جريدة الاسبوع الادبي العدد 1094 تاريخ 8/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

آخر ضحايا اللوبي الصهيوني ـــ أ.د.حسين جمعة

هاهو ذا الحُلُم يتكسر أشلاء في عالم تسيطر عليه الأوهام الكاذبة، والانحرافات الزائفة، إذ لم يعد الزمان يجود ـ غالباً ـ إلا بالفجرة القتلة... فغراب الشؤم والبين، عشش في كل زاوية من زوايا العالم، أياً كان الزعم الذي يدّعيه أدعياء الإنسانية في شأن إشاعة الديمقراطية والحرية ولاسيما حرية التعبير... لذا انكفأت شمس الحرية على ظلمة قاتلة أطبقت على آفاق كثيرة، وقبضت على نفوس الخلق...‏

ولعل أفظع شر، وأعظم فِرْية تكبَّل بهما العقل الغربي ما يشاع حول خرافة (معاداة السامية).. فالحركة الصهيونية أحكمت زراعة عقدة الذنب في النفوس تجاه اليهود، وراحت تبتز البشرية عامة وأوروبا وأمريكا خاصة، وترهبها نفسياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً باسم معاداة السامية. إنه سلاح صهيوني جائر ومرعب يستعمل لإرهاب كل من يعيق الوصول إلى أهداف الكيان الصهيوني وبناء عليه فإن تهمة معاداة السامية جاهزة للسيطرة على الوسط العلمي والثقافي والسياسي والأدبي في كثير من بلدان العالم...‏

ومن ثم فكل من أنكر أو ينكر محرقة اليهود على أيدي النازيين في ألمانيا مُتَّهم بمعاداة السامية، وربما سفك دمه؛ ومن تعرض لجرائم الكيان الصهيوني في فلسطين ولبنان، وندد بمجازره الوحشية تعرض للمصير نفسه...‏

فمن منا ينسى محاكمة المفكر الفرنسي روجيه غارودي الذي أنكر المحرقة وفَنَّد الأساطير الصهيونية حولها...؟! بل من منا يتجاهل محاكمة المهندس الفرنسي (فينسن رينوار) المختص بالكيمياء، إذ حكم عام (2005م) بالسجن عشرين سنة، وفرضت عليه غرامة (عشرة آلاف يورو) وأُجبر على دفع تعويضات مقدارها (3300) يورو... أما الجناية التي اقترفها فهي تشكيكه بوجود المحرقة، حين رأى أن قتل بشر بالغاز "موضوع قديم للدعاية" ومن المستحيل أن يكون عدد المقتولين (ستة ملايين يهودي بين 1940 و 1945م)...‏

تلك هي قصة حرية التعبير في فرنسا، وتلك هي الجريمة التي ارتكبها المواطن الفرنسي رينوار!!. فتخيل يا رعاك الله.‏

أما الجريمة الجديدة فهي موجهة ضد العالم الأمريكي (أرون غاندي)، وهو حفيد الزعيم الهندي الديني (مهاتما غاندي)... فحفيد غاندي لم يشفع له أن شخصية محترمة، ومعروفة بتسامحها الديني باعتباره مؤسس (معهد اللاعنف) في جامعة (روتشيستر)... وقد رأسه منذ سنوات حتى أُكره على الاستقالة من رئاسته نتيجة ضغط مستمر طوال شهر كانون الثاني/ يناير (2008م). فالضغوط الكثيرة والشديدة مورست عليه من قبل رئيس الجامعة (جويل سيليجمان)، ومنظمة مكافحة التشهير، واللجنة الأمريكية اليهودية، ومنظمات اللوبي الصهيوني، ومنظمات هندوسية أخرى... ما جعله يقدم استقالته من منصبه ويتنحى بعيداً، لأنه اتهم بمعاداة السامية إثر ما كتبه في مدونة (أُون فيث) التابعة لصحيفة (واشنطن بوست)، ومما قاله فيها: إن اليهود "أكبر اللاعبين" في "عالم العنف"، وإن "الهوية اليهودية" انغلقت على الهولوكست.‏

هكذا جاء الحكم البشع على (أرون غاندي) ولم يشفع له اعتذاره العلني عن كل ما كتبه، فضلاً عن أن تلك المنظمات قد أساءت فهم تصريحاته وأقواله، على اعتبار أنه كان يتحدث عن سياسات الكيان الصهيوني العنصرية، وهي سياسة لا تعبر عن موقف اليهود وسياستهم في العالم...‏

وإذا كان موقف أرون غاندي يذكرنا بموقف جده عام (1946م)، إذ صَرَّح بأن "المستوطنين اليهود ارتكبوا خطأ فاضحاً في سعيهم أن يُفرضوا على الفلسطينيين بمساعدة الأمريكيين والبريطانيين"، فإن العنصرية الصهيونية قد وضعت سلاح (معاداة السامية) في خدمة إنشاء الدولة اليهودية... وقد كتب أحد المسؤولين الصهاينة في فلسطين المحتلة قائلاً: "إن نجاح الحركة الصهيونية مرتبط إلى حد كبير بمعاداة السامية في العالم؛ أي بمقدار ما تتقوى النزعة المعادية للسامية تتقوى الحركة الصهيونية، وتتضاعف الهجرة، وتزداد الآمال في إقامة الدولة اليهودية"(1)‏

وفي ضوء ذلك نرى مدى الظلم والقهر والقسوة في بلاد تزعم أنها حريصة على حرية التدين والتعبير والتفكير والتجمع والتظاهر و... فإذا كان موقف منظمات اللوبي اليهودي معروفاً بخدمة أفعال الكيان الصهيوني فإن أعظم ما يستهجنه المرء هو مواقف المنظمات الأمريكية الأخرى التي أغلقت عيونها وأصمت آذانها كيلا تعرف شيئاً عن جرائم الصهاينة في فلسطين وفي غيرها...‏

وإذا كان كل واحد منا يحمل قلبه على راحة التفاؤل والأمل بوجود عالم حر وعادل وديمقراطي فإن هذا القلب يعتصر جراحاته الكثيرة التي دمّت جسد الحرية والديمقراطية في فرنسا وفي الولايات المتحدة حين صادر كل منهماحرية التعبير والكلام، علاوة على أن زعماء كل منهما يدافعون عن التوحش الصهيوني...‏

أما العرب فلا يزالون جاهلين بآخر ضحايا اللوبي الصهيوني، وكأنهم لم يسمعوا ما الذي تقوم به منظمات اللوبي اليهودي، والمنظمات الأمريكية الداعمة لها، إذا تجاهلنا دعم الأفراد المتميزين الذين انخرطوا في الدفاع عن الكيان الصهيوني، وجعلوا معاداة السامية أداة قهر بأيديهم لإذلال الشعوب والأفراد..؟؟ فالرئيس بوش الابن ـ مثلاً ـ يتصرف وفق التوجهات التي تراقب كل دولة تعادي السامية؛ وهاهو ذا الرئيس الفرنسي (ساركوزي) ينضم إليه فيعلن بكل فظاظة تبنيّه لأجندة الكيان الصّهيوني، متناسياً أن مشاعر الكراهية للصهيونية تزداد في أوساط الأوروبيين والأمريكيين خاصة والشعوب عامة... وهذا ما أوضحه تقرير لوزارة خارجية الكيان الصهيوني نتيجة السياسة الوحشية التي يمارسها تجاه أبناء فلسطين، إذ ارتكب ـ ولا يزال ـ بحقهم أبشع أنواع المجازر.‏

فهو كيان إجرامي دموي مُدمر للحياة قديماً وحديثاً، وآثاره الإجرامية تدل عليه، وهي تظهر في كل مكان من ديار العرب كما في القنيطرة وبحر البقر، ولبنان وفلسطين... وعلى الرغم من ذلك ليس هناك من يوجه إليه أصابع الاتهام!!‏

أخيراً نقول: لعل ما يثير الدهشة والاستغراب أن كثيراً من العرب ـ ولا سيما الحكام ـ يعيشون بين مفتون بمدنية الغرب، وبين متردد في اتخاذ المواقف الواضحة أو منشغل بخارطة الطريق الجديدة التي وضعها بوش لحصار غزة؛ واجتثاث المقاومة الوطنية الباسلة فيها وفي فلسطين كلها، بل إن هناك أنظمة عربية نفضت يديها من المقاومة؛ وشغلت نفسها باتهام سورية، وبأنها وراء إخفاق المبادرة العربية في انتخاب الرئيس اللبناني العتيد... وقد نسي قادتها تصريحات (ساترفيلد) التي قتل فيها تلك المبادرة، بمثل ما جهلوا شناعة فعل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية إذ كان (أرون غاندي) آخر ضحاياه. ولهذا يتساءل كل حر: كيف يستقيم لنا أن نعيب زماننا؟! حقاً لقد صدق فينا قول الشاعر:‏

نعيب زماننا والعيب فينا‏

وما لزماننا عيب سوانا‏

1 (انظر جريدة البعث ص 5 ـ عدد (3303) تاريخ (16/ 12/ 2007م).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244