|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
المواقف والرؤيا عند النفَّري .. ـــ محمد أسامة العبد التصوف حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري بنـزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة كرد فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري . ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى أصبحت طرقاً مميزة معروفة باسم الصوفية ، ويتوخى المتصوفة تربية النفس والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة لاعن طريق اتباع الوسائل الشرعية ، ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية : الهندية والفارسية واليونانية المختلفة . ويلاحظ أن هناك فروقاً جوهرية بين مفهومي الزهد والتصوف أهمها : إن الزهد مأمور به ، والتصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطه أهل السنة والجماعة . ـ و مما لاشك فيه قد تنازع العلماء في نسبة الاشتقاق على أقوال كثيرة أرجحها : ما رجحه ابن تيمية وابن خلدون وطائفة كبيرة من العلماء من أنها نسبة إلى الصوف حيث كان شعار رهبان أهل الكتاب الذين تأثر بهم الأوائل من الصوفية ، وبالتالي فقد أبطلوا الاستدلالات كلها والاشتقاقات الأخرى على مقتضى قواعد اللغة العربية ، محمولة نسبة الصوفية أنفسهم إلى الحسن البصري وسفيان الثوري ، وهي نسبة تفتقر إلى الدليل ويعوزها الحجة والبرهان . و الاشتقاق الآخر ما رجحه أبو الريحان البيروني 440هـ وفون هامر حديثاً وغيرهما من أنها مشتقة من كلمة (سوف) اليونانية والتي تعني الحكمة . ويدلل أصحاب هذا الرأي على صحته بانتشاره في بغداد وما حولها بعد حركة الترجمة النشطة في القرن الثاني الهجري بينما لم تعرف في الفترة نفسها في جنوب وغرب العالم الإسلامي . ويضاف إلى الزمان والمكان التشابه في أصل الفكرة عند الصوفية واليونان حيث أفكار وحدة الوجود والحلول والإشراق والفيض . كما استدلوا على قوة هذا الرأي بما ورد عن كبار الصوفية مثل السهروردي البغدادي وأضافوا إلى ذلك ظهور المصطلحات الفلسفية المترجمة عن اليونانية في ذلك العصر . سمات المتصوفة: ظهر في القرنين الثالث والرابع الهجري تيار اشتهر بالصدق في الزهد إلى حد الوسواس ، والعدول عن الدنيا في السلوك والعبادة و الاستقامة في العقيدة ، والإكثار من دعاوي والالتزام بالسنة ونهج السلف ، وإن كان ورد عن بعضهم بعض العبارات التي عدها العلماء من الشطحات لكن القاسم المشترك لمذاهب التصوف للمنهج المميز بينهم تناول العبادة وغيرها مما يسمونه (( الذوق )) والذي أدى إلى اتساع الخرق عليهم ، فلم يستطيعوا أن يحموا نهجهم الصوفي من الاندماج أو التأثر بعقائد وفلسفات غير إسلامية ، التي زاد غلوها وانحرافها وانبثقت عنها الانزياح اللغوي ، وانتقالهم من مرحلة الزهد إلى مرحلة الممارسة العملية على مستوى التأمل التجريدي والكلام النظري ، ولذلك ظهر في كلامهم مصطلحات : الوحدة ، والفناء ، والاتحاد ، والحلول ، والسكر ، والصحو ، والكشف ، والبقاء ، والمريد ، والعارف ، والأحوال ، والمقامات وفيها اختلط التصوف بالفلسفة اليونانية ، وظهرت أفكار الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، وو حدة الشهود ،على أن الموجود الحق هو الله. ومن أشهر رموز هذه الطبقة : الحلاج ت309هـ ، النفري375ه، السهروردي 587هـ ، ابن عربي ت638هـ ، ابن الفارض 632هـ ، ابن سبعين ت 667 هـ . وفي هذه المقالة نقف بمواقف االنفري وهو رمز من رموز هذه الطبقة: ولد محمد بن عبد الجبار بن الحسن بن أحمد النفَّري في مدينة نِفَّر الواقعة على ضفاف نهر الفرات شرقاً. ونِفَّر مدينة سومرية تسمى نيبور؛ وهي مبنية على ضفاف الفرات الشرقية، وكانت مركزاً دينياً مهماً قبل أربعة آلاف سنة، وكان فيها معبد آكور الذي يُعبَد به الرب إنليل، سيد الهواء. ومن بعدُ أصبحت مركزاً للديانة المانوية، ثم المسيحية في القرن السابع الميلادي. توفي النفَّري في عام 375 هـ/965 م، كما ذكره التلمساني الشارح لكتاب المواقف والمخاطبات على هامش الغلاف من المخطوطة المصرية. ويقول رينولد نيكلسون إن النفَّري "درويش جوَّاب ، مغامر في أقطار الأرض". ويقول التلمساني إنه توفي في القاهرة، ولا يؤكد ذلك، مكتفياً بالقول: "الله العالم في مماته." إن حياة النفَّري غامضة في ولادته وموته وسيرته، على الأصعدة كلها؛ وليس لدينا أي مصدر يذكر تفاصيل حياته. إلا أن من المؤكد أنه عاش في القرن الرابع الهجري، وعاصر محنة الحلاج التي أثَّرت على أهل التصوف ودَعَتْهم إلى التحفظ والكتمان والتقية الشديدة. وقد اكتشف كتابَ المواقف والمخاطبات للنفَّري المستشرقُ آرثر جون آربري سنة 1934. ويبدو أن عدم ذكر النفَّري في مصادر أهل التصوف والعرفان يرجع إلى أسباب عدة أهمها: تأثير محنة الحلاج على جيل المتصوفة الذي تستر بالتحفظ والكتمان. التخوف من الفقهاء الذين دأبُهم أن يشنوا حملة قاسية من التكفير والتفسيق على "أهل الطريق" ويحرضوا السلطات عليهم. تبنى النفَّري أفكاراً خاصة به تدعوه إلى الغياب التام وعدم الظهور؛ وقد تكون هذه طريقة خاصة بالنفَّري وأصحابه ، وخلاصة القول: تبقى حياة النفَّري ومماته يكتنفهما الغموض؛ وليس لدينا أي دليل واضح على تفاصيلهما. قراءة أولية لمنهج النفَّري لقد أنهك النفَّري جسمَه في البحث والاختبار والأسفار، وبدأ يبحث عن كيان جديد للظهور يكون أكثر مقاربة ومصالحة مع ذاته ومسيرته السلوكية. لذا فقد اختار التدوين والكتابة وتفريغ ذاته المتكاملة في الخطاب الإلهي. فالكتابة أقرب الدلالات المجردة إلى حقيقة النفَّري، لأنها ساكنة، تحتاج إلى البحث عنها، وصامتة في حضورها. عشق النفَّري اللغة وعشقته اللغة، لأنهما يتكلمان بعمق واحد. وأراد النفَّري في مذهبه على ( الوقفة ) والتي ينفصل فيها الصوفي تماماً عن السوى، ويفنى عن الكونية ،وذلك لغلبة الحقية عليه ،وبالتالي لا يشهد وجوداً غير الله عز وجل فنصوص النفَّري تحتاج لمتذوِّق ذي حساسية خاصة، لأنها نصوص لأهل الخاصة من أهل طريق العرفان الذين يعلمون أسرار الكتابة والتدوين على صفحات وجودهم، ويقرؤون ذواتهم كجزء متكامل داخل هذه النصوص الإلهية. إن النفَّري يحاور ويتحدث حديثاً داخلياً تكامَل في ذاته: فهو يسمع، وينصت، ويصمت، ويتحدث؛ وهذه العملية الحوارية كلها تتم داخل دائرة ذاته. فلا محلَّ للآخر إلا إذا أصبح ضمن مفردات هذا الخطاب، ومن ضمن عملية اتصاله التي دوَّنت خطابه. فكأنه يتحدث لذاته في غياب تام إلا من الذات الإلهية المخاطِبة. لهذا تحمل نصوص النفَّري حرية الاتساع والإطلاق في العبارة، وامتداد المعنى، وبساطة أسلوبيه، وعمقاً محسوساً لا يُسبَر غورُه. والدارس لقراءة نصوص النفّري يكافح (( من أجل إحراز الرؤيا ،التي هي غاية غايات الروح ، والتي لا خروج للإنسان من شقائه إلا بها وحدها دون أي شيء آخر ، ففي أعماق هذه النصوص ثمة شعور مفاده أن الصراع ، أو التضاد ، هو العبودية بأم عينها ، وأن الحرية ليست شيئاً آخر سوى الخروج من التضاد إلى الفسحة النقية والمتجانسة على نحو كامل فالنفري شخصية سلمية في الجوهر والصميم ، وإن هو قد أكثر من الحديث عن المتضادات والمتنافيات . وهذا يعني أن صورة النرفانا ، أو صورة انعدام الصراع كله والنفي كله ، هي جذر من جذور وعي الكاتب ، دون أدنى لبس . )) لقد تبادل النفَّري واللغة، في عملية الكتابة، الحبَّ؛ فمالت اللغة معه حيث يميل، وانحنت أمام صدق تعامُله معها وتوظيفها بأشكال تليق بقدرتها على الإحاطة والابتكار والتجديد. فهي مستسلمة له كما لو أنها أحد مريديه، يقلِّبها كيفما يشاء. فاللغة في نصوص النفَّري منتشية، لانصياعها واستسلامها ليد مبدع وصاحب خيال فذ. والصياغة اللغوية للنفَّري ذات سياقات تحمل ديمومتها، وتحافظ عليها ككيان مستقل، يعرف ويفكر ويدرك ويعي وجوده ككائن حيٍّ، بلا شروخ أو فجوات. مقامات النفري لا يخفى على المتتبع لكتب الصوفية في ذكر مقاماتهم وأحوالهم أن هذه المقامات أصبحت من الثوابت التي تُلزِم الصوفي بالخوض فيها. والمقامات كسبية، يسعى الصوفي لتحقيقها في مناهج سلوكه؛ أما الأحوال فأمور وهبية، وتحصيل حاصل للمقامات. تبدأ مقامات الصوفية بالتوبة، وتنتهي بالتوحيد؛ وبينهما الخوف، والرجاء، والصبر، والزهد، والفقر، والمحو، والإثبات، والتوكل، والتسليم، والرضا. أما الأحوال فهي واردات ترد على القلب، فتبرق وتختفي، ليستأنف الصوفي السير والسلوك. تنقسم المقامات إلى مقامات "مادية" وأخرى "معنوية". فالمقامات التي ذكرناها آنفاً هي من المقامات المادية في السير والسلوك؛ أما بعد التحقق بمقام التوحيد والدخول في الولاية فتبدأ المقامات المعنوية. ولكل عارف مقاماته وتسمياته الخاصة، على الرغم من أنها تصب في بحر واحد. من أهم مقامات النفَّري المعنوية الخاصة نختار مقامين اثنين هما: "مقام الوقفة" و"مقام الرؤيا"؛ وسنوضح، باختصار، الملامح العامة لهذين المقامين: أ. مقام الواقف والوقفة: الواقف هو المنتظِر والمنتظَر داخل لحظة تكاملت في زمن الذات الإلهية وتهيأت وسكنت لتلقِّي الخطاب الإلهي المطلق. والواقف هو ذلك الذي تسلَّق قمة سُلَّم التجريد، والذي تجرَّد من التجرُّد ذاته؛ فهو يدور في عوالم الغيب والشهادة بدون حجب أو أستار. ويحقق الواقف أعلى مراتب الفناء في سُلَّم المقامات المعنوية عند أهل الطريق ، وفي هذا المقام يقول النفَّري: - وقال لي :من وقف بي ألبسته الزينة فلم ير لشيء زينة . - وقال لي :إن بقي عليك جاذب من السوى لم تقف . - وقال لي: في الوقفة ترى السوى بمبلغ السوى ،فإذا رأيته خرجت عنه . - وقل لي :الواقف ينطق ويصمت على حكم واحد . - وقال لي : الوقفة نورية تعرف القيم ،وطمس الخواطر . - وقال لي : الوقفة نار السوى فإن أحرقته بها وإلا أحرقتك به . ب. مقام الرؤيا: إن الرؤيا في معارف وخيال الصوفية والعارفين أهم المنافذ المجردة والذاتية للارتباط بالخطاب الإلهي، ومشاهدة الحقائق المجردة، والالتقاء بالأسرار المعنوية. والرؤيا أعلى مراتب الكشف؛ فهي تنزُّلات التجلِّي الإلهي على الفؤاد ليرى الحقيقة، كما هو وارد في القرآن الكريم: "ما كذب الفؤاد ما رأى" (سورة النجم 11). فمقام الرؤيا آخر أبواب مقام الواقف في سُلَّم المعنى الذاتي الإلهي. ومفتاح الرؤيا اللحظة المطلقة، بلا ذاكرة، ولا عنوان، ولا تسميات؛ فهي القدرة الذاتية والكمالية لاختراق كل شيء وسلب شيئيَّته، وإزاحة محجوبيَّة الحجب كلها والموانع والأستار، وإزاحة الألوهية كل غيرية وسوائية عن ذاتها المستقلة. فمن خلال مقام الرؤيا يستطيع الواقف أن يرى كل شيء من وراء كل شيء، وأن يرى الحقيقة الإلهية من وراء كل الأشياء والحجب، كما - يقول النفَّري في هذا المقام : - وقال لي: لا يكون المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء . - وقال لي: نَمْ لتراني، فإنك تراني؛ واستيقظ لتراك، فإنك لا تراني . - وقال لي : الرؤية تشهد الرؤية ، فتغيب عما سواها. - وقال لي: فإن العارف كالمَلِك يبني قصوره من المعرفة فلا يريد أن يتخلَّى عنها. - وقال لي: المعرفة نارٌ تأكل المحبة . - وقال لي: من علوم الرؤيا أن تشهد صمت الكل، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل . وفصل القول في مذهب النفري ( كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ) فالرؤيا لا تحتاج إلى لغة قط ،وما ذاك إلا لأنها صمت مطبق ، والأهم في ذلك كله أن اللغة في منظور النفري من فصيلة السوى وجنسه وسلالته ،وكل ما كان من السوى فلا درب له إلى الحق الصرف أبداً، وما الحق الصرف ،عند الكاتب ،إلا الله وحده دون غيره .. ومما لا شك فيه أيضاَ .. فإن النفري يضع المعرفة في مرتبة تتوسط بين العلم والرؤيا . (( كل شوق فهو شوق إلى المعرفة )) وهذه الأخيرة هي التي يخصها بالقيمة والأهمية . لأنها – في اعتقادها- الاتصال الوحيد والحقيقي بالإله الذي هو غاية الروح ومصدرها في الوقت نفسه . ومما هو واضحٌ أيضاً : لقد حافظ أهلُ التصوُّف والعرفان على براءة السؤال الخام والقلق الخام كي يتطابقوا مع الأصل، أصل الوجود، الذي تحمَّلوا في سبيله العناء العظيم وضحَّوا بوجودهم كلِّه من أجل الوصول إلى الحقيقة. فهم أهلُ الله الذين لا يستظلون بظلٍّ ولا ينتسبون إلى التسميات. أسَّسوا للمسلمين، بشكل خاص، وللبشرية، بشكل عام، مشروعاً خصباً، وتركوا تراثاً إنسانياً صافياً وعميقاً. فأهل هذا الطريق افتتنوا بالله افتتاناً أفقدَهمْ كلَّ شيء، وأحبوه حباً لامتناهياً، وهاموا في عشقه. ينحتون بوجودهم أسماءه، ويرسمون بدمائهم خرائط الوصول إليه. سكنوا الصحارى والجبال وغاصوا في الوديان، وركبوا البحار، واتخذوا من الهجرة بيتاً ومن الغربة زاداً. فماذا يمكن أن نقول عن أسفارهم – تلك الأسفار التي هي أكثرها تعقيداً على أرض البساطة، وأكثرها بساطةً على أرض التعقيد، في البحث عن مكنون البساطة، وهو الله – الله بسيط الحقيقة – وعن الفناء في هذا المعنى الإلهي. لهذا حملوا قلوبهم مناجلَ للتجريد وللغوص إلى أعماق الوجود بلذة الاختراق وفضول ألم الاستطلاع، لاستخراج كنوز المعارف وحقيقة الكمال المطلق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |