|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لبنى تفترش الغمام ـــ عوض سعود عوض قالت له: أنت وطني، ولا شيء يعلو على حبِّ الوطن. ـ 1 ـ في صباح سواده ظاهر للعيان، تبادلت الغيوم مع الشمس لعبة الاختفاء والظهور، مرة ترتدي السماء ثوباً أسود، ومرات تمزقه، هذه سماء غزة، أما أرضها فتنتحب مرتين، من شح مطر كانون الثاني الذي يقال عنه إنه فحل الشتاء، وتطويقها من جهاتها كافة، لا خروج ولا دخول. سافر الصمت مع الغبار، مع الشمس العابسة المغطاة برماد حجب الرؤية. تمرح السحب، لا تستمع لعطش الأرض، لرجائها، هاربة إلى حتفها بعيداً عن قطاع غزة. لا شيء يرمم الحزن والكوارث التي حلت به. أرادوا اختصاره بالحصار، بالتجويع والخبز، إلا أن الصمود يردم المشاريع، فتقع الكلمات والتصريحات على الدروب تدوسها الأرجل. الوجوه عفرها الزمن. حلم الخروج إلى الشوارع وشراء ما هو ضروري بات مستحيلاً. بدت غزة مدينة بلل دمعها الأرصفة. صراخ الأطفال والبحث عن حليب ودواء لهم يطفو على التاريخ والحسِّ الإنساني. كان من بين الصارخين الطفلة لبنى. ـ 2 ـ لبنى ماذا أصابك يابنتي؟ لا أحد يكفكف دموعي. كنت كأي زوجة ترعى زوجها وصغارها. احتضنت الفرح، وحملت النجوم بكفيَّ، نحلة دخلت أزاهير القلوب وأورادها. الحبّ يبرعم، يثمر ثلاثة أبناء. مساء أنتظر زوجي، يتأخر أحياناً حتى الفجر. المهم أن يأتي. ما أصعب أن يأتي كما جاء آخر مرة. أدار الزمن ظهره، لا رغبة لدي سوى تربية أطفالي، الحياة تدعوني أن أكون قوية، أن يظلَّ بيتي مفتوحاً يُخرج الرجال. لن أترك قراري للمصادفة، اليوم نتبادل الأدوار، عزيمتي تتقافز أمامي أشبه بكرة مطاطية. الخوف هرب، ابتعد، لن أندم على شيء، حتى أطفالي سيجدون من يهتم بهم، صحيح لا حنان يعادل حناني، لكن إذا كان الله قد كتب عليَّ ذلك، فهل من راد؟! دمعتي لم تنشفها الأيام بعد. المتوسط يستجرها، العالم يصير أضيق من خرم إبرة. أين لحظة الفرح لنحتفل بها، تهرب وإن جاءت تكون قد أضلت طريقها، أو ربما جاءت تستمد من أحزاني الصبر. طفلة مثل لبنى، بدل أن تلهو وتلعب؛ تشكو من آلام الكلية. سنوات وهي تعاني، وأنا أكبس الملح على جرحي، وأملأ الجرة بالدموع، لماذا هي بحاجة إلى غسيل لكليتها؟ أحست منذ صغرها بأوجاع، ظننت أنها آلام الزائدة، إلا أن ما اتضح بعد الفحص السريري والتحليل والصور الشعاعية أن كليتها اليمنى لا تعمل بشكل طبيعي. وددت أن أتبرع بكليتي، إلا أنهم قالوا إن الأنسجة غير متطابقة. كم دعوت لها بالصحة والعافية! إلا أن كلّ الدعوات ذهبت هباء. صرت أصطحبها إلى مشفى الشفاء. أنتظر ساعة أو ساعتين، دموعي تغسل ثيابي. مرت أيام على موعد الغسل، المشفى لم يعد مجهزاً لإجراء العمليات. أذهب يومياً على أمل أن تحنَّ إسرائيل وتسمح للكهرباء أو الوقود بالوصول إلى المشفى. لبنى تذوي، ازدادت آلامها. لم تعد قادرة على المشي، تصرخ، تستصرخ الضمائر، ألطم خديّ، صدري. أخواها الصغيران يلوذان بالبكاء. ـ 3 ـ الحصار عمق الانتماء للأرض والصمود، صمود من لا يملكون الخبز والحليب ولا أي شيء. المدفعية تقصف والبساتين تمتص غبار الدبابات. تأتي الجرافات لتلوي أعناق الأشجار وعنق الطبيعة، بينما الطائرات المروحية وغير المروحية على اتصال بالأقمار الصناعية، ترصد وتقتل دون حساب أو رقيب. صحيح لا يوجد قرار بمنع التجول، ولا بإغلاق المحلات والأفران والمدارس، إلا أن الواقع فرض ذلك، لا أحد يخرج، الحذر واجب مع أنه يدمر الأعصاب، ما العمل ومجلس الأمن في جيب إسرائيل، والأخوة العرب الله يقف معهم ويساعدهم على بلاياهم، وأزماتهم وكراسيهم. ـ 4 ـ لم تكن أم لبنى امرأة عادية، بل نجمة حيِّها، عندما استشهد زوجها ألهمها الله الصبر، زغردت وطلبت إلى نساء الحي الكفّ عن البكاء. من يعيل أطفالها؟ عملت آذنة في مدرسة إبراهيم طوقان. إلا أن مرض لبنى هدها. بدا هذا جلياً على وجهها، وعلى تصرفاتها، وعلى شكواها، وشتائمها ودعواتها... النسوة يسمعن كلامها، والرجال يقفون مبهورين بحسن تصرفها ونباهتها. خرجت باتجاه معبر رفح، توافد الناس معها ووراءها، وصل الجميع إلى الحائط وبوابته المغلقة. قالت: جدار برلين سقط. بدأ الرجال والنسوة بدفع الجدار: يا ألله... المعبر يتنفس آهات وأوجاع القادمين، وظلمة أيامهم، ينحني للأصوات، للنداءات، يتأرجح مع التكبيرات، يتسرب فرحاً بانكساره. ذهبت أم لبنى إلى أقرب كازية وملأت وعاءها بالوقود، هرولت إلى مشفى الشفاء. قالوا لها: نحن على استعداد لغسيل كلية ابنتك، أحضريها حالاً. ـ 5 ـ أين أنت يا زوجي لتنظر ما فعلت. لبنى يجب أن تعيش. راهنوا على هزيمتي. الأحداث أيقظتني من سباتي المفتعل. روحك تتسلل تأتيني مع النجوم على شكل غيمة. هل هناك من يبيعني مطرك؟ لا شيء سوى دموعي المتهاطلة من سماء عينيَّ، دموعي التي اشتريتها كرمال عينيك! آه يا زوجي ذكرياتك ماثلة، ذكريات جميلة هي كلُّ حياتي. أعيش التناقض، ألست امرأة فلسطينية! ألست بلا زوج، بلا أنوثة، بلا شيء! لم تعد المسميات تعني لي الكثير. نسيت جسدي، نسيت كلَّ شيء إلاك، لا أنام، أبعد النعاس عن عينيَّ، أستحضرك في الأوقات كلها. أنت في كلِّ مكان، سكنت الهواء والماء. هربت من ذاتك لذاتي، سرجت نجومك قناديل. توصيني بالأولاد، لا تخف إنهم العين والقلب، هم كلُّ شيء في حياتي. هم صورتك هم امتدادك، منحت سواد عينيَّ للنهار، منحته للنجوم. لا شيء يضيء دربي إلا ذكراك العطرة، أنا أعيش على هامش حياتي الماضية. ـ 6 ـ أغذ السير إلى بيتي. جمهرة من الناس داخلة وخارجة. طفلاي يبكيان، ماذا حدث؟ لا تقولوا ماتت لبنى؟! لبنى مستغرقة في نومها، مسدت شعرها، على قيثارته صدحت بلحن حزين، الحزن يتكوم في الدروب المحاصرة، انسابت دموعي نهراً تمرد على ضفتيه. بكت شفتاي، حنجرتي، قلبي، وضلوعي، أي مكان أقدر على تصوير مأساتي، النسوة تبكي، تتهدج الأصوات كما يحدث لدى موت حبيب. في لحظة شجاعة نادرة وقفت، تذكرت استشهاد زوجي ووفاة لبنى، تذكرت أن لديَّ طفلين، حمدت الله. الحزن يفتت قلبي، يستقر في عينيَّ، أجلت بصري، رأيت جيراني، وأصدقائي، وأناس أراهم للمرة الأولى. طلتهم منحت عينيَّ لمعاناً وإشراقاً، بدت عزيمتي قوية، رفعت صوتي وقلت: الأرض اشتاقت للمطر، قايضت رحيل الغيم بلبنى. أشحت وجهي عن النسوة، سكبت دموعي في كؤوس الشاي وفناجين القهوة، فصرت مع الوجبات، أشرب دموعي وأصمت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |