دفتر الرماد ـــ هالة المحاميد
الغضب يطلع من كلّ شيء..، من الأرض التي تشققت من الدماء..، من الذين
يصطفون كلّ يوم أمام مرصد حقوق الإنسان يطالبون بحقوقهم..، من صور أولئك
المغتالين التي يحملونها في أيديهم ويصرخون..، من أولئك الذين قتلوا
أحبتهم وأحلامهم ليستوطنوا معهم المدينة ذاتها والحي ذاته..!! الغضب يطلع
من كلّ شيء... من نساء كتمن حقدهن وخوفهن لسنوات حين كان يهاجمهن سارقو
الرؤوس ويغتصبوهن عنوة، فخرجن للشارع ينادين بوقف الموت والتوحش..! من
أطفال يئسوا من عودة آبائهم بعد أن رأوا الرؤوس تتدحرج أمامهم وحافلاتهم
تشتعل ناراً ومدارسهم تحرق في عز الظهيرة...! وتمتد اللحظات حريقاً في
أوصالي...، وأركض يجتاحني سعير الذي يحدث داخل هذا الوطن..، جارحة ساعات
الزمن البطيء حين تصب في دمي برداً لا يلين...
أفتقدك.. وأجلس إلى صمتي الطويل..! أفتقدك.. وتجرني قدماي إلى المقعد
الذي كنا نقتسمه معاً ذات مساء لن يعود.. أجلس وفي داخلي تهبط الذكريات
الذائبة مع ثلج السنوات الراحلة... أتأمل المكان الفارغ إلى جانبي...
أتحسسه بيد مرتعشة فتزداد برداً وأزداد رغبة في أن تعود!! أتمنى في تلك
اللحظات لو تركت ذاكرتي على ذاك المقعد لأعود دونك فتهدأ المسامير
والأشواك التي تلسعني بلا توقف..! أتمنى لو أصير تمثالاً يقبع هنا على
هذا الكرسي يعتاد المارة ألا يأبهوا بوجوده..!! لكن أمنياتي تستحيل
ويستحيل معها نسيانك أيها الرجل الذي أشعل صبحه في دمي. وها أنت تخلفني
في غابة النسيان حيث لا شيء سوى وجهك يملأ فجوات الذاكرة المزدحمة..،
أحاول أن أوقف شلال الدمع، أن أرسم نجمة في الأفق لا تغيب، أن أوقد عود
ثقاب لتغيب الظلمة ويولد الصباح..، ولكن لا شيء ظلّ سوى الرماد..، قلب من
رماد..، دفتر من رماد..، وعمر من رماد..! ها هو الرماد يسدّ منافذ
القلب.. وها هي الحرائق تأتي إلى كلّ مكان لتأتي على كلّ شيء.. بساتين
التفاح والليمون يتصاعد دخانها بعد أن صارت زرقة النهر احمراراً، يمطر
القلب حزناً داكناً وتصير الشمس كسوفاً متواصلاً..! والمواعيد الخضراء
كلها تتأجل.. ووجهك يستريح في عيني وترحل الذاكرة إليك.. وجهك يمتد بين
قلبي وقلبي..، وأهب العمر لأسرقك حلماً جميل.. إنهم يزرعون الأرض ألغاماً
ويطرزون لعب الأطفال قنابل موقوتة!! يا لجنون ما يجري في هذا الوطن..! هو
القلب يصرخ بلا توقف، وها أنا أشيعك وأشيع معك وطن كان أنت.