جريدة الاسبوع الادبي العدد 1095 تاريخ 15/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مدارات.. ـــ طلعت سقيرق

سبقتني بخطواتها السريعة.. أصبحت المسافة بيننا كبيرة.. كنتُ ألهث.. خرج صوتي مبحوحاً وأنا أناديها: "انتظري.. انتظري يا سعاد.. قلبي يكاد يتوقف".. لم تسمع.. أخذ النبض يعلو.. شعرتُ بغصة في الصدر.. كانت تصعد الدرجات ، شعرتُ بذلك.. جلستُ على الرصيف وأغمضتُ عينيّ.. هناك في البيت قرب التلفاز كانت تجلس.. دنوتُ منها ، طويتُ قامتي ، قلت :‏

- السفر أنهكني يا سعاد.. ما عدت أستطيع المواصلة..‏

ضحكتْ.. قبضتْ بيديها على كفي وقالت:‏

- كل سنة تقول مثل هذا الكلام ثم تسافر.. تعودتَ السفر يا رضوان.. ما عاد بمقدورك البقاء.. صرتَ مثل الطيور المهاجرة.. ترحل في الشتاء وتعود في الصيف..!!..‏

هززت رأسي.. كان كلامها صحيحاً.. لكنه السفر وقد أتعبني.. ما عاد باستطاعتي المواصلة ، خاصة بعد أن تسلّم إدارة المدرسة مدير جديد يظنّ أن العالم مفصّل على مزاجه وهواه.. يريد أن نكون كلنا كما يتخيل.. في المرة الأخيرة قال لي:‏

- طريقتك في تدريس اللغة العربية ما عادت تتماشى مع العصر..‏

قلت بهدوء :‏

- وهل غيّر العصر شيئا من قواعد أو علوم اللغة العربية؟؟!!..‏

- اسمعني يا أستاذ رضوان هناك طرق جديدة في التدريس تعتمد على العرض والصور وسواها.. العالم دخل عصر المعلومات والتقانة.. استعن يا أخي بما استجد من تطورات..‏

- أتريد أن أجعل الفاعل منصوباً مثلاً؟؟!!..‏

- لا داعي للسخرية، هناك برامج تفيد في إيصال المعلومات.. لماذا لا نستفيد منها؟؟..‏

- اللغة العربية لا تدرس إلا هكذا.. أنا خريج لغة عربية وقد درست اللغة هكذا طوال سنوات وكان طلابي من أفضل الطلاب ولا أستطيع أن أغير وأبدل !!..‏

- من قال لك أن تغير أو تبدل.. الاستعانة بالكمبيوتر وسواه لا تعني أن نغير ونبدل في اللغة.. علينا أن نقدم المعلومة بطريقة جديدة.. كم عمرك أستاذ رضوان؟؟..‏

/..العمر.. السنوات.. أحياناً تركض الأيام بشكل غير طبيعي.. لا تشعر إلا وأنت في الستين، عندها تجلس على حافة الزمن وتأخذ في التفكير.. السنة الماضية مات أحد الزملاء بالسكتة القلبية.. عمره كعمري.. خفت.. شعرت بغصة.. قلت هاهو الموت يقترب.. كيف ستهرب منه يا رضوان؟؟.. الانفعال يزيد لهاثي ويجعل رئتيّ مضغوطتين.. أعطاني الطبيب بعض الحبوب وبخاخاً أستعمله وقت الحاجة.. كنت أنسى البخاخ في البيت.. عليّ أن أصعد الدرجات حتى الطابق الرابع.. هذا مرهق وقاتل.. ناديتها ولم تسمع ، صارت المسافة كبيرة../..قال الطبيب وقتها :‏

- ربما من الأفضل أن تغير السكن.. ثم أن تبتعد عن الغبار والزيوت والروائح الشديدة كلها حتى وإن كانت رائحة العطر.. أهم شيء أن تخرج من البيت حين ينظفون السجاد.. الغبار عدوك الأول.. وهناك روائح شديدة تجعلك تصاب بنوبة ضيق تنفس.. انتبه جيداً لذلك..‏

- جو المدينة كله ملوث يا دكتور.. أين سأهرب؟؟..‏

- تجنب ما يؤذيك قدر المستطاع يا أستاذ قدر المستطاع.. لن أقول لك ضع قناعاً واقياً وأنت في الطريق.. لكن قدر المستطاع أستاذ قدر المستطاع..‏

- حياتنا كلها شقاء وانفعالات وروائح تشعرك بالغثيان.. ماذا أقول لك؟؟.. أحياناً أشاهد نشرة الأخبار فأشعر بضيق التنفس.. هل أبتعد عن الأخبار أيضاً؟؟..‏

- إبتعد عن كل شيء يثير انفعالك..‏

- كأنك تطلب مني أن أترك هذه الدنيا.. قل لي بربك ما هو الشيء المريح في زماننا العجيب هذا؟؟..‏

- يا أخي أي شيء في الأخبار غير المآسي؟؟!!.. ثم ماذا ستستفيد من الأخبار؟؟..‏

- لكنها تتعلق بنا.. بلادنا محاصرة كلها.. أليس من حقنا أن نعرف مصير بلادنا ومنطقتنا؟؟..‏

/.. المذيعة تنظر إليّ بشكل محايد.. ثلاثون قتيلاً مدنياً في انفجار!!.. طائرة إسرائيلية بدون طيار تطلق صاروخاً يفجر سيارة ويقتل كل من فيها.. المذيعة بعد أن تقدم وجبة من المآسي والموت تسأل أحد المعلقين الذي يأخذ في الحديث عن أشياء لا علاقة لها بما يحدث/.... سألني الأستاذ سمير بشيء من الحيرة والضياع :‏

- هل ستصبح إسرائيل دولة معترفاً بها من الجميع؟؟..!!..‏

قلت بتأفف:‏

- يا أخي وماذا تريد منا أن نفعل.. بقينا في الساحة وحدنا..أعطني شعباً قدم ما قدمناه... سنوات ونحن نقدم الشهداء..‏

- هل يعني ذلك أن تختصر فلسطين إلى دولة بحجم الكف؟؟..‏

- هات حلاً آخر وخذ عمري يا أستاذ سمير.. هل تريد أن نناطح العالم كله.. هل نقاتل حتى نفنى؟؟..‏

- يا أخي معكم كل المسلمين والعرب..‏

- لا أدري إن كنت تسخر أم لا.. على كل لستُ موافقاً على بقاء إسرائيل.. فهل يعني هذا شيئاً؟؟.. !!..‏

- يعني.. عندما نجد الكثير مثلك يتغير الحال..‏

- ربما.. ما علينا إلا الانتظار..‏

/..في السنة الأولى من سنوات السفر رأيتها في المدرسة.. كانت محط أنظار الأساتذة كلهم.. كنت أنتظر أمام المدرسة كمراهق حتى تخرج.. كنت أتظاهر بأنني أحدّث أحد الطلاب.. أمشي وراءها.. تلتفت أحياناً وتبتسم.. أشعر باحمرار أذنيّ ووجهي.. تدور الدنيا.. ألهث.. يلاحظ الطالب الذي يسير إلى جانبي ما اعتراني فيضحك بخبث..تقفز كلماتي دون مقدمات:‏

- أيام الامتحان اقتربت يا فريد.. أرجو أن.. الآنسة نشوى ماذا تدرسكم..‏

- اسمي خليل يا أستاذ.. !!.. الآنسة نشوى تدرسنا الرياضيات..‏

- آه طبعاً.. طبعاً.. خليل.. الرياضيات.. أعرف أنك مجتهد يا فريد.. لا بد أن تكون من الأوائل..‏

يضحك الطالب لأنه لا يعرف ولن يعرف غير النجاح العادي.. هذا إن نجح.. تلتفت نشوى مرة أخرى.. تتجمد الكلمات في حلقي وأشعر بالدوار.. أتوقف.. يعلو صوت لهاثي.. تستقبلني دون مقدمات نوبة من نوبات ضيق التنفس.. أشعل لفافة تبغ وكأنني أستل الخنجر الذي أريد أن أطعن به نفسي.. ويمتد السعال والصفير وعلو الصدر وهبوطه!!..‏

- أنت أخبرتني أن الأطباء نصحوك بترك التدخين فمتى ستفعل؟؟!!..‏

- آخ يا سعيد.. صار التدخين جزءاً من حياتي ، وصارت حياتي جزءاً من التدخين.. لا تهتم أشعر أن موتي قريب ، فلن تغير السيجارة شيئاً..‏

- الله يرحم الوالد يا رضوان مات وهو يدخن..‏

- يا أخي أنت حاولتَ ترك التدخين أكثر من مئة مرة دون جدوى.. فكيف أفعل أنا؟؟..أنت أخي الأكبر يا سعيد.. أنت قدوتي.. انبسط يا عم..!!..‏

- رضوان لا داعي للف والدوران صحتك لا تحتمل التدخين... الربو والتدخين لا يجتمعان..‏

- سأحاول أن أتركه يا أخي سأحاول..‏

- ربما هي المرة الألف بعد الألف التي أسمع بها "سأحاول" هذه!!.. أنت تقتل نفسك!!..‏

- كلنا سنموت..‏

- يا عيني على المثقفين.. كان الوالد يقول رضوان مثقف وفهمان.. ليته يسمعك.. أعرف أننا سنموت.. لكن أن نقتل نفسنا شيء وأن نموت بشكل طبيعي شيء آخر.. يا مثقف!!..‏

/ مثقف وتكتب الشعر.. الله.. الله.. ليس هناك في العالم كله مثل الشاعر../ هكذا قالت وهي تقرب وجهها من الورقة التي كنت أخربش عليها..‏

- أي شعر يا سيدتي.. هذا كله لغو.. كلام.. مجرد صف كلام.. الشعر يحتاج إلى الكثير مما لا أملكه..‏

- أنت تتهرب من كتابة قصيدة عني.. لا أدري ماذا تريد من الملهمة أن.. انظر.. هل هناك أجمل مني..؟؟..‏

/.. الرصيف بارد.. تمنيت أن يكون البخاخ بيدي حتى أوقف هذا اللهيب المستعر في صدري.. ليس من عادتها أن تتركني وراءها وتنسى تماماً.. خرج صوتي مبحوحاً وأنا أناديها :" انتظري.. انتظري يا سعاد.. قلبي يكاد يتوقف ".. لم تسمع.. أخذ النبض يعلو.. شعرتُ بغصة في الصدر.. كانت تصعد الدرجات، شعرتُ بذلك.. جلستُ على الرصيف وأغمضتُ عينيّ..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244