جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ومضات: أمي ـــ يوري بونداريف ـ ت.عياد عيد

متعباً، جلست لأرتاح عند الغسق، فاستيقظت منتصف الليل بسبب من أسى غير محتمل، إلى حد لم أفهمه معه لماذا اسودت النوافذ غير المحجوبة بالستائر، ولماذا أضاء مصباح المنضدة بإهمال، عاكساً في الزجاج رفوف الكتب التي استلقيت على الصوفا تحتها، ولماذا صدح في وعيي لحن قديم سمعته في زمن ما، مؤدى بحدة مريرة: «أحدهم غائب، أحدهم يثير الشجن، والقلب يسعى إليه بعيداً...».‏

جلست على الصوفا ومسحت جبيني، والتقطت الكتاب الذي سقط على الأرض، وحين رحت أتذكر الكلمات بدا لي أن أحدهم فكر بي في تلك اللحظة بحب لا ينتهي وبقوة فرحة وعاجزة حتى أنني هببت واقفاً ورحت أمشي في الغرفة غير مدرك ما الذي يحدث لي، ومستعداً لأن أبكي وأن أطلب المغفرة. بدا وكأن تياراً دافئاً بلغني عبر فضاء الليل، متخطياً المدينة الشتائية، وفهمت فجاءة أنها هي، أمي العجوز المستلقية الآن هناك، في المستشفى الموحش، الوحيدة، الضعيفة، العاجزة أمام الألم، هي التي فكرت بي في غيبوبتها بحب لا حدود ولا يمكن له أن يوجد على الأرض إلا لدى الأم. لكن متى سمعت هذا اللحن البسيط الحزين وأين، ولماذا كانت كلماته مرتبطة بأمي؟‏

وصارت تتراءى لي شابة جميلة، صهباء الشعر وسط النور الصباحي الساخن في الغرفة ذات النافذة المشرعة نحو خضرة الكاراغاتش (1) الريانة المغمورة بالشمس والنامية فوق الساقية التي هبت منها في أيام القيظ طراوة عذبة، مشت أمي برشاقة على الأرض الطينية حافية، نحيلة، في بلوزة بيضاء، وقد راحت تدندن بخفوت وبصوت فني رائع: «أحدهم غائب، أحدهم يثير الشجن، والقلب يسعى إليه بعيداً...»، وكانت تتوقف عند النافذة، وتبتسم، وترفع وجهها نحو شمس آسيا الوسطى التي صارت حرارتها شديدة جداً، والتي تنفذ من خلال أغصان الكاراغاتش. رأيت عينيها الشفافتين من النور الغزير، وشفتيها اللتين بدتا وكأنهما تنطقان بصلاة عاشقة، وتتحدثان عن سر حزنها الفتي لهذا الصباح القائظ وللشمس وللساقية المخرخرة ببرود: «سوف أقول لكم سراً: من أحبه ليس موجوداً هنا...» أما أنا المغرم بأمي حتى دموع البهجة فلم أكن أفهم من هذا الذي لم يكن قربها، ومن هذا الذي يثير الشجن، ومن هذا الذي يسعى إليه القلب بعيداً: فأبي في ذلك الوقت نادراً ما كان يسافر. لقد أحب أمي أيضاً وهو الشاب القوي، وكان وفياً للمنزل، وانماز بطبعه المرح اللطيف.‏

كان أحياناً يحملها مثل طفلة على يديه، مقبلاً شعرها الفاتح، وكانت لسبب ما تضغط بوجنتها على صدره مستسلمة بأسى.‏

مرة، سمعت كيف راحت تبكي وراء الستارة وهي متكورة على الصوفا مثل الكعكة، فهرعت نحوها مذعوراً ورحت أصيح: «ماما، لا لزوم لهذا!» ورأيت والخوف يملؤني رموشها الرطبة الملتصقة، لكن أمي حاولت أن تبتسم لي من خلل دموعها، ثم احتضنتني وشرعت تمسد رأسي بأصابعها الخفيفة الرقيقة، وهي تهمس بأن شيئاً ما قد أحزنها، لكن كل شيء قد زال الآن وانقضى..‏

لكن لماذا كان الأسى يصيبها أحياناً؟ إلى أي قاصٍ سعيدة كانت تتجذب وإلى من؟ من كانت تتذكر في شبابها؟ لقد عاشت حياتها كلها مع أبي وفية، ولم أعرف سرها..‏

أما الآن فهي تسبح في غيبوبتها، على سرير المشفى، على حافة الهاوية واللامكان، فوق جرف الظلمة، حيث لا يوجد شيء، ويبدو أنها في لحظة صحوتها القصيرة كانت تتذكرني بذلك الحب العظيم الذي كان يهز أعماقي مثل القشعريرة ممزقاً روحي بذنب لا يطاق. وكنت أسير في المكتب مقطباً، وأئن من العجز، وأعض يدي كي أخمد بالألم ألماً آخر من غير أن أعرف بماذا أساعدها، وأخفف عذابها، وكنت أتمتم كالمجنون هذه الكلمات البسيطة:‏

ـ أحدهم غائب، أحدهم يثير الشجن...‏

أظنني لست الوحيد الذي قاسى لحظات لم يستطع فيها أن يجلب الخلاص حتى لنفسه.‏

Balistes Capriscus‏

تعيش في أفريقيا وأمريكا الجنوبية سمكة Balistes Capriscus‏

التي تبدو غريبة ـ إنها سمكة ذات وجه بشري، وقد رأيتها مرة في مسمكة كوبنهاغن. إنها تدير عينيها بتشاؤم، وتتنفس مثل إنسان مريض بالزكام، فاتحة فمها كبير الشفتين ـ ليست سمكة بل هي منظر جانبي بشري منفرٌ ومنفوخ بالزعانف، إنها رؤيا ما قاسية ومرعبة، إنها شخصية مخيفة خارجة من لوحات بوسخ وبرييغل.‏

هل رأى هذان الفنانان في وقت ما مثل هذه السمكة؟‏

لا، إنهما لم يكونا لا في أفريقيا ولا في أمريكا الجنوبية، بل عاشا في هولندا. مثل هذا الشكل، نصف الرأس البشري ونصف السمكة، أنشأته مخيلتهما ـ خيالهما المحموم ـ الموجهة ضد بشاعة الإنسان الجسدية والأخلاقية.‏

الواقع أسمى حتى من الخيال اللامحدود والعبقري ذاته؛ ثمة كل شيء في الحياة التي لا تقيسها مخيلة، لذلك فإن إبداع الإنسان لن يبلغ أبداً الجمال الكامل أو بشاعة الواقع متعدد الوجوه والجوانب.‏

الكذب ذو الوجه الإنساني‏

يرأس أناس غير أخلاقيين الصحف والمجلات، وهم يعلموننا الأخلاق بنفاقٍ ديمقراطي. ربما ليست المصيبة في خطر النفاق، بل في تلك الفوضى اللاأخلاقية، التي تمنح الآن القوة والنفوذ. ألم نقدم الكثير من التضحيات في الأعوام الأخيرة؟ فباسم أي شيء؟‏

يدفعون فننا إلى الانحطاط بتهور جنوني؛ تُسْتَأصل من الأدب والمسرح والسينما الحياة ذاته بكل ما فيها من تراجيدية هزلية، ويستبدل بها الرعب المثير للغثيان، والرذيلة، والميول المقززة. وتَسترسل في الوقت نفسه المطبوعات الديمقراطية الحرة في الانبهار بالبالوعات والغسالات، لاهثة خلل عدة سنوات بالنعوت الذهبية، لكن الملوثة بالكذب إلى حد اللامعقول، بحق الفن المعاصر: «الفنان اللامع»، «الفيلم الرائع»، «زعيم المسرح المعترف به»، «الكاتب العظيم»، «المعلم البارز».‏

يذكرنا مثل هذا المزاج في المديح بجهود البرابرة المتحضرين الخرافية، الذين أعلوا بحماسة والعرق يتصبب منهم النصب التذكارية البلاستيكية «للعباقرة» المختلقين والمتفق عليهم في الأطر الضيقة، الأحياء منهم والأموات ـ هذه هي تحديداً صروح الكذب ذات الوجه الإنساني التي تمثلها صحافتنا الصفراء.‏

(1) شجر من فصيلة الدردار والبق ينمو في أذربيجان وآسيا الوسطى (المترجم).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244