جريدة الاسبوع الادبي العدد 1095 تاريخ 15/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

القمة والمستقبل العربي ـــ أ.د.حسين جمعة

نذرت الجماهير العربية أرواحها لمجد الوطن وكرامة الأمة، وكانت شاهدة على مرحلة حُلُم الوحدة الذي عانق جبهة الشمس المتألقة بدم المناضلين الأحرار الذين انحازوا إلى عشق الانعتاق من الظلم والقهر، والاستبداد والاستعمار أياً كان شكله وأسلوبه.‏

ولمَّا بزغ فجر الاستقلال وولدت الدولة الوطنية كان ذلك الحلم يكبر ويتعاظم ويتأجج عقيدة وهوية لا يماثله في الانبعاث والنهوض إلا الإيمان بالحرية وترقب العيش الكريم لكل فرد من أبناء العروبة...‏

ثم تحوّل الحلم إلى حقيقة ناصعة بولادة أول وحدة اندماجية بين سورية ومصر في (22/ 2/ 1958م). وحينما أخذت دولة الوحدة تنجز مهمتها التاريخية كان الصراع العربي الصهيوني يشتد.‏

وكان التآمر الغربي المستميت يتكالب على تلك الوحدة إلى أن نجح في حَلّ عُراها في (28/ 9/ 1961م) على يد الانفصال الأسود.‏

ولا مراء فالوحدة وئدت في المهد نتيجة عوامل كثيرة مكبوتة وظاهرة، داخلية وخارجية لكن مفاهيم الهوية الواحدة للعرب كافة أتمت شروطها التاريخية عقيدة وتراثاً ولغة وانتماء وآمالاً و...‏

ومن ثم تأسس مفهوم الأمة العربية الواحدة الذي غدا خياراً جماهيرياً وعقيدة فكرية تبث إشعاعها المتوهج في النفوس والعقول. فهذا المفهوم غدا المغزى الأعمق للدلالة التاريخية على الرغم من استعار نار الصراع العربي الصهيوني، وتبدُّل أحكام القيمة حول عدد من الأشكال الموحدة، اندماجاً، أو اتحاداً، أو تضامناً أو... لأن التبدل الفكري السياسي في الواقع العربي كان يحفر أخاديد عريضة في جدار تلك الأنماط، فضلاً عن تعمق مفهوم الدولة القطرية في ذلك الواقع البائس... وعلى الرغم من هذا كله فإن الجماهير العربية تنظر إلى الحكام العرب باعتبارهم يشكلون رموزاً وطنية وقومية ولا سيما أولئك الذين ينضوون تحت لواء الإيديولوجيات القومية التي وضعت لنفسها برامج سياسية وفكرية على طريق الوحدة... كانت الجماهير متمسكة بياسمين الفرح الأبيض، وتقف في ساحات المدن والقرى والبلدات ترقب الأمل الآتي من وراء الحجب... إلى أن ولدت أول قمة عربية عام (1964م)... كانت ترقب ميلاد صلاح الدين المحارب الذي ينتشل النفس العربية من السقوط في الحسرة والإحباط، والقلق والتمزق و... ولكن رائحة الخيبة انتشرت بعد الخامس من حزيران لعام (1967م) لتزكم الأنوف، وراحت القمم العربية تتوالى هنا وهناك وتأخذ أسماء عالية الرمزية في الإيحاء القومي التحرري مثل قمة (اللاءات الثلاث) أو قمة (القدس) أو (المسجد الأقصى)... وكان الشعور القومي يأخذ مسار المزاد العلني عند انعقاد كل اجتماع للحكام العرب، إلى أن غرقوا في وهدة السلام الاستراتيجي منذ مؤتمر مدريد (1991م) إلى قمة (بيروت 2002م) وراحت الجماهير العربية تردد قول الشاعر:‏

إني لأغمض عيني ثم أفتحها * * * على كثير ولكن لا أرى أحدا‏

فالأنظمة العربية جعلت القمم لقاءات عابرة لمعالجة حراك سياسي تصادمي آني فيما بينها، وكانت تحرص على عقد القمة على اعتبار أن الاجتماع خير من عدمه، وكأنها ترى في كل قمة خلاصاً لها من الحرج الذي يوقعها مع الجماهير العربية، على حين كانت هذه الجماهير ترغب في أن ترى ولادة قمة تنشد الفعل القومي المؤثر والمستند إلى برنامج علمي موضوعي سياسياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً يحدد المستقبل العربي المنشود، ولا سيما بعد انتصار الدم على آلة الفتك المتوحشة للعدو الصهيوني في (25/ 5/ 2000م) ثم في (12/ 7/ 2006م).‏

ومن ثم فإننا ـ نحن المثقفين والكتاب ـ نتوجه من جديد إلى قمة دمشق التي ستعقد يوم (29/ 3/ 2008م) في ظروف بالغة التعقيد كي تكون قمة رسم الخريطة المقبلة للمستقبل العربي... ما يعني أننا لا نريدها قمة على تسويات سياسية مؤقتة في فلسطين أو لبنان أو السودان أو العراق، على أهمية هذه التسويات... إننا نتوجه إليها على طريق إيماننا بالقومية العربية الموحدة لأفكارنا ومواقفنا في وقت تشهد فيه غزة والعراق حمامات الدم، ويتعرض فيه لبنان والسودان والصومال لفتنة قاتلة، في إطار سياسة الفوضى الخلاقة التي تنفذها إدارة البيت الأبيض من أجل مصالحها... إن توحيد المواقف العربية هو السبيل الوحيد للرد على قوى الهيمنة والتوحش والعدوان و...‏

فهل ستكون قمة دمشق خيار الأمة في بحثها عن الجواب الصعب لحال التمزق العربي؟!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244