل ليبلغ حدود النظرية النقديّة، إذ إنهم، ونحن معهم، لا يملكون فلسفة عربية تقبع خلف ابتداع النظرية النقدية، وتُوجِّه خطواتها وإجراءاتها. نحن الآن، نُبدع نصوصاً مهمّة، ولكننا في النقد نكتفي بالتطبيق، وقد نصل في المستقبل إلى المساهمة في النقد العالميّ.‏

= ربما نبتعد في هذا السؤال عن السياق العام قليلاً، ولكنه قد يكون مفيداً في تفسير أزمة الرواية العربية أو الأدب عموماً. الأدباء العرب يمارسون الأدب كهواية -أن صح التعبير- فليس لدينا كما في المجتمعات المتحضرة أدباء يعيشون من الكتابة.‏

- لا شكَّ في أن الأدب عندنا هواية وليس حرفة. إنه هواية لأن الحياة المعيشيّة للأديب العربي ما زالت تعتمد على (الراتب الشهري) الذي توفِّره الوظيفة. وضمن مفهوم الهواية يُنْظَر إلى المال الذي يدخل جيب الأديب من عمله الأدبي على أنه مجرد رافد لراتب الوظيفة وليس بديلاً منه. وتشيع بين الأدباء العرب وأفراد أسرهم ومجتمعهم مقولة قديمة تُشجِّع على إبقاء الأدب هواية، مفادها أن (الأدب لا يُطعم خبزاً). ويُخيَّل إليَّ أن الأديب العربي تكيّف مع هذه المقولة، وارتضى لنفسه أن يكون هاوياً ينتج في أوقات فراغه ما يفيد مجتمعه وأمّته. بيد أن هذا التكيُّف لا يعني الرضا؛ لأن (الهواية) ذات تبعات سلبيّة، أبرزها إقناع الأديب نفسه بأنه لا يملك الوقت لإنعام النظر في نصه الأدبي. فالروائيّ - وهو موضع الحديث- يجب أن يدرس بيئة روايته، ويقرأ ما كتبه الآخرون عنها، ويفهم طبائع الناس فيها، ومشكلاتهم وتطلعاتهم، قبل أن يستعين بموهبته في تخيُّل الحوادث وابتداع الشخصيات وبناء المجتمع الروائي. وحين يتنازل، طوعاً أو كرهاً، عن القراءة الممهِّدة للكتابة فإنه يعلن اعتماده على الموهبة وحدها، وهي غير كافية لإنشاء رواية. وفي ظنّي أن (بقاء الرواية في إطار الهواية الشخصية) يعني استمرارها في الاعتماد على الموهبة دون القراءة التي تصقلها وتُعمِّقها وتدفعها إلى التخيُّل الإبداعي الأصيل. وعندما يُقال إن (نجيب محفوظ) كان موظَّفاً فإن القائل يجب أن يتوخّى الدقة، بحيث يذكر أن هذا الروائي الفذَّ كان يقسم أوقات يومه قسمة عادلة، يلاحظ في بعضها بيئة روايته وحركة الناس فيها، ويقرأ ويتابع ويعيش ما يجعله أكثر معرفة بهذه البيئة، حتى إذا اختمرت الفكرة لديه شرع خياله يبتدع الجديد المعبِّر عنها. وهذا يشير إلى أن الأديب العربيّ يستطيع الفكاك من أسر الاعتماد على الموهبة وحدها بأن يُلزم نفسه بالقراءة والمتابعة والمعايشة قبل الكتابة، ومن ثَمَّ يصبح روائياً ذا حرفة، ولا يبقى روائياً هاوياً.‏

= الآن يخطر في ذهني قول للروائي المصري (يوسف القعيد)، في معرض حديثه عن مشكلات الرواية العربية: (تفتقد هذا الرصيد الفكري الضخم والرؤية الفلسفية، ولهذا ألاحظ على النتاج الروائي العربي التوهان في الجزئيات، وعلو صوت العاطفة). هل تجد هذا الرأي معبِّراً عن واقع الرواية العربية؟.‏

- هذا السؤال يُعيدنا ثانيةً إلى السؤال السابق. فالروائي العربي، في الغالب الأعم، هاو وليس محترفاً، له وظيفة يعيش منها، ولا ينتظر من الرواية أن تُطعمه خبزاً مادامت نسخها المطبوعة لا تجاوز ألفي نسخة. وعلينا ألا ننتظر من هذا الهاوي (الرصيد الفكري الضخم والرؤيا الفلسفية) العميقة، والمعالجة الشاملة للإنسان في سياق حركته الاجتماعيّة. فهذه الأمور تحتاج إلى القراءة الجادة، والاطلاع المستمر، والمعايشة القادرة على تحليل الواقع وإعادة تركيبه من وجهة نظر فنيّة، فضلاً عن التدقيق في الأدوات الفنية وأساليب بناء النص الروائي. فالرواية ليست عملاً هيِّناً وإنْ بدا بناؤها سهلاً مفتوحاً يستطيعه الإنسان الذي يملك حكاية ويرغب في سردها على الآخرين.‏

وقد نقل الناقد السينمائي (سمير فريد) عن الدكتور (لويس عوض) قوله إن هناك رواية لتوماس مان، هي (أولاد الحاج) عذّبت جيله لطولها (12 جزءاً) وصعوبة قراءتها، بحيث كان (لويس عوض) يصل في كل مرة إلى قراءة الجزء الثالث أو الرابع منها، ولكنه يتوقّف عن القراءة، ولا يتمكّن من متابعتها. أما (نجيب محفوظ) فقد قرأ هذه الرواية بأجزائها الاثني عشر؛ لأنه، بحسب تعبير (لويس عوض)، اعتبر نفسه موظفاً عند (توماس مان)، يعطيه كل يوم ساعتين ليتمكّن من قراءة هذه الرواية والاطلاع على أسلوب (توماس مان) فيها. إن العمق الفلسفيّ يحتاج إلى الجهد والوقت والمبادرة، وإلا فإن الروائي سيضطر إلى الاكتفاء بموهبته وثقافته العامة. ولعله، في هذه الحال، يتوه أحياناً في الجزئيات، ويغرق في العواطف والأوهام، ولكنّ ذلك لا يصدق على الروائيين كلّهم، فهناك روائيون يقرؤون بحماسة، ويتابعون بدقة، ويخترقون واقعهم الوظيفيّ والمعيشيّ والسياسيّ أيضاً.‏

= هذا يقودني إلى السؤال عن الإيديولوجيات التي أثقلت الرواية العربية، فإلى أيّ مدى أسهم ذلك في تسييس الأدب والحدِّ من المتعة الجمالية المفترض قيامها في الرواية؟.‏

- هناك فرق كبير بين إيديولوجيا الرواية والرواية الإيديولوجيّة. ففي كلّ رواية إيديولوجيا معلنة أو مضمرة، مباشرة أو فنيّة، مُسْقَطَة على النص أو نابعة من سياقه. وعندما يجري الحديث عن الرواية والإيديولوجيا فإن الذهن ينصرف إلى الرواية التي صُنعت للتعبير عن إيديولوجيا معيّنة، مقبولة أو مرفوضة، ولكنها في الحالات كلّها تُقاس بمعيار واحد هو قدرة الفكر على الانضواء في لبوس الفنّ، وإلا فإن الرواية سترضى بالتعبير الخطابي المباشر، وستقنع بالابتعاد عن الواقع الحقيقيّ لتغرق في واقع آخر مُفْتَرَض نسجته مخيّلة الروائي، وجعلته دالاً على منظومة أفكار معيّنة. وما عدا ذلك فإن الرواية العربية تبدو حقاً مثقلة بالإيديولوجيا، تبعاً لظروف مجتمعها العربيّ، ومرحلتها التاريخية التي دفعتها إلى أن تصير سلاحاً للمقاومة، وأداة للتغيير، ووسيلة لفهم الحاضر والماضي. والواضح أننا لم نكن على صواب دائماً؛ لأننا جعلنا صوت الفنّ يخبو، وصوت الأفكار يعلو حتى أصبح صراخاً لا فائدة كبيرة منه.‏

- إذ استعرضنا واقع الرواية العربية فلا بدَّ لنا من المرور بما يُعرَف بالرواية النسويّة. هل أنتَ مع هذا المصطلح الذي رفضته غالبيّة الروائيات؟.‏

= ليس من المهمّ أن نتّفق أو نختلف مع مصطلح (الرواية النسوية)؛ لأن ذلك يخضع لطبيعة الفنّ الروائي خصوصاً، والفنّ عموماً، ولا يخضع للأهواء الفرديّة. فأنتَ في الفن لا تميز الرجل من المرأة، ولا الأسود من الأبيض، ولا الصغير من الكبير، بل تميز الجيّد من الرديء. ومن ثَمَّ ليست هناك رواية نسوية وأخرى رجاليّة إذا توافر المستوى الفني الجيّد. وهذا لا يمنع من أن تتوافر مناطق في التعبير يتقن الرجل معرفة خباياها أكثر من إتقان المرأة لها، والعكس صحيح. وفي التعبير الروائي عن هذه المناطق يحسن بالمرأة، أو بالرجل، التعبير عما يحسنه أو تحسنه. ولهذا السبب راجت مقولة الرواية النسوية، وعزّزتها الرغبة الغربية لا العربية في النهوض بالهامشيين في المجتمع كالنساء والسود، ورافقتها رغبات بعض السياسيين في النهوض بالمرأة، فبدا مصطلح الرواية النسوية مقبولاً لا حرج في استعماله وإنْ رفضته بعض الروائيات انطلاقاً من أنه يوحي بالتمييز الذي يرفضنه ويحاربن القائمين به.‏

= نختم حوارنا بسؤالك عن عملك في توثيق الروائية العربيّة.. فماذا قدم هذا الرصد من علامات مميّزة يمكن أن نخلص إليها؟.‏

- في بدايات السبعينيات، عندما كنتُ أرصد الإنتاج الأدبي، من قصة ورواية وأدب أطفال، لم يكن المنظور الأدبي العام يُشجِّع هذه الخطوات، بل يستهين بها ويصف صاحبها بأنه أرشيفيّ، توهيناً لعمله. ولكنّ الإصرار على الرصد، ونمو الوعي العام بالأثر الإيجابيّ للمعرفة الكليّة للإنتاج الأدبي، راحا يُرسِّخان اتجاهاً أصبح اليوم معجميّاً ولم يبق مقصوراً على المجلات وخواتيم الكتب. وأنا نفسي اتجهتُ في الثمانينيات والتسعينيات إلى العمل المعجميّ، فأصدرتُ معاجم بالاشتراك مع غيري، فضلاً عن معجمي الضخم (معجم الروائيين العرب)، ومعجمي الآخر (معجم القاصات والروائيات العربيات)، ومعجمي الذي لم يُطبع بعد (معجم القاصين العرب). وظني أن هذا كلّه قدَّم للآخرين عرباً وأجانب صورة علميّة عن الإنتاج الأدبي العربيّ في الحقول التي رُصدت في المجلات والمعاجم. وقد اتضح من الرصد اتجاه الحركة الأدبية، وتوثيقها، وبيان موقعها قياساً إلى مثيلاتها العربيات والأجنبيات، فضلاً عن أنه سدّ حاجة الباحثين في هذه الحقول، وحاجات مراكز البحوث والمؤسسات والمكتبات والجامعات. ذلك أن رصد الإنتاج الأدبيّ أصبح اليوم عملاً علمياً يحتاج إلى الوقت والجهد والمعرفة الموسوعيّة، وهو جزء من تدريب الباحثين وطلاب الدراسات العليا في الغرب، كما أنه المهاد الأولى لأي عمل تحليليّ أو تاريخيّ أو نقديّ.‏

حوار: سامر أنور الشمالي‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244