جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أحلام ابن المقفع ـــ علي ديبة

مات الأديب الأخضر، عنوان عريض تصبّح به القراء والمستمعون والمشاهدون، انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم. الذي يعرف الرجل معرفة حقيقية هزّ رأسه، والذي يعرف اسمه ولا يعرف أكثر من ذلك أسف بعض الأسف، أما الذين لا يعرفونه ولم يسمعوا باسمه فقد ظنوا أن البلاد خسرت علماً من أعلامها المهمين.‏

يوم طبع كتابه الأول لم يجد من يواجهه بحقيقة كتابه، حتى الكاتب الكبير ابن المقفع الثاني، فضّل ابتلاع لسانه على معمعة يخرج منها خاسراً مهزوماً، وكيف يجرؤ على قول الحقيقة من يجد نفسه محاصراً بالباطل؟ حتى لو وقف وقفة عنترة العبسي وشهر قلمه بدلاً من سيفه، فإنه سيجد من يتهمه بقلة الأدب، وافتقاره للياقة واللباقة واحترام الرأي الآخر وسواها من المصطلحات التي تمرر جملاً من خرم إبرة، وربما تحاك حوله حكايات تضعه هو وعائلته في برميل من نفايات المدينة.‏

في اليوم التالي مشى هذا الأخضر مشية الطواويس بين موظفي الدائرة التي يديرها، لم لا؟‏

وهو الذي أضاف إلى ثيابه الأنيقة ثوباً لا يحلم به كثيرون من أقرانه وأترابه، ممن يلهثون خلف وجاهة يستكملون بها زينتهم. جلس خلف مكتبه يتقبل التهاني بإنجازه، الذي كرّسه أديباً لا يشق له غبار، ومفكراً لا يأبه بما قاله كونفوشيوس، ولا يكترث بما رواه هوميروس، أو سواهما من عظماء العرب والعجم.‏

عُقدت الندوات والاجتماعات لدراسة كتابه، الذي جاوز الخمسين صفحة بقليل، لقاءات بدأت ولا تكاد تنتهي، انبرى فيها أصحاب الأقلام من أرباع النقاد وأنصاف الكتاب لتقديم شهاداتهم والإدلاء بآرائهم، هذا اشتغل على اجتهاد ما أنزل الله به من سلطان، وذاك عمل حسب مقاييسه، فكان كمن يوازن بين البيضة وبين الكوكب الذي نعيش على ظهره، وآخر اتكأ على عضلاته، فرفع مصطلحات لا تعترف بها مدارس الغرب، ولا تأخذ بها حلقات البحث في أدب الشرق، وسواهم وقف متلعثماً، فصفّق كمهرج فقد شكل وجهه.. وبقي ابن المقفع الثاني يرسم ابتسامة خرساء يرثي بها كتبه الثلاثين، التي لم يكترث بها أحد.‏

في كتابه المذكور، وكان عنوانه «الطاووس الذي تعلّم النباح» استنفرت الصحف الرسمية والخاصة، خصصت زواياها الفكرية والأدبية لمطالعات تجاوز عدد كلماتها عدد كلمات الكتاب بخمسة أضعاف. محطات البث المرئي والمسموع، جنّدت برامجها القصيرة والطويلة، الصباحية والمسائية، لتغطية أمسيات أدبية أدرج فيها اسمه كعلامة فارقة، ترفع من شأن الأدب العربي المعاصر وتنتشله من مآزق الحداثة وما بعدها.. وبقي ابن المقفع الثاني ينظر بعينين حزينتين إلى كتبه الثلاثين، يسألها الشفاء من بلاء تمكن من تلك الخلايا المسؤولة عن جلد الروح ومقدرتها على التأمل والانتظار.‏

في واحدة من تلك اللحظات التي تضيق خناقها على الروح، سأل نفسه ساخراً: هل أقفع كتبي وأضعها بين أيدي الناس ليعرفوا من أنا؟ كاد يفعلها لولا حلم جاءه على جناح نسمة رطبة، فحملته الرؤيا نحو البعيد، حطت به فوق قبر لا يشبه القبور.. ولأن الأحلام كما يقولون ليست من صنع اليد، خرج جده الأول من قبره غاضباً، صرخ بحفيده مستغرباً:‏

لعلك تظن أنني اكتسبت لقبي الشهير لأنني قفّعت كتبي،؟ لا بدّ أن غريمك المتأدب سلبك الباقي من لبك، وإلاّ كيف فكرت على هذا النحو؟ فكر بجيوبك التي قفّعها الخواء، قارنها بجيوب غريمك المنتفخة، بولائمه وعزائمه، بمن حوله من الطبالين والزمارين، بمروجين يكرسّون بضاعته التافهة في مزادات الأدب وأسواق الفكر. اسأل نفسك لماذا كتبت رسائلي عن الأدب الصغير والأدب الكبير؟ فكر على نحو مشابه، أحل سؤالي إلى كتاب أو كتيب تخطه، أو حتى قصة قصيرة تكتبها، فتحصل على جواب يعيد إلى ميزانك المضطرب بعضاً من العدالة الضائعة..‏

لم يستفد ابن المقفع الثاني من نصائح جده، أو هو فشل في تحقيق رسائل تشي بأحزان روحه، فانكفأ باحثاً عن عنوان يضم بين دفتيه رقماً جديداً يضيفه إلى كتبه الثلاثين. استبعد غريمه الأخضر من هواجسه، نفاه بعيداً عن ذاكرته، لكن الحياة لا تتبرأ من الأحياء حتى لو تظاهروا بالموت. فقد نجح غريمه في السفر إلى الهند، وليت سفره كان للمتعة أو للسياحة أو للاطلاع، ليتها كانت رحلة من تلك الرحلات الخاصة، التي تقام لزيارة تلك المعالم التي نحلم بها، كتاج محل، أو رؤية سقف العالم في جبال هيمالايا، إنما وقع الاختيار عليه كوسيط أدبي يحمل في جعبته إلى تلك البلاد معرفة بالقديم الموروث من ثقافتنا، وسواها من الحوامل والمستجدات الطارئة عليها.‏

كثيرون هم الأدباء الذين ضحكوا في سرهم، أو قالوا هازئين: لا بد أن حكومة الهند ستجد نفسها أمام مشعوذ، لم تعرف مثله بين ملايين المشعوذين، المنتشرين فوق أراضيها الشاسعة؟‏

لم تطل إقامة الرجل في تلك البلاد، عاد إلى بلده بجعبة لا تختلف كثيراً عن جعبة الحاوي.‏

ولعل رحلته تلك تشابهت من حيث ندري أو لا ندري، بغياب الزير سالم تلك الغيبة الطويلة عن قبيلته، حسبما ورد في سيرتنا الشعبية، والتي حقق فيها الفارس الشاعر انتصارات، لم يتمكن من تحقيقها في حربه على جسّاس الغادر، قاتل أخيه كليب.‏

كأن الله سبحانه وتعالى فرض على أهل الأدب والفكر عقوبة من عقوباته التي لا تغتفر، في كل لقاء ومجلس ومحفل يلتقون فيه، يصادر هذا المتأدب أحاديثهم، يملي عليهم رغباته، يفرض على آذانهم سيرة سفره إلى الهند. فإذا رأى أحدهم مشهداً ما، وأراد وصفه أو التعقيب عليه تأثراً به، قاطعه الرجل وطلع على الحاضرين بمشاهدات رآها في الهند، وإن تحدث باحث عن مستجدات فكرية قرأ عنها أو سمع بها، اعترضه ممانعاً ولاغياً، ليبحث في فكر سمع به في الهند، أو لسرد حكايات لا يعلم سوى الله مدى صحتها، تبدأ ولا تنتهي إلا بتبرم وامتعاض ينفضُّ معه الجمع، وألف شتيمة تنزل صامتة على الهند وعلى شبه القارة الهندية، وعلى الطيارة التي أقلعت بمتأدبهم إلى تلك البلاد، ليعود إليهم بكل هذا الوجع..‏

حين فرغت جعبة الأخضر، الذي هو بلا لون واضح، وأحسّ أن حكاياته صارت معروفة لدى القاصي والداني، دفعت به بنات أفكاره مسافات على دروب أكثر غرابة، فقد سعى إلى الإفادة من وقت كان يقف فيه خلف المنبر ليقول دونما حياء أو خجل:‏

ـ أثناء زيارتي للهند، استقبلني رئيس وزرائها، استمر لقاؤنا قرابة الساعة، قدمت له بياناً عن واقع ثقافتنا العربية، أبدى الرجل إعجابه بمقاطع فكرية وأدبية قرأتها له، ولا أخفي عنكم فرحاً كاد يخرج بي عن رزانتي، حين قرأ لي فقرات من كتابي الطاووس الذي تعلّم النباح.. كادت سماء نيودلهي لا تتسع لفرحي وأنا أسمعه يشيد بثقافتنا وفكرنا، ويشكرنا على ما قدمناه للهند خدمة لثقافتها، كان دليله عليها الممثل الهندي الشهير «شامي كابور» الذي جاء اسمه كنية دالة على أصله الشامي العربي..‏

والغريب أن هذا المتأدب لم يخجل من ادعائه وتلفيفه الواضحين، ولا من إسفافه وابتذاله فيما ذهب ثم عرفنا لماذا جاء بمقدمة كهذه المقدمة، حين تابع كلامه مبرراً لما سيرميه على أسماع الناس مما كتبه فوق السحاب، يوم عاد إلى وطنه، فقال:‏

ـ كان مقعدي محاذياً لجناح الطائرة، خجلت من احترام المضيفين الزائد، تساءلت وسألت نفسي: لماذا العالم كله ينظر إلى أدبنا وأدبائنا نظرة إعجاب وتقدير واحترام.. من الهنود وغير الهنود، من الغرب الأميركي إلى أقاصي بلاد بوشكين وليرمنتوف، من فرنسا أم العظام أمثال هوجو وروسو ولامارتين، إلى إسبانيا موطن سرفانتس ولوركا، من بلاد الغال إلى جبال الألب.. صحيح يا سادة زمار الحي لا يطرب، ولكم أن تعيدوا النظر في هذه التعليقات التافهة، التي تتناول أدبنا وتصفه وصفاً لا يقبله حتى الأعداء، اليوم، بل الآن أنا أدعوكم للتصفيق والتصفيق الحار لما ستسمعونه مني، حتى لو لم تستسغه آذانكم، أو عصيت عليكم عباراته، أو كانت في غير مكانها..‏

واستمر صاحب هذا اللقب الأخضر في كلام لا معنى له لأكثر من تسعين دقيقة بالتمام والكمال، ثم وعد الحاضرين في نهاية طوافه الغريب بترجمة كتب عن السنسكريتية، ونقل مثيلتها عن العربية إلى عشر لغات مهمة تعيش في الهند والباكستان وبنغلادش.‏

ودّع جمهور الحضور هذا المتأدب بتصفيق طويل وحاد، لا لأنهم أرادوا شكره ومكافأته على حصاد جميل وضعه أمامهم وبين أيديهم، بل لأنه غادر المنبر ونزل تلك الدرجات عائداً إلى مقعده.‏

كاد ابن المقفع الثاني يفقد عقله، ولعله فقد بعضاً مهماً منه، انتابته قشعريرة لم يشعر بمثلها من قبل، خال معها أن فصل الشتاء وضع رأس تموز تحت مقصلة من جليده البارد، وجدها فرصة ثمينة للإفادة من كتبه، رماها إلى حضن موقد جائع، ثم تمدد إلى جوارها، وتنعم بدفء لم يتنعم بمثله من قبل.‏

ولم تنتهِ الحكاية، حملت إليه أحلامه صورة باهتة لغريمه، ولأن الأحلام ليست من صنع اليد، مات الأديب الأخضر، هو وليس سواه، بين أنياب ضبع جريح أفلت من حديقة الحيوانات.. والغريب العجيب في هذا الموت الذي سبق موته الحقيقي، أن هذا الضاري اختاره من بين مئات الفارين تلبية لأمنية صعبة تعشش في الذاكرة المتعبة للأديب المنحوس، ابن المقفع الثاني..‏

ولم ينته الحلم، فما جرى بعد الموت كان أكبر وأعظم، حملت الحشود جثمان أخضرها، مشت في صفوف منتظمة تحت نعشه، رسمت أحزانها خطوات بطيئة على درب صاعدة، وإيقاعات مجلجلة عزفتها فرق وترية ونحاسية وصوتية، فإذا بنافخ البوق يصرخ بالناس لاهثاً: أما زالت الطريق إلى الهند بعيدة؟‏

ولم ينته الحلم، جاءت وفود لا حصر لها، من الهند وجوارها، من غرب أوروبا وشمال أمريكا، قصدوا البلاد للاطلاع على إرث ثقافي تركه هذا الرجل الشهير وراءه، زاروا بيوتات الثقافة، المكتبات الوطنية، بحثوا في كل التسجيلات المسموعة والمقروءة والمرئية، لم يجدوا له فعلاً أدبياً يستحق الذكر. عادوا من حيث أتوا، ثم أرسلوا للبلاد بطاقة تعزية فريدة في نوعها، كتب عليها: موت أديبكم بين أنياب ضبع، أرحم من موت سواه غيظاً.. تعازينا لكم.‏

ولأن الأحلام ليست من صنع اليد، لكز صاحب الرسائل في الأدب الصغير والأدب الكبير حفيده ابن المقفع الثاني، صرخ به: انهض، هاهي فرصتك، اكتب رسائل طويلة، تصف فيها ربع أديب تمكن من الاحتيال على نصف قرن من تاريخ الأدب..‏

أفاق الحفيد تعباً، رمى عينيه فوق رماد كتبه الثلاثين، أمسك قلمه، كتب على ورقة مغبرة بخطٍّ مهزوم: انتهت الحكاية. ألقى بها إلى الموقد، وراح يركض في طول الشارع، آملاً الوصول إلى جبال هيمالايا..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244