جريدة الاسبوع الادبي العدد 1094 تاريخ 8/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تمثال وكتاب... من بلاد الرافدين ـــ حصة المنيف

هذا التمثال الذي نراه على هذه الصفحة والذي يجمع بين شكل أسد وبين ملامح بشرية بيع مؤخراً في مزاد علني في نيويورك وحمل أمر بيعه أموراً عديدة كانت مفاجئة لمن شهدوا هذا المزاد أو قرؤوا أخباره.‏

قد يبدو لنا التمثال ضخماً طولاً وعرضاً، ولكن الواقع أن طوله لا يتجاوز ثلاث بوصات وربع البوصة (ثمانية سنتمترات). فما هي أهميته بحيث تناقلت أنباء بيعه صفحات الانترنيت والموسوعات العالمية؟‏

يحمل التمثال اسم «لبؤة جونيل»، نحت من الحجر الكلسي الأبيض قبل خمسة آلاف عام. فأين يمكن أن يكون ذلك قد حدث في ذلك الزمن السحيق إلا في مقر أرض الكنانة، أو العراق بلاد الرافدين؟ الواقع أنه أحد النفائس التي عثر عليها في آثار مدينة «أور» السومرية، التي تعتبر أول مدينة ظهرت على وجه الأرض.‏

هذا التمثال الذي لا يتجاوز طوله طول إصبع الإبهام بحيث يمكنك أن تضعه في جيبك وتمضي به، وصف بأنه أعظم وأهم الأعمال الأثرية الفنية على مرّ التاريخ، فقد تم نحته بين عامي ثلاثة آلاف وألفين وثمانمائة قبل الميلاد، في الفترة ذاتها التي اخترعت فيها العجلة في بلاد الرافدين، وطورت فيه أول طريقة للكتابة في تاريخ الإنسانية وهي الكتابة المسمارية وأنشئت أول مدن تعلو وجه البسيطة. فما هو الثمن الذي بيع به هذا التمثال ومثّل تلك المفاجأة المذهلة؟‏

صدق أو لا تصدق، لقد بيع بسبعة وخمسين مليوناً ومائتي ألف دولار عداً ونقداً، أجل: سبعة وخمسون مليون دولار «وفكة» هي مائتا ألف دولار. حدث ذلك على الرغم من أن الخبراء كانوا قد قدروا سعره قبل يوم واحد من المزاد بما يتراوح بين أربعة عشر مليوناً وثمانية عشر مليوناً من الدولارات. ولكنه بيع في الواقع بما يزيد عن ثلاثة أضعاف هذا المبلغ. وقد سجل بذلك رقماً قياسياً في أرقام مبيعات المنحوتات، بل إن هذا الرقم كان يزيد على ضعفي الرقم القياسي الذي كان قد حققه مبيع تمثال إلهة القمر اليونانية والمسمى «آرتيميس والغزال» والذي بيع قبل ذلك بستة أشهر في المزاد نفسه بمبلغ ثمانية وعشرين مليون دولار.‏

«لبؤة جونيل» هذا كان من ضمن مقتنيات متحف «بركلين» للفن في نيويورك إلى أن بيع في هذا المزاد. وهو يجمع كما قلنا بين ملامح الحيوان والإنسان شأن الكثير من تماثيل آلهة بلاد ما بين النهرين، فقد كان سكان هذه البلاد يعتقدون بأنهم بجمعهم بين ملامح الحيوانات القوية وملامح البشر في تماثيل آلهتهم إنما يمنحونها قوة هائلة تمكنها من التغلب على العالم المادي.‏

يبقى أن نقول: إن منقب آثار بريطاني كان قد عثر على هذا التمثال في عام 1948 إلى جانب عدد من القطع الأثرية في آثار مدينة أَور الواقعة إلى أقصى جنوب العراق، إلى الشمال الغربي من مدينة البصرة. أما من ابتاعه من متحف نيويورك هذه المرة فهو جامع قطع فنية أثرية، بريطاني هو الآخر، كنا نتمنى لو أن أحد أثريائنا العرب هو الذي اشترى هذا التمثال النادر وأعاده إلى أهله، إلى منطقتنا!‏

تمثال هذه اللبوة إذاً لم يكن من بين عشرات الآلاف من القطع التي نهبت فور وصول الجحافل الأميركية إلى بغداد لدى غزو العراق في نيسان عام 2003، بل على يد البريطانيين الذين سبقوهم إلى غزو بلاد الرافدين في بدايات القرن العشرين. أما من سبق هؤلاء وأولئك فهم أولئك الغربيون الذين جاؤونا بمسميات مختلفة، من مستشرقين وعلماء آثار ومغرمين بالسياحة والتجوال في البيداء العربية بطولها وعرضها، هؤلاء هم الذين جمعوا المعلومات وأقاموا العلاقات في أرضنا العربية تمهيداً لزحف الجيوش واحتلال هذه الأرض وتقسيمها إلى دول.‏

الكتاب الذي سنستعرضه هنا هو عن أحد هؤلاء، وهو في هذه المرة امرأة لعبت دوراً سياسياً في احتلال أرض العراق من قبل البريطانيين.‏

كتب عديدة كانت قد صدرت عن هذه المرأة والدور الذي لعبته في التمهيد لغزو العراق عام 1917، ثم في تثبيت دعائم الانتداب البريطاني عليه. أما كتابنا الذي سنستعرضه فقد صدر مؤخراً في بريطانيا للصحفية البريطانية «جورجينا هاويل» ويحمل عنوان: «جيرترود بيل ـ ملكة الصحراء» جيرترود بيل هذه عرفت باسم مختصر يعبّر عن مدى شهرتها وهو: «مس بيل».‏

في مراجعة للكتاب يقول «روبرت وورث» المحرر في صحيفة التايمز اللندنية، والذي دأب على تزويد صحيفته بمقالات عن العراق منذ غزوة في عام (2003)، يقول: إن جيرترود بيل هي من ذلك النوع من الإداريين المستعمرين الذين يفتقدهم مستعمرو العراق الجدد، أي الأميركيين، فقد كانت تجيد العربية والفارسية، وكانت قد قضت عقداً من الزمن وهي تذرع الصحراء العربية وتعد الخرائط وتتصل بزعماء العشائر العربية والملوك في المنطقة قبل بداية الحرب العالمية الأولى، وبذلك أصبحت تعرف بلاد الرافدين معرفة وثيقة بحيث يقول وورث إن أحد أبرز شيوخ العشائر العراقية، حين سئل عن الحدود الجغرافية لعشيرته قال: «اسألوا مس بيل»!...‏

ما إن بدأت الحرب العالمية الأولى حتى انضمت مس بيل هذه رسمياً إلى صفوف الإدارة البريطانية التي أرادت استخدام خبرتها في المنطقة للعمل على تأليب العرب ضد الدولة العثمانية. وبعد أن عملت فترة من الوقت إلى جانب لورنس، (والذي لم يكن يشارك الآخرين رأيهم باعتباره أسطورة مما نفخه بالغرور)، انتقلت للعمل في العراق. ولقد لعبت دوراً رئيساً في رسم حدود العراق باعتباره سيخضع للانتداب البريطاني بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو بين بريطانيا وفرنسا. كما لعبت دوراً رئيساً في مناوأة الزعماء الوطنيين العراقيين وشيوخ العشائر ممن تصدوا للغزو البريطاني.‏

يبدي وورث استغرابه لأن الكتاب لم يتحدث عن العراق إلا في ثلثه الأخير على الرغم من أن هذا البلد لعب الدور الرئيسي في حياة «جيرترود بيل» وعلى الرغم من أن أنباء العراق تحتل العناوين الرئيسية في أجهزة الإعلام في العالم، غربه وشرقه في الوقت الحاضر. غير أن الكتاب يكشف عن غرابة حياة وشخصية هذه المرأة. فقد ولدت لعائلة من أكثر العائلات البريطانية ثراءً إذ كانت تصنف كسادسة أسرة في درجة الثراء في بريطانيا. غير أنها انتهجت منذ البداية حياة تتسم بالاستقلالية. فقد تمردت على مظاهر الحياة المصطنعة لطبقتها.‏

وينقل الكتاب عنها قولها في رسالة لها من لندن: «لقد سئمت حفلات العشاء تلك التي يردد فيها الجميع تعبير أعتقد»، وكانت تريد أن تتعرف على الأمور بنفسها. وقد انتسبت لجامعة أكسفورد حيث كانت أول امرأة تنال الدرجة الأولى في التاريخ المعاصر. ومن ثم أصبحت أول امرأة تسافر وحدها في البادية السورية، وأول امرأة تتولى منصب ضابطة في الاستخبارات العسكرية البريطانية.‏

غير أن الكتاب يكشف عن تناقضات غريبة في شخصية هذه المرأة الحديدية وفي تفكيرها. فقد وقفت ضد منح النساء حق الاقتراع في بريطانيا، بل وكانت تتبنّى النظرة السائدة في العهد الفيكتوري هناك والتي تنحو إلى الاعتقاد بأن النساء غير مؤهلات لاتخاذ قرارات تتصل بشؤون الدولة.‏

تشير هاويل في كتابها إلى صراع دائم ظل يحتدم في دخيلة هذه المرأة، فتصفها بأنها كانت جميلة بشعرها الأحمر وملامحها المتناسقة وعينيها الخضراوين النفاذتين. ولكنها لم تتزوج على الإطلاق ويقال إنها خضعت لتجربتي حب فاشلتين.. وعلى الرغم من آرائها سالفة الذكر حول عدم قدرة النساء على اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون الدولة فقد كانت تصر هي نفسها على لعب الأدوار التي يلعبها الرجال فقط. وينقل الكتاب عن أحد نظرائها في الإدارة الاستعمارية البريطانية. أنه كتب «إنها امرأة ذكية تملك ذهنية رجل». غير أن آخرين من نظرائها كانوا أقل تقديراً لها. وهي من ناحيتها لم تكن تخفي اشمئزازها من معظم النساء الأخريات اللاتي كانت تعتبرهن تافهات وسطحيات. وكنّ هن من ناحيتهن يقابلنها بالاحتقار بحكم نظرتها الفوقية لهن.‏

لم تقصر نظرة جيرترود بيل الاستعلائية على قريناتها من النساء بل ربما انصبت بشكل أساسي على أبناء العراق والعرب المسلمين عامة؟ إذ ينقل الكتاب عنها أنها كتبت في عام 1921 تقول: «كم أكره الإسلام!». ويستغرب وورث كيف أن الكتاب لا ينتقد هذا الموقف المتعجرف من جانب جيرترود بيل، ويشير إلى أنها دأبت على زرع الفرقة بين فئات الشعب العراقي من سنة وشيعه وعرب وأكراد. مما زرع بذور الفتنة بين أبناء الشعب العراقي كما يفعل غزاة العراق الحاليين.‏

لم تعش هذه المرأة الحديدية حياة غريبة شديدة التعقيد فقط، بل انتهت نهاية أكثر إثارة للتساؤل والاستغراب. فقد قضت منتحرة بتناول حبوب منوّمة في عام (1926) قبل أيام فقط من تنصب حكومة الملك فيصل الأول التي جاهدت لترتيب إقامتها وعملت على تهيئة الملك للحكم في العراق على الرغم من أن قدميه لم تكن قد وطئت أرض العراق من قبل.‏

ويتساءل وورث: فهل أنهت حياتها بعد أن أنجزت مهمتها الاستعمارية ولم يعد الملك بحاجة لها، وبعد أن وقعت ضحية لاكتئاب عميق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244