جريدة الاسبوع الادبي العدد 1095 تاريخ 15/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

من ذكريات الذاكرة : شيءٌ عن الشعر .. شيءٌ عن الشعراء ، في حمص ـــ بقلم: ممـدوح الســكاف

1- موعد البدايات‏

في العاشرة من عمري ، أذكر ، لا أنسى .. نبتت أجنحة الشعر ... نما زغبها في دمي ....!!‏

كنا نسكن في أحد أحياء حمص الشرقية القديمة الفقيرة .. ( صليبة العصياتي ) في دار لها عرصة واسعة ، تحيطُ بها بيوت لبنية شبه متداعية يستنجدُ بعضها ببعض لتبقى على قيد الحياة ، تتوسد جدرانها قناطر حجرية بيضاء وسوداء تحتها شبابيك خشبية معشّقة ، تكاد من طحلب أو طحين تكون بفعل امتصاصها للمطر الغزير وتعرّضها للشمس الكاوية ، وفي الدار خلقٌ كثيرون ، كباراً وصغاراً .. هم أخوة أربعة مع أبنائهم ، يُوحد مشاعرهم في حياة تقليدية لا معنى لها شيئان : صلة الرحم والحرمان المطأطئ .‏

وذات عصر ، خلت الدار من أهلها وكان اليوم يوم جمعة ، وكان الفصل خريفاً من ربيع .. وبقيت وحدي ..‏

خرج الخلق وظللت وحيداً ..‏

جلست على الأرض الحجرية الزرقاء .. أخذت أنظر إلى السماء الرمادية ، وكان هناك في وسط حوض القرنفل وفم السمكة والمنثور شجرة زنزلخت وحيدة مثلي ، أوراقها صفراء وثمارها غير الأكول جافة جعداء ، وأغصانها متهالكة .. رحتُ أتأمّلُها بشرودٍ وأفكر في وحدتها وفي وحدتي أنا الطفل المحب للعزلة منذ كنت في الرابعة من عمري كما كانت تحكي لي أمي دائماً بعدما كبرتُ ، ثم شعرت بشيء ما في صدري ، بغصة ما في حلقي ، بشعور ما من الأسى قد لا يوصف في أعماقي ، وفجأة انهمرت دموعي ، دموع الصبي الذي كنتُه ، وأنا أسمع من مذياع الأهل الأثري أخبار نكبة العرب في فلسطين وزوال هذا الاسم المقدس النبيل في خارطة العالم وحلول اسم إسرائيل محله ....! أكان ذلك أول لقاء لي مع الشعر ؟. الشعر حزن ، والشاعر حزين .. أتلك هي أبجدية الإبداع ؟! لا فن من دون مكابدة الألم واحتراق الأعصاب ..‏

وكبر الطفل الذي غادرته .. أصبح يافعاً ، ثم وضع قدميه على عتبة الشباب الأول واكتشف لذة القراءة ومتعة مصاحبة الكتب ، ومأساة الوطن السليب الطازجة آنذاك توجع قلبه الغرير ..!‏

في منتصف الخمسينات الثاني أولع ولعاً ملك عليه أحاسيسه بشاعر ومطرب ... حزينين كانا مثله ، الشاعر هو صلاح عبد الصبور ، والمطرب هو عبد الحليم حافظ .‏

وجد في شعر الشاعر ، وغناء المطرب ، صدى لروحه الغريبة الحائرة وعواطفه الجياشة الندية فأحبهما وما برح ... وكانا مفتاحي بداياته الشعرية في ولادة الشعور الخاص بالشاعر لا بشعر الشاعر .. على مهل سيأتيه ..‏

وهو ينظر اليوم إلى هذه البدايات ، عندما يعود إلى تصفحها ، على أنها تمرينات شعرية متواضعة لا أكثر ، ولا يحتفظ لها بأية قيمة فنية سوى قيمة ذكراها العاطفية في التدرب على اللغة وصياغة الصورة وجمالية التعبير وبهجة إنجاز " قصيدة " قد لا يكون لها من هذه التسمية إلا " قصد " كتابتها والفرح الطافح بإنجازها .‏

2- مكوّنات التجربة‏

وعودٌ على بدء ... !‏

ظهرت ميولي الأدبية في الصف السابع الإعدادي بتشجيع من أستاذي في المدرسة الشاعر نصوح فاخوري الذي أثَّر عليَّ تأثيراً ذا جانبين ، الأول فكريّ سياسي يتعلق بالثقافة الاشتراكية والمد اليساري فانحزتُ إليهما مبكراً في إطارهما العربيّ القوميّ ، والثاني أدبي إبداعي ، فأخذت أنكب على المطالعة النهمة بتوجيه منه وحرص ، فاستهواني أدب أمتنا القديم فاستوفيت ثقافة لا باس بها من التراث تعمقت خلال دراستي الجامعية في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق ، كما استهواني الشعر الرمزي الفرنسي خاصة فقرأت كلَّ ماتُرجم ووقع بين يدي آنذاك من آثار شعرية لبودلير ورامبو وفيرلين ومالارميه ، وكان لوصفي قرنفلي وعبد السلام عيون السود من شعراء مدينتي تأثيرهما على بداياتي الشعرية . ونشرت أول مقطوعة نثرية لي بعنوان ( حلم ) في مجلة النقاد عام 1955 . وفي مرحلة تمريناتي الشعرية هذه ، شدَّني كما ذكرت صلاح عبد الصبور ولا أغفل عن ذكر أحمد عبد المعطي حجازي وبدر شاكر السياب وخليل حاوي – وقد عرفت أدونيس متأخراً – فتفاعلت مع مناخاتهم النفسية ولغتهم التعبيرية ، لكنني بعد مرحلة الاستواء والنضج النسبي غادرتهم لأحاول امتلاك استقلالي الشخصي وصوتي الشعري ونبرتي المميزة قدر الإمكان ، وما أزال في لج هذه المحاولة .‏

وفي مجال " تجربتي " الشعرية ، أجرؤ على القول إن الشعر كان هاجسي الحياتي المطلق منذ اليفاعة ومازال . والشاعر المخلص لعملية خلقه الفني ، لا بدَّ له أن يُطور باستمرار أدواته الفنية ليصل إلى مرحلة " التشكيل " في بنية القصيدة ، من هذا المنطلق أشدد على أن تجربتي الشعرية هي نتاج معاناة لهموم الذات والإنسان والوطن والأمة ، وخلاصة ثقافية ، حياتية وقرائية تشكل بنية الشاعر ومخزونه في وعي العالم والوجود ، وقد مرَّت هذه التجربة " معمارياً " بثلاث بُنى : بنية القصيدة الكلاسيكية الأداء ، الرومانسية العواطف والصور في مطلع الشباب ، ثم لاحقاً بنية القصيدة الحديثة ، أعني قصيدة التفعيلة ، وقد أخذت الحيز الأكبر من إنتاجي ، ثم بنية قصيدة النثر التي كتبتها على قلة وتعبيراً عن حاجة إبداعية أو طفرة فانتازية أحسست خلالهما أن القيود الفنية تطغى عليَّ بثقلها فتمردت عليها لا غير ، أو قد تكون كتابتها بدافع ركوب موجة هذه " القصيدة " في مطلع السبعينات وقد تزامنت هاتان البنيتان منذ هذا التاريخ في إنتاجي ، وإن كنت قد توقفت آنذاك عن كتابة ( قصيدة النثر ) ولكنني لستُ ضدَّها لأنها أسلوب تعبيري له خصوصيته النوعية ومذاقه المتفرّد .‏

لقد تناولت قصيدتي بشكل أو بآخر همَّ مضامين الحداثة الشعرية ووسائلها الإيصالية وما يستتبعه من ظواهر الحداثة في جميع النواحي . ومعلوم أن للحداثة آفاقاً وتنويعات ، ولها مفاهيم مختلفة وأحياناً متقاربة ، ومصطلحها مايزال حتى هذه اللحظة غائماً وقلقاً ومختلفاً على مدلولاته في محيط الشعراء والنقاد والقراء عامة . ( وإن كنت أعتقد اعتقاداً شخصياً أن الحداثة هي منجز غربي خالص ) لذلك يمكن أن تقع على " حداثات شعرية " بعدد الشعراء الحديثين . هناك من يُحدِّث المضمون ، وهناك من يحدث الشكل وهناك من يحدث المضمون والشكل معاً ( ولا أتحدث هنا عن الأشكال التجريبية للحداثة من مثل القصيدة البيضاء والقصيدة الشفوية والقصيدة المجسمة ) . أما بالنسبة إلي فقد كان همي الحداثي أن أنقل اللغة من منطقة الجمود والمتداول والرتابة والجاهزية ، من متحف الشمع والمحنطات والمعجمات البلاغية إلى شمس الربيع ورعشة الحياة والنغم الإنساني وأناقة التعبير ، لذلك أنا " حداثي " بمعنى من المعاني في لغتي ، في أجواء قصائدي وحالاتها في البوح الانسكابيّ ، في التجنيح وراء سماء الحلم وتلاوين الخيال وجماليات الطبيعة تعويضاً عن واقع محبط ، ووجود أجرد ، مما يجعل قصيدتي كأنها معلقة في الفراغ السديمي ، يُنظر إليها من بُعد كأنها قنديل يلفّه ضباب .‏

طبعاً لم أفجر لغتي من الداخل كما نسمع من بعض الناقدين .. طبعاً لم أكسر استعمالات بَناها المتداولة المستحدثة في غموضها ورُؤاها وأبعادها ، لذلك ظل نصي الشعري " حداثياً " بالمعنى المغلق ، وأنا لا أطمح ، ولا أريد أن أجعله " حداثياً " بالمعنى المفتوح حتى هذه البرهة ، لأنني مازلت أكتب إلى الآن تحت تأثير " الوعي اللاوعي " وما أعتقد أنني في المدى المنظور على الأقل ، سأصل إلى مرحلة أَلْغُو فيها تحت تأثير " اللاوعي " أي بسريالية مطلقة ، ففي أرضيتي الثقافية مايزال المورق من شجرة التراث يلتف ويتعانق مع المورق من نبتة الحداثة .‏

3- المحيط الشعري‏

على مستوى مدينتي حمص ، مدينة الشعر والشعراء منذ عبد السلام بن رغبان ديك الجن في العصر العباسي حتى يومنا هذا ، يوم الشعر الحديث والشعراء الجدد ، نَمَوْتُ وعايشت اتجاهات شعرية مختلفة :‏

ففي إطار المدرسة الكلاسيكية المعدَّلة كان تيار رفيق فاخوري يمثل لي آلة الشعر ، أدواته ومفاتيحه ، لغته وأوزانه ، صناعته وصقله . لكنني كنتُ أحسُّ أن الشعر يهرب من هذا التيار ويختفي وراء واجهة البلاغة التقليدية القديمة ، فلم يكن لشعراء هذه المرحلة : رضا صافي ومحيي الدين الدرويش ومعلمهما رفيق أي أثر في تجربتي الشعرية وأنا أنظر إليهم كمُدرّسي أدب مثقفين ثقافة تراثية موغلة أكثر مما هم شعراء مبدعين ملفوحين بوهج المعاناة الوجودية الفنية وأحترم فيهم جهد البعث والإحياء الشعري والحفاظ على رصانة الشعر وسموه .‏

وفي إطار المدرسة الرومانسية المتجددة شغلني وصفي قرنفلي بقلقه وتمرده وتحمسه للمدرسة اللبنانية في الشعر وانخراطه إبداعياً في تيارها ، ولذلك أعتبره الرومانسي الثوري الأول ولشعره المصفى أثر في تجربتي الشخصية والأدبية في مطالع شبابي الشعري ، وخلبني ومايزال عبد السلام عيون السود بصفائه المطلق وغنائيته المرهفة ومقاساته المتفردة في الحزن والحب والموت فحفظت شعره كاملاً في منتصف الخمسينات وما برحت أردده وأذهل أمام لغته الوامضة المكثفة المعبرّة ، وحيَّرني عبد الباسط الصوفي بأسطورة حياته وشعره وانتحاره ، لكنني لم أسترح شعرياً إلا لمرحلته المتأخرة في الشعر ، مرحلة ما قبيل السفر إلى كوناكري ومرحلة شعر الغربة السوداء في غاباتها وشواطئها وإنسانها الفرِح المعذّب في لحظة توحّده بالأرض واندغامه بالرقص مثل قصيدته ( مكادي ) و ( الطبول ) و ( تيرانك والحصاد ) وغيرها . ولم يكن لرمزيته المضطربة القلقة أي صدى في جهازي النفسي والجمالي ماعدا القلة النادرة من قصائده الإبداعية الموشاة بطيوف الرموز الحالمة .‏

4- بعض الأصدقاء‏

على مدى أول الشباب ، درجنا معاً على حجر الحياة : ترابها ، أشواكها ، مروجها ، صحاريها ، يدي بيده تعتنقان ، قلبي في قلبه ينبضان ، شعري وشعره يلتئمان .... أنا وهو خرجنا من قاع واحد هو قاع الفقر والمسغبة ، كالكثرة الكاثرة من أبناء هذا الوطن ، ومددنا أعيننا نحو شمس واحدة هي شمس الخلاص ، وسلكنا إضافة إلى مُعْتَقَدِنا الفكريّ الواحد طريقاً واحداً حلمنا أن يكون فعّالاً للتغيير هو طريق الشعر ... إنه صديق العمر الوفيّ النّجيّ ( أبو إياد ) .‏

في مطلع الستينات تعرفت عبد الكريم الناعم ومصطفى خضر شاعرين طريي العود من بلدي حمص ، وكنت يومئذ مثلهما أزغب الجناح في عالم الشعر والتجربة الحياتية ، سعدت بمعرفتهما وعرَّشت أغصان شبابي بملقاهما ، كأنني وقعت على كنوز قارون ، ورحت أسعى للقائهما دواماً كما كانا يسعيان للقائي في بيت أحدنا ، في مقهى ، في ناد ثقافي ... في أي مكان . فنجلس وردة برية غريبة ثلاثية التويجات كل تويج له شكله ولونه وخصوصية نموه تفتّحه وحضوره ، لكننا جميعاً وهذا ماوحدنا ، كنا نتأرج بشذى سماويّ واحد هو شذى الشعر الطفل ، والبدايات الأولى ، أجل نجلس حول مائدة الصداقة ، مائدة الحب الأخضر ، وهل لنا غيره ، نتناقش ، نتفق ونختلف ، نقرأ أشعارنا لبعضنا بعضا ، نسمع آراء كل منا بالآخر ، نطرح أفكارنا ، نتحدث عن مطامحنا ، نرسم ونلون حديقة لأحلامنا ، ونسافر بأشواقنا إلى زمن آخر ، زمن فاتن طلي ، نقي تبدعه مخيلاتنا الشاعرية الشابة ، زمن إنساني لا يدين الآّبدين الحب البشري والعاطفة السامية ، زمن تنتسف من جذوره الفروق الطبقية وتسوده روح العدالة الاجتماعية ، ولا يبقى فيه ظالم يظلم دون أن يحاسبه أحد ومظلوم يتلقّى الظلامة دون أن يستطيع رداً لها واحتجاجاً عليها ، ومما وحد شملنا أكثر وأكثر وألف جمعنا أشد وأشد هو أننا تصادقنا في زمن سيطرت فيه النـزعة الكلاسيكية المغرقة إطاراً ومحتوى وأسلوب حياة على الحركة الشعرية في حمص ، كنا طلاباً مخلصين لتيار الشعر الحديث نكتبه وننشره ونجد من الطرف التقليدي المتشدد جبهاً ونفوراً واحتجاجاً على خروجنا الطاغي المرفوض والمدان على المألوف المتداول السائد في ألفباء الشعر النمطيّ المستمد من طحلب التقليد ، لا من أرض الرغبة في التجديد ، وطعناً في قدراتنا الإبداعية على النظم السلفي المحافظ ، وتقليلاً واستهتاراً بقيمة ماتخطه يراعاتنا اللدنة المجدّدة وحكماً على مستقبلنا الأدبي بموت قريب واتهاماً لنا بالمروق على – تابو – اللغة ( الشريفة ) وتخريب حرم الشعر ، كنا نتابع طريقنا على ثقة واطمئنان ودأب واجتهاد ، وكانت صفحات الجرائد في حمص والعاصمة وحتى مجلات بيروت الأدبية الراقية كالآداب والمعارف مثلاً ، تستقبل نتاجنا الشعري والنقدي وتوسع له صدرها وتحتضنه بفيض من المحبة والرعاية والتقدير لمواهبنا الواعدة والمبشّرة ، والمتّسقة مع حالات التقدّم والتطور في مختلف مجالات الحياة آنذاك .‏

التويجات الثلاثة البازغة من رحم الأم والأرض والإنسان كانت تتلمس خُطا شعراء روّاد الحداثة خلال تلك الحقبة في الوطن العربي ، قبل أن تحاول تكوين صوتها الخاص بها كما يحدث عادة في أي تجربة شعرية وليدة غضة الأهاب : عبد الكريم كان معجباً بالسياب وطريقته في بيان القصيدة وبنيتها فكان شعره في تلك المرحلة شعر القرية السيابية ، ومصطفى كان مأخوذاً بخليل حاوي ورموزه التموزية ، فكان شعره يسعى لتمثل المعاناة الانبعاثية الحضارية للإنسان العربي الممزق في خضم عصر التحديات الاستعمارية وجنون الآلة ، وأنا غرقت في التفاعل الخصب مع رومانسيات صلاح عبد الصبور وأحزانه الساجية ، أتجاوب معها وأعزف على معزفها بمعزفي ...‏

وسنة وراء سنة كانت تتوطد بيننا نحن الثلاثة عرى الصداقة والشعر والحياة وتلتحم وتتناسج ، كان عبد الكريم شاعراً مُثابراً ينمي ثقافته التراثية ويطعمها بروافد معطيات العصر الحديث وبتياراته الفكرية ومدارسه الأدبية ، وما يزال على سنته هذه لا يحيد عنها فشخصيته الشعرية هي مزيج متآلف منسجم من إضاءات التراث العربي وتشكيلات الحداثة المعاصرة في كينونته الإنسانية وإبداعه الأدبي على حد سواء ، وإذا عاينا جماع شعره على مدار دواوينه التي أصدرها حتى الآن ، نرى هذه القدرة البالغة على تشكيل قصيدة حديثة حداثة الانتماء ، لا حداثة التقليد ، قصيدة لا تقطع خيوطها مع الماضي وإنما تستلهم نقاطه المضيئة وبؤره المشعة وتضرب عمقاً في تقصي جوهره واستنبات بذوره وتطمح إلى أفق المستقبل فترنو إليه بعين بصيرة وتستشرف أبعاده . إن لغته الشعرية مفتونة باللفظة العامرة التي تمتح من بئر الصياغة البلاغية العربية في جزالة رقيقة انسيابية وتتشذى في الوقت نفسه بعطر رهافة الحداثة وانبثاق إيحائها وومض رمزها وشعاع تأثيرها لتعبر في عملية انصهارها ضمن بُناها الفنية والتعبيرية عن عالم الناس الطيبين المطحونين المستلبين الضائعين بهمومهم اليومية ومعاناتهم القاسية ، إن لشعره منطقة حساسة بين الواقع والحلم ، بين الممكن والمستحيل يزيد من فعالية تأثيرها قدرة الشاعر على التصوير الشعري الفنان الذي يستمد مفردات اللوحة الشعرية وألوانها وظلالها من مفردات البيئة ، ومعايشات الحياة ومن نبض الطبيعة وحركة تبدلها ، ومن الهجس الصوفي والفلسفة الاشتراكية والانتماء القومي ولفحة الوجع الأكبر أو السعادة الكبرى ، لفحة الوجود بكل ثرائه وغزارة معانيه وعمق أبعاده وتسطُّع إيحاءاته وإيغال مدلولاته ، إن لغته الشعرية مطواع في زخم قلبه قبل أن تكون مطواعاً على لسانه وقلمه ، لغة كالوابل المدرار تزخ بريش مطري مخصاب ، لا تستعصي ولا تمانع ...‏

( ( (‏

عندما يستفيض بي الألم ، تتعتق أحزاني ، تتعاظم انكساراتي النفسية ، أشعر بأنني أكاد أختنق ، يضيق علي الوجود ، بما رحب على الناس عندما كلُّ ذلك يستبد بي ، وأكثر منه مما لا يوصف أو أخفق في وصفه ، أستنجد بواحة عبد الكريم .. أهتف له … وأشكو له … أقول : أنا أحس بالصدأ ، بالفراغ .. بالعدمية .. باللاجدوى فينجبس نبع صوته الريان على الهاتف : تعال إلي ….. تعال إلي …‏

غرفة شاعر … فوضى منظمة … كتب .. أشرطة .. مسجلة . ربابة متكئة باستسلام ووداعة على الحائط ، صورة والدته – والدتي – الفلاحة الصبور ، الحكيمة ... سرير خشبي واطئ حتى الأرض عارٍ من الحواجز .. لوحات تزينية … مجسمات … فروة صوف بدوية معلقة ، عقال ، حطاطة .. على علاقة بجانبها تدلت مجموعة ربطات عنق ، صور أدباء عرب وأجانب تملأ الجدران… غرفة متواضعة لكنها غنية بالايحاء .. هنا ولدت معظم قصائد عبد الكريم .. في ليلها الشتوي الدافيء… ضمن حيطانها المتطلعة إلى الشاعر بعيون من شيح ونرجس… تحت سقفها الحاني على قلبه المرهف .. …‏

هنا في هذه الغرفة ، وبلمح البصر تهيئ أسرة الشاعر المضياف وجبة من دسم المحبة منوعة ملونة ، تنبسط على مائدة ، تتوسطها المشروبات الروحية …… وهنا يبدأ البوح والانهمار …… وتنطلق سمفونية الحنين والحنين والحنان ، والحنان .. هنا تنفرط مسبحة المسارّات…. حبة وراء حبة … قد تغرورق العيون بالدموع … قد يأخذ الضحك الأعمى بالخواصر حتى تكاد تنفلق .. وقد يسود صمت وجيع… هنا أقضي مع صديق الرحلة .. رحلة الحياة ، ورحلة الشعر ، ورحلة الهموم الواحدة . أعذب لحظات عمري وانشحن من جديد بقوى جديدة ، أستلهمها من عبق الإنصات إليه ... وأُغادر وأنا على موعد نفسيّ في صباح اليوم التالي مع شمس جديدة ، قد تسطع بالنسبة إلي يوماً .. أو أسبوعاً .. أو شهراً ... ثم تغيب ، وعندئذ أشعر أنني لا بد أن أعود إلى الغرفة ثانية … و … أعود …‏

( ( (‏

وعود على بدء ثانية ….‏

في إطار مدرسة الحداثة الشعرية أدهشني الصديق الخاص بصداقتي معه وله المبكر والسابق والرائد في انبثاقاته الابتداعية الشاعر الراحل الفقيد موريس قبق في بعض نحته الشعري وكدّه وتعبه في ابتكار قصيدته وشغله المتأني في صياغتها وعودته في عدد من نصوصه إلى الموروث الأسطوري غير العربي وشحّه في ( النظم ) حتى لم يخلف سوى ديوانه الوحيد الصغير ( الحب واللاهوت ) طوال عمره الشعري ، ... أدهشني هذا القديس في محراب الفن الراقي ، بصمته المطلق عن قول الشعر أو روايته أو إلقائه لقصائده أو قصائد غيره أو الخوض في أحاديثه وتجلياته والحوارات حوله ونسيان أو تناسي لفظه ( الشعر ) ودفنها من معجمه الحياتي أو الهروب من ذكرها في جلساتي الحميمة معه أو مع سواي أو افتعال أي كلام أو مسايرة خارج نطاقها ، وانتقاله بعد أن يئس من ( عالم الشعر ) إلى عالم آخر مغاير له كل المغايرة ، غريب عنه كل الغرابة ، هو عالم التجارة والمادة ومشاريع الاستثمار والربح .. كيف من برج في السماء هوى فجأة إلى تراب في الأرض ، من علياء الروح إلى حضيض المال دفعة واحدة سفسف بجناحيه .. ماالسر الخفي وراء هذه المفارقة المحزنة تجعلنا نخسر كما تخسر حركة الحداثة الشعرية العربية شاعراً كان يمكن أن يكون عظيماً وكبيراً لو استمرّ في لغة الحرف والكلمة ولم يجنح بها إلى لغة الأرقام والحسابات ، ولكنْ دعونا نتذكر الشاعر الفرنسي الأسطورة ( رامبو ) الذي طلّق الشعر طلاقاً أبدياً وله من العمر تسع عشرة سنة وأصبح تاجر عبيد وذهب وسلاح في الحبشة ، بعد أن استحال عليه تحقيق ( مشروعه الشعري ) المتخيّل ، مشروعه الجمالي الخارق … إن موريس صورة عصرية من صور رامبو بمعنى ما مع اختلاف الظروف والبيئة وملابسات ( الصمت ) لكلٍ منهما .‏

5- … … …‏

ولهذه الذكريات العذبة بقية قد أُتابع سردها لاحقاً ……‏

__________________________‏

( كُتِبَ هذا النص عام 1982 ويُنشر للمرّة الأولى .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244