جريدة الاسبوع الادبي العدد 1092 تاريخ 23/2/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الإيقاع في لغتنا الشاعرة ـــ د.غازي طليمات

من أجمل ما يُجمِّل لغتنا الشاعرة بناؤها الجملَ على نحوٍ يُريح العقل، ويطرب السمع، ولو لم تكن موزونةً بأوزان الخليل، ومقفاةً بقوافي الأخفش. فهي تُؤْثِر الجملَ القصيرة على الطويلة، وهذا الإيثار يُعين اللسان على التوقيع، والعقلَ على الفهم، ويخلع على الجمل المتجاورة أنماطاً من التوازن والتجانس والازدواج، وهي حلية فنية، يندر أن تظفر بما يعادلها في كثير من اللغات. وإذا ظفرت لم تجد الأمثلة القليلة التي تظفر بها بعد التنقير كافيةً لإمتاعك.‏

وقد يتحوَّل التوازنُ إلى وزن، وينقلب النثر إلى شعر، فإذا أتت أمام قصيد غير مقصود. إنك تقرأ السورةَ أو الآية، وليس في ذهنك أو أذنك أَثَارةٌ من شعر أو عروض، ولا في نيتك أن تقع على إيقاع مما لحّن الخليل ووقّع، فتُفاجأُ بأنك تنشد بيتاً أو شطراً من شعر موزون، فتحار كيف تفسّر ما تقرأ وما تسمع؟‏

التفسيرُ عنديَ أن اللغة العربية الشاعرة تنطوي على مقاطع صوتية يسميها العروضيون أسباباً وأوتاداً، وأن لكل جملة، سواءٌ أوقعت في المنثور أم في المنظوم، إيقاعاً خفيّاً مرتبطاً على نحو من الأنحاء بهذه الأسباب والأوتاد. فمتى تراصفت الألفاظ وتناغمت انبثق من بينها إيقاع متَّسق الأصوات. فإذا كان رصفُها عفويّاً انطوى الكلام أحياناً على ما يُقارب الشعر، وانطوى بعضهُ على الشعر نفسه. وإذا كان موقّعاً توقيعاً مقصوداً كان شعراً خالصاً، ولهذا ليس من المستغرب أن تجد شاعراً يُجيد النظم، ويجهل علم العروض.‏

وإليك نموذجاتٍ من الآيات التي وافق إيقاعُها بحراً من بحور الخليل: في قوله تعالى: ?فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ? شطرٌ من الطويل. وفي قوله: ?صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً? شطرٌ من الكامل، وفي سورة الكوثر: ?إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ? شطرٌ من الخبب أو المتدارك. وفي قوله تعالى: ?فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ? شطرٌ من البسيط. ولو أُوتيتَ الصبر على التتبع لظفرت بآيات أو بأبعاض من آياتٍ موزونات بلا قصد تتجاوبُ فيها إيقاعات طروب خلوب.‏

وهنا تحسنُ الإشارة إلى أن ما ذكرناه لا يُعارض ما ورد في القرآن والحديث من مجانبة الكتاب والكلام النبوي للشعر. فشاعريةُ العربية العفوية شيءٌ، والشعر الموزون المقفى شيء آخر. إن شاعرية العربية العفوية المتجلية في الإيقاع طبعٌ من طباعها، أو بعض من طبيعتها، ينجم عن التآخي والتجاور، والتجاوب والتعاقب بين الأصوات المتكاملة، كما يتكاملُ المشهد من تجاور الأشجار وتتناغم الأصداءُ من تجاوب الأطيار بلا قصد. أما الوزن العروضي فتلحينٌ متعمّد، وفن مقصود وفق شروط وأصول مرعية.‏

ولو رجعت إلى كلام العرب لما عدمت نموذجات موقّعات على هذا النحو الذي ظفرت به في بيان القرآن. وحسبُك أن تستقرئ خُطَب الصحابة استقراءً صوتياً لا فكرياً، وأن تقرأها بلسان شاعر لا خطيب لنقف على نموذجات من فقرات موزونة تسلّلت إلى ألسن الخلفاء الراشدين، وليس فيهم شاعر أو راجز. ففي قول أبي بكر رضي الله عنه: «يا أيها الناس قفو أوصِكم» شطر من السريع. وفي خطبة للإمام علي كرم الله وجهه تجد شطراً من الرجز، وهو قوله: «معرفة والله جرت ندما». وفيها شطر من البسيط، وهو قوله: «هذا أخو غامد قد وردت خيله».‏

ولو مضيت تضرب النثر القديم بأساليبه الفصيحة الصحيحة على محك العروض لتصيّدت آلاف الأشطار في كلامهم المنثور، وقد خالطها الإيقاعُ الشعري مخالطة عفوية، وتعليل ذلك عندنا أن مفردات العربية المجرّدة والمزيدة بُنيت بناء موقّعاً وفق أوزان قياسية. فمتى تجاورت تجاوبت، ومتى تجاوبت أطربت لتنوع إيقاعها بتنوّع أوزانها. ولما كانت ألفاظ الجملة الواحدة ذواتِ نغمات متعدِّدة، فإن هذا التعدُّد إذا اتّسق على نسق خليليّ صنع أشطاراً موزونة تخالط الكلام المنثور. وهذا الصنيع لا ينجم إلا عن لغة شاعرة بالفطرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244