جريدة الاسبوع الادبي العدد 1094 تاريخ 8/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ثورة آذار واستحقاقات الزمن العربي الراهن ـــ د.فايز عز الدين

ثورة الثامن من آذار عام 1963 تمثل المدخل الهام في التاريخ العربي الحديث بعد حدثين هامين:‏

الأول: الاستقلالات العربية بعد سقوط نظام المستعمرات العالمي على أعقاب الحرب العالمية الثانية التي توقفت رحاها عام 1945.‏

والثاني: أول تجربة وحدوية للعرب في العصر الحديث في سورية، ومصر عام 1958، وفشل هذه الوحدة نتيجة لضغوط العوامل الخارجية، والداخلية المعادية لها.‏

وعليه فالحديث عن الثورة لم يعد مسألة تذاكر في حقبة من النضال العربي القومي التحرري وحسب، بل يضاف إلى ذلك الحماس الذي لم يفتر عند جماهير الأمة العربية في موضوع مشروعها القومي الوحدوي، التحرري المفضي إلى الدولة الأمة أسوة بكافة أمم الأرض على الخارطة العالمية المعاصرة.‏

والحال كذلك، فإن ذكرى الثورة الخامسة والأربعين توافي والظروف المحلية، والإقليمية، والدولية لا تؤاتي كما تتطلع جماهيرنا، وتحلم. فالعوامل الخارجية تغايرت صورتها على أخطر بكثير مما كانت عليه، ولا سيما بعد زوال القطبية الثنائية، وخلل التوازن الدولي، وتحكم قطب واحد بمصير القرار العالمي بعد أن تم إضعاف مقصود لمؤسسات الشرعية الدولية.‏

وعلى الصعيد العربي لم يتمكن العرب من التعامل مع خطورة الموقف الدولي باللجوء إلى المزيد من التقارب العربي، والتفاهم، والعمل المشترك بل صار كل قطر ينظر إلى الحالة العالمية بمنظوراته الخصوصية، وكأنه ليس شريكاً لأخوته في العروبة بالوجود، والمصير، وخطورة الاستهداف للجميع من قبل أمريكا، والصهيونية، وكيانها العنصري "إسرائيل".‏

وعلى ذلك بقيت سورية تتمسك بثوابت الثورة، وتعد نفسها دوماً لوقف حالة التدهور العربي، وتحصن شعبها من سياسات الاختراق للعقل، والسيادة، والجغرافية، والخصوصية. والآن في ظل المتغيرات السريعة اليومية التي تطبع أسلوب الحياة العالمية تعطينا ثورة آذار مؤشراتها لكي نتيقن من أن ثمّةَ ما يحرك الوجدان القومي حين يباشر العارف بتحولات الراهن، وآفاقيات المستقبل تعاطياً مع ما حدث، ويحدث في العلاقات البينّية لدى الأشقاء العرب أبناء الجغرافية الواحدة، والتاريخ الواحد لا سيما حين يتدخل في أيِّ تعاطٍ، أو أيّةِ مقاربةٍ تحليليةِ المنهج النمط الدولي الراهن من مثل تسييد روحية القطب الوحيد المهيمن، أو علاقات تحالف الأقوياء، وفرض مصالحهم على الآخر الذي ليس له من حصانة سوى ما يستطيعه بقواه الذاتية في عالم غطرسة القوة الغاشمة، أو القوى المتحالفة في الواقع الدولي المتّسم بخلل التوازن، وافتقاد قوة الشرعية الدولية بعد أن تم إضعافٌ مقصود لمؤسستي الشرعية الدولية المعروفتين.‏

وبما هو الحال عليه تُستولد في العقل السياسي متلازمات تأخذ مشروعيتها من خطورة المشاريع التي يتقرر فيها إعادة توضيب العالم جيوبوليتكياً على نحو تتحقق معه المطامح الإمبراطورية لأصحاب القوة على حساب المطامح الإنسانية لأصحاب الحياة التي تُبنى على قيم الكرامة الوطنية، والاستقلال والحرية. وعبر معادلة تنافر الأقصيين هذه تصبح السياسة بوصفها فن الممكن التاريخي أمام شبكة من المحتملات المعقدة.‏

ولا مندحة في هذه الصورة من أن يكون العقل سيد الموقف، وأن تكون الحكمة هي المفتاح الوحيد للذين مهما افترقوا في الرأي تحكمهم مآلات المصير الواحد، وكل خطأ في هذا التقدير الاستراتيجي سيترتب عليه كوارث مشتركة، وتسونامي لا يفرق بين أحد.‏

إذاً؛ سياسة العقل وحدها التي تحقق جدلية التفكير، والتدبير، وهذه السياسة المستندة في كافة مكوناتها إلى العمق الوجودي في المكان، والزمان تبني بمقدار ما يُبنى عليها، وتعوّل بمقدار ما يُعوّل عليها. وبالنتيجة وحدها القادرة على رفع مظلة الأمة بعوامل وجودها المشترك، ومصيرها المشترك، وتحركها المشترك فوق كافة المتناقضات، أو التعارضات، أو أشكال الخصومات الآنية حول المنهج، والمخرج حين يكون الجميع بالأساس في مركب واحد.‏

وحالما نسوق مثل هذه المقدمات المحسوبة على منطق الضرورة التاريخية الحاكمة في الحياة العربية، وفي أطياف العمل العربي المشترك، نأخذ بعين الاعتبار أن المقصود ليس استنكار التنوع وليس استبعاد الرأي الآخر، وليس التعدي على حقوقية التفكير الفردي أبداً إن هذا لا يدخل في عناصر التفكير الموضوعي، المبدئي، العقلاني الذي ننتمي إليه، ونمارس فيه جدلية القول، والعمل، بل ما نؤمن به، ونتوخى الطريق الأسلم في التوجه إليه هو الفكرة الجامعة التي تجسّد المشترك الوجودي بيننا، والحركة المانعة لأي مظهر من مظاهر اختراق المناعة القومية في الجسد البيولوجي للأمة، وفي الأطر الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والاقتصادية القائمة، من منظور أن القادم الآتي إلى الواقع، والوقائع العربية من مشرق الأمة، إلى مغربها يحمل مشروعاً تفكيكياً تصبح معه سايكس بيكو التي مازلنا نرفضها نعمةً في الذي من المزمع أن نصل إليه.‏

وهذا يعني أن الأمة مهددة في أشكال وجودها الجغرافي، والتاريخي، فهلاّ تداعت إلى توحيد جهودها قبالة هذا التحديّ؟!!‏

في العقل التاريخي يُستلهم التاريخ بإعادة قراءة توفر الكثير من الوقت، والمعاناة، ويأخذ المحلل رؤى التفسير من سيرورة الحدث المعالج، ومن صيرورته، وبما نحن فيه، أو بما من المتوقع أن نصل إليه أفراداً في الأمة، أو أمة بمجموع أفرادها يشير إلى احتمالات المزيد من مظاهر التدخل في شؤوننا الداخلية، وفي أسلوب وجودنا، ومصائرنا، ومهما بلغت بيننا فوارق التعليل والتدبير لن تكون المحصلة إلا ضرراً سيلحق بالكل، ولات زمنَ منجاةِ لأحدٍ إذا لم نكتشف المخرج الواحد.‏

وفي أية قراءة في السيرورة العربية تقفز إلى الذهن القضية الجيواستراتيجية لدولة العدوان «إسرائيل» بما تعنى به من مجال حيوي لها يحظر القوة بمشتملاتها عند أيّ من الدول العربية القريبة أو البعيدة فالأمن الإسرائيلي مقدّم على أي حلم عربي مهما بلغت إنسانيته، ومشروعيته.‏

ففي ظروف الكفاح الواحد في الأمة يصبح التحالف الاستراتيجي بين كافة الفرقاء المعنيين مثلاً يحتذى في الأخوة العربية، ونموذجاً يقدم أمام من اعترته بعض صور اليأس من الموقف العربي الواحد.‏

نعم لا بد أن نتوقع عدم ترك المركب العربي يسير إلى شاطئ الاستقرار، والأمن، والحرية، لا سيما أن المنطقة العربية قد تقرر لها منذ أعقاب المتغيرات الدولية في العقد الأخير من القرن الماضي أن تدرج على خارطة الشرق الأوسط الجديد، لكي توزع مربعاتها من جديد وفق مقتضيات المشروع الصهيوني في التمكين لإسرائيل بأن تكون المركز الإقليمي الأكبر، والأقوى، ولا حياة لمن سيصبحون في الكانتونات الدينية، أو الإثنية، أو القبلية إلا بالاتكاء على هذا المركز، والاعتماد عليه في توفير أسباب الوجود، والمستقبل.‏

وبعيد احتلال العراق دخل أجواء المنطقة العربية مشروع داعم للمشروع الصهيوني وهو الشرق الأوسط الكبير وشمال افريقيا. ومن الواضح أن المشروعين اللذين يحملان الصفة التفكيكية لم يطرحا على قاعدة المقاربة التكتيكية، وبمقاصد آنية بل طرحا على أساس التحضير للمستقبل الجيوبوليتكي للقطب الوحيد المهيمن، ولدولته التي تحظى منه بالرعاية الكاملة "إسرائيل".‏

وحين يستعرض الباحث المحلل هذا المآل الاستراتيجي للقوى المتحالفة ضد أشكال الوجود العربي الراهن، وصور مستقبله المنظورة تأخذه متلازمات الرؤى البعيدة ـ التي تستدرك ما وراء الظاهر من أي حدث ـ نحو نموذج آخر من التفكير والتعبير أي تصبح المفارقات المتأتية عن اختلاف الموقع في تعليل الوجود بما هو موجود فيه معنية في أن تأخذ بنظر الاعتبار المسائل الأكبر، والاحتمالات الأهم حتى لا يدخل الجميع حلقة الثانوي على حساب الرئيسي، والآني على حساب المستقبلي، والتكتيكي على حساب الاستراتيجي.‏

يضاف إليه أمر في التفكير يعتبر مدخلاً خطراً، وهو ما يمكن أن نطلق عليه كمفهوم بالتحدد، أي إن ما حددناه ولو في لحظة لم نستشرف فيها آفاقيات كاملة هو الممكن، والمقبول، والمخلص، فإحراج الذات، والآخر بالمدخل الواحد، والمخرج الواحد، والأسلوب الواحد دون أي اعتبار للمتحولات اليومية في عالم سمته التسارع في إنتاج الجديد، والمتجدد قد لا يصل بالقضية، ولا بأصحابها إلى التحقيق المتوافق مع المصالح اليومية، والوجودية العليا للجميع في الأمة الواحدة. وهنا تفرض نفسها ـ على المنطقي ـ مراعاة أكثر موضوعية تلك التي تشير إلى أنه مهما بلغت بيننا فجوة الرؤى لكننا في البرهة الحاسمة لا يمكن أن نتجاهل مصيرنا المشترك، فالمدمرة «كول» لم تأت في سياحة بحرية في المتوسط لكنها صاحبة رسالة لمن يقاوم في لبنان وفلسطين والعراق، ولمن يدعمهم في سورية ومن معها من العرب والمسلمين المقاومين، والآن تصبح أهمية اللقاءات العربية على القمة وغيرها واجبة ويصبح التضامن العربي أكثر أهمية من أي وقت مضى، وهذا ما يدعونا إليه ضميرنا القومي الذي حين يستيقظ تزول الحدود النفسية والطبيعية التي يفرضها الاستعمار علينا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244