|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الطويل والقصير ـــ مالك صقور حفنة تراب. نعم. حفنة من تراب، ربما أقل من حفنة.. أقل!! من يدري؟! ذاك الرجل الجسور الذي يلحد الموتى، هو الذي يقول ذلك: «كل ما أخذه معه حفنة من تراب». ـ تفو.. وُضعت في فمه، حول فمه، عند خده، تحت خده،.. حفنة تراب.. ـ تفو.. من تراب ولد، وإلى التراب يعود.. تفو. سيأكله الدود.. لم يأخذ معه شيئاً.. ملء فمه تراب، ربما أقل. وهذه الحياة الصاخبة، وهذه الحياة الزاهية، وهذا العز، وهذه الثروة، هذه الثروات.. لمن تركها؟ كان لسان حاله يردد ذلك، وهو في طريقه من المقبرة إلى قصر العدل ليدلي بشهادته.. *** بين المقبرة وقصر العدل، دروب ودروب: درب مستقيم، درب طويل، درب ملتو، درب قصير. بين المقبرة وقصر العدل ـ دهاليز، زواريب، وأزقة، أروقة، وطرق سرية أيضاً.. وفي طريقه من المقبرة إلى قصر العدل ليدلي بشهادته، فاضت مشاعره، وعبراته وتملكته الخشية، وهو يتذكر كلمات سمعها لتوه عند رأس الميت في المقبرة: «إذا جاءك الملكان» وما زالت كلمات الرجل الذي خرج من القبر، بعد أن لحد المرحوم، وهو يتصبب عرقاً، على الرغم من لسعة البرد، تطن في أذنيه «حفنة تراب، لا غير، لم يأخذ معه شيئاً». وهو، الآن، يغذُّ الخطا مستعجلاً، ليدلي بشهادته، وبشهادته سيحسم القاضي القضية. كل شيء يتوقف على شهادته، بين الطويل والقصير.. لو كان مكان القاضي، أعطى قطعة الأرض للطويل ذي العيال الكثيرة، وليكن ما يكون.. شهادته ستكون الفصل، وهو الذي كتب السند بينهما.. لكن القصير عنده الكثير.. والطويل لا يملك مغرز إبرة. لذا، سيقول: «سيدي القاضي إن قطعة الأرض هذه من حق الطويل ذي العيال الكثيرة، يا سيدي: لتوي قادم من المقبرة.. لقد قبرنا أغنى أغنياء المدينة، ولم يأخذ معه شيئاً.. وسيقول: يا سيدي القاضي، إن القضية قضية حياة أو موت، تسعة أطفال، يا سيدي تسعة أطفال، والقضية برمتها منذ الأزل قضية المتخمين، والجائعين، قضية من يملك ومن لا يملك، وسيقول: «يا سيدي القاضي: صحيح أني شاهد، وسأقول الحق، لكن أتوسل إليك أن تترك الأرض للطويل، هو الأحق بها».. فاضت مشاعره، وعبراته، وتذكر الميت الغني الذي دُفن لتوه، ولم يأخذ معه شيئاً، لذا قرر أن يكون بجانب الطويل الفقير، سيقول، وسيقول، وسيقول، وبشهادته سيحسم القاضي القضية. هذا كله، وهو يقترب من القصر العدلي. *** دخل القصر العدلي بالموعد المحدد.. توجه إلى قاعة المحكمة. نودي على المحامي، والمدعي، والمدعى عليه والشاهد الذي هو. قاضي، وقوس ومطرقة، وميزان عدل، وكتب سماوية مغطاة بقطعة قماش خضراء، وقاعة يجلس فيها منتظرون، لم يأبه لهم. أمام القوس وقف الخصمان جنباً إلى جنب، والمحامي والشاهد. بدا القصير البدين مطمئناً، يرفل بثياب فاخرة، وعباءة مذهبة ترتخي بغنج على كتفيه. البارحة، وعده القاضي بأنه سيحسم القضية؛ فلقد سمع أقوال الشهود جميعاً، وبقي الشاهد الأخير، واطمأن أكثر، عندما قال له القاضي: هتفوا لي من دمشق أعالي القوم.. وغمز إلى أعلى. وكان الطويل الهزيل، يقف إلى يسار القصير البدين، بثيابه الرثة، منكس الرأس، وقد بدا كفزاعة الحقل. قاعة، وقاضي، وقوس، ومطرقة، وميزان عدل، وكتب سماوية مغطاة بقطعة قماش خضراء.. والطويل والقصير والمحامي والشاهد، واقفون.. طرق القاضي بمطرقته الخشبية، وساد صمت، وبدأت الجلسة.. ورافع المحامي بحماسة، وكانت شهيته للكلام مفتوحة، فلقد قبض مبلغاً هائلاً، ليرش منه على الجميع.. وتهلل وجه القصير، وانتفخت أوداجه، وهو ينقل نظره بين المحامي الفصيح، والقاضي والطويل المنكس الرأس الذي انكمش أكثر وأكثر.. وأضاف القصير: يا سيدي القاضي، هذا الرجل والتفت إلى الطويل ـ الذي هرب الدم من وجهه، إنه ناكر للمعروف، جاحد للجميل، أشفقت عليه وسلمته أرضي كي يعتاش منها، وكان الشرط، متى أردت الأرض، أخلاها حالاً، والشاهد الذي كتب السند، موجود بيننا.. قاطعه القاضي، أعرف، أعرف، وماذا يقول المدعى عليه؟ رفع الطويل الهزيل رأسه، وكان يلف رقبته بكوفية مرقطة حائلة اللون مسح أنفه بطرفها، وقد بدا كفزاعة حقل لعبت الريح بأطرافها، تنحنح وقال بانكسار: «يا سيدي القاضي، أنا لا أنكر ملكيته للأرض.. نعم، بالطابو، له. لكنها، كانت أرضاً بوراً، فيها من الصخور ما يعمّر قلعة، وكان الديس والعليق والشوك؛ يغطي الجزء الباقي، ولا أحد يستثمرها، أفنيت عمري وصحتي أنا وامرأتي وأولادي باستصلاحها، ومد يدين خشنتين، وبعد أن صارت أرضاً صالحة للزراعة، وربما تدخل المخطط التنظيمي، حليت في قلبه، الآن، وعنده مئات، مئات الدونمات غيرها، وأولاده ما شاء الله، كلهم فوق، وأشار إلى كتفيه، ثم، ثم يا سيدي القاضي أنا غير مستفيد من الإصلاح الزراعي، وليس لدي في هذا الكون مغرز إبرة أقف فيه، وليس لي سقف في هذا الوطن. ثم، ثم، ثم نحن في بلد: «الأرض لمن يعمل بها». هنا، قاطعه القاضي وقال نسمع الشاهد: نهض القاضي، فنهض كل من في القاعة، وقال للشاهد، ضع يدك هنا، على الكتب السماوية المغطاة بقطعة قماش خضراء: قل: أقسم بالله العظيم قال الشاهد: أقسم بالله العظيم ـ أن أقول الحق لا زيادة ولا نقصان قال الشاهد: أن أقول الحق لا زيادة ولا نقصان. وجلس القاضي، فجلس الجميع، ثم قال ماذا تعرف عما سمعت؟ اقشعر بدنه، بعد أن حلف اليمين، ويده ممدودة فوق قطعة القماش الأخضر، وأحس، أن شعر يديه انقلب إبراً مغروزة في لحمه، وكبرت قطعة القماش، لتصبح قبراً مغطى بالأخضر، لتصبح ضريحاً كبيراً مجللاً بالأخضر، وتحول القاضي بمسوحه الأسود إلى شبح، وتحولت القاعة إلى مقبرة فسيحة، وهو القادم لتوه من المقبرة، و«إذا جاءك الملكان»، لتوه رأى حفار القبور، والرجل الذي يلحد الموتى، انعقد لسانه، ونسي كل ما فكر به وهو في طريقه من المقبرة إلى قصر العدل.. قاعة، وقاضي، ومطرقة، وميزان عدل، وكتب سماوية، والقانون هو القانون، القاضي يعرف القانون، والمحامي يعرف القانون، وهو يعرف الحق، والقضية هي القضية، فلماذا اللف والدوران؟! قناعة القاضي، فوق كل اعتبار، لكن القانون فوق القناعة، والعاطفة. طرق القاضي بمطرقته، وقال للشاهد، مالك ساكت؟ تكلم ما تعرفه: نطق أخيراً: يا سيدي، الأرض كما يقول الطويل، هي للقصير، وأنا الذي كتبت السند، لكنها من حق الطويل. خبط القاضي بمطرقته، وقال للشاهد يعطيك العافية، وخبط بمطرقته ثانياً، وقال: حكمت المحكمة.. واسترد القصير البدين الأرض، وبارك المحامي للبدين القصير النصر، وانكمش الطويل وتحركت الفزاعة، وخرجوا جميعاً. *** على الدرجة السفلى من درج القصر العدلي، قبض الطويل بأصابعه التي تشبه المذراة على معصم القصير، وقال له: «تهانينا، بحكم القاضي، ولكن والله، لن تدخلها إلا على جثتي وجثة زوجتي وأولادي التسعة بعد أن أقبرك فيها.. احتقن وجه القصير البدين وتجمع الدم في وجهه، ونظر إلى الأعلى ليرى وجه الطويل، لكن الطويل تابع وهو يقبض بقبضته الحديدية على معصم خصمه: والله، إن لي فيها أكثر منك. فرد القصير بغيظ: خسئت أيها الجاحد. فقال الطويل: والله، والله، حصتي فيها أكبر من حصتك. ـ خسئت أيها الكافر، يا ناكر المعروف والجميل، أمثالكم يحرموننا أن نفعل خيراً.. أجابه القصير. فقال الطويل بكل ثقة: فكر، أنت أيها المؤمن، فكر قليلاً: والله، والله، إن لي فيها أكثر منك، وحصتي فيها أكبر من حصتك. ـ ولماذا لم تثبت ذلك أمام القاضي، وهذا هو سند التمليك. قال الطويل: هنا، أمام الله، وتحت هذه الشمس، وقدام الجميع سأثبت ذلك: تعالى نتمدد هنا، لأثبت لك، إن حصتي أكبر من حصتك. صمت القصير، وبدا كبرميل أمام الفزاعة، وفكر برهة، وكأن رأسه ضُرب بحجر، وفجأة، استيقظ شيء في داخله، فقبض بيده الأخرى على معصم الطويل وجره إلى القاضي. *** وفيما كان القاضي يملي، قرار الحكم على كاتبه، وما أن نطق: باسم الشعب العربي السوري حتى سكت مندهشاً، حين ظهر في الباب الطويل والقصير. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |