|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الرجل الذي غادر اسمه ـــ دعد إبراهيم صوت الزوجة يعلو تفتح باب غرفة الجلوس. لتطالب زوجها مجيب الساكت الخروج من البيت قائلة: ـ يا رجل أوصلتني إلى حافة الجنون. وجعلتني أكره البيت. لماذا لا تذهب لأصدقائك، لأهلك، لأقاربك؟!. منذ اليوم الأول لتقاعدك وأنت مصر على التمترس في هذه الغرفة. أريد أن أنظفها من أكداس الصحف التي لا تشبع من قراءتها. ولا أعرف ما الذي تجنيه وتنتظره منها! وإذا رفعت بصرك عنها فلكي تتابع أخبار التلفاز. حرمتنا البرامج كلها، كره الأولاد التلفاز، لأنهم يجلسون أمامه فتخرج منه الجثث مقطعة الأوصال مثل هذا الوطن. مشهد الدم أصبح جزءاً من حياتنا اليومية. إنه دم إخوتنا أتعتقد أننا حجارة لا نتألم. لقد حولت حياتنا إلى كوابيس دائمة. أرجوك ارحمنا وارحم روحك. استغرب مجيب الساكت ثورة زوجته. لأنه يعتبر أنه المظلوم الوحيد في البيت، ولا أحد يستوعب ما حصل له. لقد قضى حياته موظفاً شريفاً. لم يخطئ مرة واحدة في عمله. وكان صامتاً دائماً. لم يتمرد على الرغم من كل التجاوزات التي حصلت أمامه. إذاً، هو المواطن الصالح الصامت. ما الذي يمكن أن يقوم به سوى العمل الذي أمضى عمره فيه. والآن تحاسبه زوجته على الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقتل وحدته. إن الصحف والتلفاز هي البديل الذي وجده أمامه. زمنه أصبح مُقعداً ومشلولاً. الرماد يظلله من رأسه حتى قدميه. نسي أسماء النجوم والأحلام. ثم رمى نفسه في وحشة الصمت البعيد. يستضيف الكآبة. ويعبد لها الدروب. فكان يجلس ليعتصر جرحه داخل هذه الغرفة. لكنَّ ثورة زوجته لم تحرضه على الخروج مما هو فيه. ولا الصباحات التي تبشر بالمطر. واحتمى بوحشةٍ تبعده عن البشر والشجر. يبتكر طرقاً عديدة للبقاء داخل شرنقته. في أحد صباحاته الرمادية. تلمس مجيب الساكت رأسه. فأحس تحت أصابعه بكتلة صغيرة تعتلي الرأس. اهتز خوفاً لكنه لم يحدث أحداً عنها. قرر مراقبتها فإذا رآها تكبر يلجأ إلى الطبيب. وإذا اختفت فهي شيء عرضي. لا مبرر لزرع القلق في العائلة. صباح اليوم التالي. تلمس رأسه في نفس المكان فازداد خوفه. لأن نمو الكتلة كبيراً. عندها لم يستطع السكوت. فنادى زوجته بصوت قوي وخائف. حين حضرت الزوجة إلى غرفة النوم. كان مجيب يقف أمام المرآة ممتقع اللون يتحسس رأسه. وحين سألته عما ألم به. أحنى رأسه أمامها. وأشار إلى الكتلة وحين رأتها. ظهر الخوف على قسماتها وسألته بلهفة. متى رآها لأول مرة قال: ـ استيقظت البارحة وحين أحسست بها تحت أصابعي. كانت صغيرة جداً اعتقدت أنها عابرة. وتزول لكنها اليوم كما ترين تنمو كل دقيقة أكثر وكأنها تسابق الزمن. استدعت المرأة ابنها الكبير. طلبت منه ارتداء ملابسه ليذهب مع والده إلى الطبيب وحين أراد أن يستوضح الأمر. استعجلته وعادت تحث زوجها على ارتداء ملابسه. في عيادة الطبيب كان الانتظار ممضاً. فقد كان الخوف يسيطر على الرجل كلما رفع يده إلى رأسه. حين كشف الطبيب عليه. أظهر دهشته من شكل الكتلة. ولم يصدق أنها وليدة يومين فقط. قال إنه لم تمر عليه حالة مماثلة. لكنه وصف له أدوية ومراهم على أمل أن تزول. وإذا لم يتحسن ليعد ثانية إليه. أحضر ابنه الدواء بسرعة. وبدأ الرجل يأخذ العلاج. لكن الرعب سيطر عليه فهو يتناول الدواء والكتلة تكبر وكأنه يغذيها بهذه الأدوية. لم يكن بيده حيلة إلاَّ العودة إلى الطبيب المعالج. لكن الأخير وقف أمامه مدهوشاً. بالأحرى ما اعتراه كان أكثر من الدهشة. فهذه الحالة الغريبة تدعو إلى الخوف. ولذلك وقف أمام الرجل عاجزاً طالباً منه اللجوء إلى جمعية أطباء علهم يتوصلون إلى حلٍّ لهذه المعضلة. وافق مجيب على العرض لأنه لم يكن لديه حلٌّ آخر. وبدأ الطبيب اتصالاته بأطباء من اختصاصات متعددة. حين اكتمل حضورهم. كانت نظراتهم لا تحمل الدهشة فقط وإنما الرعب. فالكتلة بدت أمامهم رأساً صغيراً تكبر باطراد وتتوضح معالم الوجه فيها بشكل مشوه. طلبوا من الرجل العودة إلى منزله لأن استئصال الكتلة أو الرأس قد يؤدي إلى موته. عليه أن يقرر هو وأهله ثم يعود إليهم. وصل مجيب إلى بيته، يضع غطاء على رأسه. وحين نزعه سمع صوت زوجته تصرخ مولولة. مذعورة مبتعدة عنه. فغضب منها وقال: ـ لماذا تصرخين يا امرأة؟! ألم تري ورماً في حياتك؟ ردت قائلة بهلع: ـ إنه ليس ورماً. إنه رأس رجل آخر يتربع فوق رأسك. إنه رأس يحمل وجهاً مشوهاً. أسرع الرجل إلى المرآة. وحين نظر فيها وقع مغمياً عليه. أفاق مجيب على صوت زوجته وأولاده. كان ممدداً على سريره وهم يبكون حوله. وزوجته تصرخ من خلال دموعها قائلة إنها طالما نهته عن قراءة الصحف وعن رؤية المشاهد الدامية والمشوهة في التلفاز. لكنه لم يهتم بما تقوله. وأدمن تلك المشاهد وهاهي تنتقل إليه. ما الذي سيفعلونه الآن ثم بدأت بالبسملة وقراءة آيات قرآنية. وقررت أخذه إلى أضرحة الأولياء الصالحين علّهم يمنون عليه بالشفاء. حال مجيب مع الأولياء الصالحين لم يكن أفضل منه مع الأطباء فقد أخذ رأسه يضمر والرأس الوافد يكبر أصبح التشوه واضحاً وأصبح الرجل حبيس داره، بل حبيس غرفته. عزلته لم تعفه من عذاب الوافد الجديد. أخذ يفرض عليه رغباته: ماذا يأكل. ماذا يشرب. كيف يجلس. ماذا يقرأ. إذاً، لم يحاوره. بل كان يفرض عليه وهو مثل الرجل الآلي ينفذ رغباته. بدأ مجيب يضعف حتى أصبح مستلباً بلا قرار ينتظر ما يُملى عليه، فالرأس الدخيل. أخذ يفكر عنه. ويأكل عنه. ويقرأ عنه حتى صار الرجل غريباً عن نفسه. ابتعد عن مكامن الإنسان في روحه ولم يعد الفرح يهطل في أيامه. فترك رياح اليأس تتناوشه حتى أنه فكر بالانتحار. الأولاد وأمهم ابتعدوا عنه. لاعتقادهم أنه أصبح مختلفاً. لم يعد هو نفسه. اعتقد أن السماء تخلت عنه كما أولاده. فأصبح وحده في معركة يخشى أنها خاسرة. فلن يبرر أحد له هروبه أو استسلامه. حاول مجيب التفكير بطريقة يستعيد بها صوته. يريد أن يحدد هل يصنع باستسلامه موته أو حياته. أسئلة كثيرة دارت في ذهنه. في غفلة من الرأس الجديد. صار وحده وعليه أن يواجه مصيره. وقرر أن يرمي المسكنات كلها والضعف كله ليواجه موتاً أو حياة. بدأ مشوار شفائه وحيداً إلاَّ من صبره المتسامي وإرادته الحازمة. أخذ يرفض الهزيمة. ويحمل روحه أكبر قدر من الحياة. كي يبعد موتاً وثلجاً عن جذورٍ عميقة زرعها في المدى المجدي للروح. بدأ يرفض أوامر الرأس الدخيل، ويغضب من كل أمر لا يعجبه. حاول الابتعاد عن سلبيته في إبداء رأيه. معتبراً أنه إذا كان سيموت فليمت بكرامته بعيداً عن الذل. تكررت محاولاته لإخراج روحه من الشرنقة التي حبسها بها. فهو لا يريد أن يغادر دون أن يكون موجوداً. أخذ إحساسه بوجوده يتنامى مع كل تصرف إيجابي يقوم به. وبدأ يسمع صوته الذي اشتاق إليه بدلاً من الصوت الجديد. أحس كم أن العالم الذي فصل روحه عنه ثمين. وافتقد لون السماء ورائحة الأرض بعد المطر. تخطى باب غرفته، خرج إلى الشرفة يراقب ورودها أدهشه اتساع السماء وكأنه يراها لأول مرة أحس بقطرات ماء تنساب على وجهه. إنه المطر. وضع مجيب يديه على رأسه يتقي بهما البلل لكن يده تسمرت في مكان معين من الرأس بدأ يحركها بكل الاتجاهات ثم يعود ليتلمس رأسه من جديد. وتعود اليد خفيفة فرحة. أخذ مجيب يقفز في مكانه مثل مجنون، ويصرخ فالرأس الوافد اختفى. وأمام دهشة زوجته وأولاده فتح باب المنزل كاشفاً رأسه. يتلقى ماء السماء بفرح سجين نال حريته. ترك جسده وروحه يتطهران بالمطر. غير آبه بخيوط الماء تنساب من ثيابه. لكن شيئاً وخزه في عمق الروح. فقد رأى الكثير ممن يمشون في الشارع يعتمرون أغطية مثل الغطاء الذي كان يضعه فوق رأسه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |