جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بِضْعُ حَاجَاتٍ صغيرةٍ ـــ مصطفى خضر

سأحتاجُ في عالمٍ تتراكمُ أشياؤهُ ومعانيهِ مُغْريةً‏

سلعاً وموادَ مهجَّنةً.. ثرّةً وغزيرهْ...‏

إلى بضْع حاجاتِ جسمٍ تداعى وروحٍ كسيرهْ..‏

سأحتاجُ قبل الفطورِ، وبعد الفطورْ‏

إلى زهرةٍ من شعاعِ تعطِّرُ داري الفقيرهْ...‏

إلى الخبزِ والملحِ والزيتِ...‏

والدّفءُ يسندُ بيتي،‏

لئلاّ يجوعْ!‏

إلى جرعةٍ من هواءٍ كبيرهْ...‏

إلى تربةٍ كلما استيقظتْ تتنامى حديقهْ!‏

وقبل العشاء، وبعد العشاءِ، سأحتاجُ أيضاً‏

إلى قبّةٍ خلّفَتْها الظّهيرهْ!‏

نجومٌ تشكِّلُهَا، بعد أنْ حلَّ وَجْدُ مَساءْ‏

يلازمِنُي، وأظلُّ رفيقَهْ!‏

وفيهِ شوارعُ تمتدُّ حتى سماءْ‏

تسرِّحُ أشجارَهَا، فتضوعْ...‏

وتَسْمو خَلِيقهْ!‏

سأحتاجُ أيضاً إلى جمرةٍ في يدي‏

فأُسْلمُ للأصدقاءْ‏

صدى من عذابِ جموعٍ وحزنِ جموعْ..‏

سأحتاج أيضاً إليَّ، إليكِ..‏

إلى وجهِ أنثاي، تُجْبَل في راحتيْهَا عطورْ‏

فتحفو على الراحلينَ أوالحاضرين أو الغائبينْ..‏

وتشرقُ في الكونِ قبل الرّجوعِ، وبعد الرّجوعْ!‏

ويحتاجُ حِبْري إلى سِحْرِ شِعْريّةٍ؛‏

كان منها فضاءٌ‏

يوجّههُ الشكُّ بعد يقينْ‏

يحاورُ كلَّ فضاءٍ، يغايرُ أيَّ فضاء،‏

يجاورُ كلَّ حضورْ!‏

***‏

سأحتاجُ دوماً إليكِ!‏

سأحتاجُ، كي أتأمّل معنايَ، بين يديكِ‏

إلى قطرةٍ من حياةٍ جديدهْ..‏

وإيّاكِ أشكرُ، أو أستعينْ‏

فما أكلَ الدَّهْرُ لحمْا،‏

ويرميهِ عَظْما،‏

تلاشى جموحاً وطيفاً وحُلْما..‏

وما زلتُ طفلاً مريضاً ومرتبكاً وخجولا‏

تعالجهُ أمّهُ بتعاويذَ أو ترّهاتْ..‏

وتبكي على سكنٍ ضاعَ، والفَقْرُ شاعَ،‏

على زمنٍ، كنتُ أمس شهيدهَ..‏

وما زلتُ، إذْ ضاقت الحيوات أعاني ذهولا‏

وأحتاجُ حقّاً إلى الأمِّ..‏

فاخترعيني.. أعيدي قميصي الفتيَّ إليَّ،‏

وكوني ليَ الأمَّ والأختَ والبنتَ..‏

كي أتصالحَ والعالمينْ!‏

وما زالَ في داخلي الفَرْدُ والضدُّ يجتمعانْ‏

وخارجَ أيّ مكانٍ، وداخلَ أيِّ مكانْ‏

يرافقني الهمُّ والغمُّ والسّقمْ...‏

واليأسُ ما زلتُ صيّادَهُ أو طريدَهْ!‏

فهل تنقذين من العُمْرِ ما خرّب النّثرُ..‏

نثرُ عبوديّةٍ واضطراب هَيُولى..‏

وهل تمنحينَ رمادَ السنينْ‏

ندى وصباحاً.. كوى وانفتاحاً... غوى وشمولا..‏

وهل تشرقينَ، فأرقبُ وجهكِ،‏

كي أطمئنَّ، وكي أستكينْ!‏

*‏

سأحتاجُ دوماً إليكِ كثيرا...‏

وأحتاجُ أيضاً إليكِ قليلاً..‏

فهل سأضمَّ ثُراكِ أخيرا؟‏

ويكتملُ البؤسُ.. والبؤسُ كانَ جميلا....‏

إذاً، سأرتّبُ شكلي!‏

ويقبلُ بي قاتلي، فأقبّلهُ،‏

ثم أرضى بقَتْلي!‏

وكيف سأهجرُ ظلّي‏

إذا لم تكوني كمثْلي‏

تريدينَ أن تُخْصِبي تربةً وحقولا!‏

ومن سيقولُ لروحي: كفاكِ نحولا!‏

***‏

سأحتاجُ دُوماً إلى الحبّ،‏

حتّى أكونَ نبيلاً... أصيلا...‏

وأحتاجُ دوماً إلى الشّعْرِ..‏

فاقتربي من سمائي.. أطلّي!‏

سأحتاجُ أيضاً إلى الوقتِ كيما أموتُ قتيلا..‏

وأُدْفَنُ، تحملُني السّاحراتُ، وتحبلُ بي امرأةٌ...‏

ثمّ أولَدْ.. أُبْعَثُ حيَّا...‏

وأبصرُ في لعبةِ الموتِ والخَلْق سْحراً حلالا‏

وأسطورةً وخيالاً ورؤيا...‏

*‏

سأحتاجُ، بَعْدُ، إلى الصّمتِ؛‏

كي لا أثرثرَ في أيِّ شيءٍ، وفي كلّ شيءٍ...‏

وكي لا أكونَ عجوزاً عجولاً!‏

... وآه عليّ... وآه عليك.... على كلّ شيءٍ..‏

إذا ضاقَ قبرٌ بنا، وافتقدْنَا فروعاً...‏

ولم نكتشفْ في ترابٍ يضمُّ الرفاتَ أصولا...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244