جريدة الاسبوع الادبي العدد 1095 تاريخ 15/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ضريبة المبدع ـــ وليد معماري

دفع كثير من المفكرين والمبدعين حياتهم ثمناً، أو ضريبة، لإبداعهم.. والقائمة، ربما تبدأ من سقراط، آخر السفسطائيين، وأول الفلاسفة.. وقد حكم عليه بتجرع السم طوعاً حتى الموت بتهمة التجديف على آلهة اليونان... ويحفل تاريخنا العربي، كما تاريخ كل شعوب الأرض، بوقائع قتل موصوفة لمبدعين ومفكرين، إما لتجاوزهم الخطوط الحمر المرسومة من الخليفة، أو لأسباب محض سياسية... وقائمة الأسماء تطول.. أذكر منها، على سبيل الأمثلة، لا الحصر، عبد الله ابن المقفع (ت: 759م.)، الذي قتله الخليفة العباسي المنصور لأسباب سياسية، وأماته شر ميتة بأن أمر بدفنه في تنور مشتعل.. وابن المعتز، أبو العباس عبد الله (ت: 908 م.) وقد مات خنقاً.. وأذكر الحلاج الذي صلب، وأبا الطيب المتنبي... وعبد الحميد الزهراوي، وعبد الرحمن الكواكبي.. وفي العصر الحديث يمكن على سبيل المثال، لا الحصر ذكر غسان كنفاني، وكمال ناصر، وعلي ناصر، ومهدي عامل، وحسين مروّة، وناجي العلي.. والقائمة تطول.. (ويمكن الرجوع إلى كتاب – قصائد قتلت أصحابها- لعبد المعين الملوحي، لاستكمال القائمة).‏

ولا يمكن نسيان الشاعر الإسباني فِدريكو غارثيا لوركا الذي أعدمته كتائب الموت التي كانت تعمل تحت أمرة الفاشي فرانسيسكو فرانكو أواسط عام 1936.‏

وثمة جريمة غادرة لحقت بالقاص والروائي الفرنسي إيميل زولا (1840 _ 1902) تشبه القصص البوليسية... ويعتبر زولا زعيم المدرسة الطبيعية الواقعية.. وقد تميز بنزعة اجتماعية اشتراكية، وترجمت له العديد من القصص والروايات إلى العربية، ومنها روايته (جيرمينال)...‏

خرج زولا مع زوجته صباح الأحد 28 أيلول عام 1902 من منزله العادي في أحد أحياء باريس، إلى منزله الشتوي في شارع بروكسل.. وكان قد سبقهما خادمهما لتحضير المكان، وقام بإشعال بعض قوالب الفحم في غرفة الكاتب.. لكن القوالب لم تشتعل بشكل طبيعي، مما اضطر الخادم إلى إطفائها.. ويبدو أن الكرات لم تنطفئ تماماً، وظلّ دخانها يتصاعد بطيئاً، غير مرئي.. وحين نام زولا وزوجته في الغرفة.. تأخرا في الاستيقاظ على غير عادتهما.. وهذا أثار شكوك الخادم، فقام باقتحام الغرفة، ليجد زولا مرمياً على الأرض، وقد فارق الحياة متسمماً بغاز أول أوكسيد الفحم.. أما المرأة فقد نقلت إلى المشفى..‏

بعد سنوات طويلة.. وقبل وفاته بقليل، اعترف المدعو هنري بورونفوس بأنه هو الذي سدّ مدخنة المدفأة على سطح منزل زولا الشتوي..‏

ولد هنري هذا لأب مجهول.. وأصبح مالكاً صغيراً لمصنع مداخن، وكان من القوميين المهووسين.. وأثناء وجوده على سطح قريب من سطح بيت الروائي، اقترب من مدخنة زولا، وقام بتغطية فوهتها.. وعاد في اليوم التالي ليرفع الغطاء عنها، ويخفي جريمته...‏

والسؤال: هل على المبدع الحقيقي الشجاع أن يدفع ضريبة عن إبداعه، قد تنال من حريته، أو تودي به إلى التشرد والجوع، أو السجن، أو المنفى، وربما إلى الموت القسري؟..‏

والجواب المختصر: ربما!...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244