|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الهدية ـــ قصة قصيرة بقلم: إياد جميل محفوظ في أقصى الدرج الأخير من مكتبها حشرت علبة صغيرة تحت ملفات وأوراق عتيقة.. كانت مغلفة بورق أنيق زاهي الألوان.. يغلب عليه اللون الأحمر.. على أن القلق والحزن باتا يهيمنان على الزهرة البلاستيكية الوردية التي تزين أحد وجوهها.. فقد مضى أسبوع أو كاد وما تزالُ العلبة تتوسل إلى أنامل حانية تمتد إليها لتسفح قطراتٍ منها حتى ولو تناثرت تلك القطرات على خد فضاء حزين. حين ينزلق مفتاحها في قفل باب المكتب تشرع الساعة الجدارية المسترخية في صدر غرفة السيد كامل بإصدار تسع دقات متتالية.. كم يسعدها هذا.. تشعر مع رنينها براحة داخلية.. وتستبشر بيوم عمل جديد يسوده الخير والبهجة.. وعلى العكس من ذلك تحس بشيءٍ من الانقباض إذا ما فاتها موعد انطلاق دقاتها التسع.. مع أنها تدرك تماماً أن السيد كامل لا يأتي إلى مكتبه قبل الحادية عشرة على أحسن تقدير. هناء.. في أواخر الثلاثينيات من عمرها.. تنحدر من أسرة منَّ عليها الزمان بقدرٍ غير يسير من الفاقة والبؤس. تنحي حجابها عن رأسها بعد أن توصد الباب من خلفها.. الحيوية والسرور يغمرانها وهي تنظف المكتب وتعيد ترتيب أرجائه.. فقد دأبت على ذلك منذ أن عملت لدى السيد كامل بصفة سكرتيرة قبل عشرين عاماً. تجلس خلف مكتبهـا.. تراجع بعض الأوراق.. تدقـق فيها.. تسجل ملاحظات عدة.. باتت تلك المنضدة والهواء المنتشر في أنحاء المكتب والسيد كامل الذي تعده أخاً كبيراً لها.. أمسى أولئك كلهم يشكلون أفراد أسرتها البديلة التي صنعتها بجهدها وإخلاصها لعملها.. وهذا ما جعل العلاقة بينهما تمضي على نحو ٍ تعدى أن يكون علاقة موظفة مع صاحب عمل. السيد كامل سليل أسرة عريقة.. لم تعترض حياته أية عقبات.. كما أن مسيرته حفلت بالنجاحات.. مما أكسبه ثقة متنامية بنفسه.. كان يعتقد أنه يمتلك شخصية فذة تتمتع بمساحة عريضة من خفة الظل والنباهة والفطنة. كان يستمتع بعبارات الإطراء التي يكيلها له أبناؤه الثلاثة مثل: قاموس متنقل.. كومبيوتر.. فبديهته حاضرة دائماًً للرد على تساؤلاتهم التي لا تنتهي أبداً.. ومن جهة أخرى كان قادراً على ابتداع اللحظات المرحة الساخرة في أشد الأوقات مقتاً.. ولكن ماذا يفعل المرء حين يخذله ذكاؤه. خمسة آلاف ليرة.. راتب يفوق إمكاناتها.. تحتفظ بنزرٍٍ يسير منه ويذهب جله لأسرتها.. فوالدها رجلٌ متقاعد.. وجدتها لأمها لا تجيد سوى الثرثرة والدعوات الطيبة لأولادها وحفدتها.. فضلاً عن أن أخاها الوحيد رقيق البنية لا يقوى على ممارسة أي عمل. لطالما شغلت أعباء المنزل ومسؤولية المكتب حيزاً مهماً من حياتها دون أن تكون يوماً مــن أولئك الذين يشعرون أن روحهم مثقلة بالهموم.. بل كانت تدمن الامتنان للأشياء الصغيرة. استيقظ السيد كامل كعادته في حوالي العاشرة صباحاً.. نهض متثاقلاً.. أخذ حماماً.. تناول إفطاراً شهياً.. وبينما كان يرتشف القهوة مع زوجته.. أخبرها أنه ينوي أن يلهـو قليلاً مع سكرتيرته هناء هذا اليوم. في الصيف الماضي زاره صديقاه باسل وفادي المغتربان في بلاد الخليج.. الأول يعيش حياة هانئة مع زوجته وأولاده.. أما الآخر فقد انفصل عن زوجته منذ سنوات عدة.. وانصرف إلى تربية ولديه.. مبدياً حيناً خشيته من الارتباط مرة أخرى وذلك ليدرأ عن ولديه أدنى ظلم ٍ قد يصيبهما من زوجة أبيهما.. ومعلناً حيناً آخر عن رغبته في العثور على فتاة تسعى إلى رجلٍ ينتشلها من العنوسة المزمنة ووحشة المضي وحيدة في درب الشيخوخة. (لا مثيل لها.. مرضية.. شايلة أهلها..) عبارات تبدو مجرد كلمات بسيطة.. ولكنها أمست كإيقاعات لحن صامت باتت تعين هناء على مداواة تصدع جدران قلبها.. لقد منحها أخوها الصغير قبل عامين طعماًًًًًً آخر للحياة حين وهبته قطعة من جسدها.. وهذا ما أعاد صياغة تفاصيل شخصيتها على نحو جعلها تغدو أكثر توازناً وأشد ثقة وإشراقاً.. وبعث الدفء في ممرات روحها الباردة بعد أن كادت تفقد أبسط معاني الحياة. قبل عشر سنوات بدأ مسلسل تسرب أخواتها من منزل الأسرة الصغير. آنذاك لم تشعر هناء بمشاعر غير مشاعر السعادة الغامرة حين تزوجت أختها الأصغر منها بعامٍٍ واحد. في المرة الثانية أحست بشيء ما يزحف على جدار صدرها يُشبه الشروخ التي تصيب الحائط وتكاد لا تُرى بالعين المجردة، وذلك حـين تزوجت أختها التي تصغرها بأربع سنوات. تنامت هذه الشروخ وغدت شقوقاً بغيضة.. راحت تضغط على جدار صدرها بعد أن انتقلت أختها الثالثة إلى منزل زوجها. أما أصغرهن التي ولدت بعدها بأربعة عشر عاماً فقد كانت الأجمل بين البنات جميعهن.. فلم تصمد طويلاً.. وهذا ما أصابها بصدمة قوية.. جعلت تصدعاً مزمناً يقبع في أعماق نفسها. غير أنها كانت تتمتع بقدرةٍ نادرة على كبح مشاعرها إلى الدرجة التي لم يتح لأحد حولها حتى أن يلمح ولو طيفاً مما يجول في أغوار صدرها.. فقد كانت تعد نفسها بمنزلة الأم لهن بعد أن رحلت والدتهن وهي تضع ابنها الوحيد. مع الأيام نسجت من أحلامها المكبوتة رداءً شفيفاً يتناغم مع نسيج روحها.. وباتت تلك المنضدة والهواء المنتشر في أنحاء المكتب والسيد كامل الذي تعده أخاً كبيراً لها.. أمسى أولئك كلهم يشكلون أفراد أسرتها البديلة التي صنعتها بجهدها وإخلاصها لعملها. ألقى السيد كامل تحية باسمة على هناء وهو يعبر إلى غرفة مكتبه.. ما هي إلا دقائق معدودة حتى قدمت له قهوته الصباحية. وبينما كانت هناء تنسحب من غرفته هتف قائلاً: ـ ارجعي من فضلك. ما إن عادت حتى باغتها بشيءٍ لم تكن تتوقعه. ـ هذه الهدية أرسلها لكِ فادي من الخليج. وضعها على طرف منضدته بلا مبالاة.. وتظاهر بالانشغال في قراءة ورقة موجودة أمامه.. تناولتها بأنامل خجلى.. فـي حين سرت في عروقها قشعريرة غريبة.. لم تألفها من قبل. فتحتها.. التمعت في عينيها صورة علبة مغلفة بورق زاهي الألوان. أوشكت ساقاها تخذلانها وهي تهمس بصوتٍ خفيض مرتعش: ـ هل صحيح ما سمعت؟ أحقاً هذه الهدية من صديقك فادي؟ التفت نحوها بوجه ترتسم عليه إشـارات التعجب وبادرها بنبرة مستهجنة: ـ أأنا قلت إن هذه الهدية من فادي!.. لا لم أتفوه بذلك.. أعتقد أن العلبة تحتوي زجاجة عطر.. فقد بعثها لكِ باسل كما وعدك في زيارته الأخيرة. هتفت بصوتٍ متحشرج: ـ أستاذ كامل.. لقد أخبرتني أن فادي هو الذي أرسلها. ـ لا.. لم أقل فادي.. بل قلت من باسل. ـ أرجوك.. قل إنك تمازحني.. ـ لَِمَ تعتقدين أنها من فادي؟ ـ لأنك أنت الذي أخبرتني بذلك. ـ هناء.. الذي وعدك بإرسال زجاجة العطر هو باسل وليس فادي.. وها هـو قد وفى بوعده. أخذت أصابعها الرقيقة المرتجفة تداعب العلبة المجهولة بأحاسيس حائرة.. ثم ما لبثت أن بادرته ثانية: ـ أستاذ كامل.. أرجوك أخبرني بالحقيقة.. هذه الهدية من فادي!.. أليس كذلك؟ أطلق قهقهات ساخرة ثم بادرها باستخفاف: ـ حسناً.. كما تشائين.. فلتكن من فادي.. إنها هدية ٌ فحسب. حينها تساءلت: ـ لماذا معظم البشر لا تتزحزح أعينهم عن أحلامهم.. بينما تجري أحلامها أمام عينيها دون أن تتمكن من إدراكها. لم تعد تدري كم عدد المرات التي جالت في بالها تلك الخواطر خلال الأيام السبعة الفائتة.. وقد اختلط في أعماقها الخيال بالحقيقة إلى الحد الذي لم تعد تقوى على التفريق بينهما.. وما تزال العلبة الفاتنة منزوية في أقصى الدرج الأخير. كم عانت حتى تمكنت من ترويض أحلامها عبر مسيرتها الموجعة وجعلها تتنحى راضية مرضية.. وإذا بأنياب الزمن اللعينة تدهمها بمزيجٍٍ من السماجة والسخرية.. فتعبث بأحاسيسها كمخدرٍ يبدو لذيذاً في لحظاته الأولى.. يشعرها بشيءٍ من النشوة.. ثم ما يلبث أن يصفعها بشدة.. فيتبدد الخدر اللذيذ.. وتتوارى أحلامها مذبوحة من الألم.. وتغدو كنبتة هرمة جفت عروقها. تعاود إيقاعات لحنها الصامت العزف من جديد.. يشتد نشيجها.. لعلها تقوى على ترميم تصدعات صدرها المزمنة. في تلك الأمسية الباردة من ليالي الشتاء حيث تخترق درجة الحرارة حاجز الصفر.. فتتهادى تحته طائعة.. وهذا ما يدفع أغلب الناس إلى أن يلوذوا بمنازلهم وكأنهم مسجونون فيها. أوشكت ساعات الليل على النفاد ولم تطرق بعد أية قدم عتبة مكتب السيد كامل. نهضت هناء بهدوء.. دنت من المدفأة الكبيرة بخطا حائرة.. جعلت قطرات الوقود تنهمر بسرعة.. فزأرت النار بداخلها.. لبثت بجوارها.. أنشأت تستأنس بالوهج المنبعث منها.. لعله يذيب الجليد الرابض على صدرها.. في حين راحت عيناها تتأملان الحديقة المجاورة من خلال النافذة المنتصبة قبالتها.. تراءت لها الأشجار المنتشرة في أرجائها كشواهد بائسة في مقبرة مقفرة.. لأول مرة تلاحظ أنها باتت تشبه تلك الأغصان الجرداء التي استسلمت لرغبات الأقدار العاصفة بها. اشتد عويل الرياح في الخارج.. وأخذت زخات المطر تطرق زجاج النافذة.. بينما راح هزيج النار يتصاعد في المدفأة.. فأخذ بخار الماء يتكاثف أمام عينيها الذابلتين فانعكست في عمق الزجاج صورة الباب الخارجي للمكتب. ومن خلال الرياح العابثة بالأغصان الجرداء وشتات الضوء المتسلل عبر حبات المطر الممزوجة ببخار الماء.. تراءى لها وكأن باب المكتب قد استحال بوابة قصر فارهة.. شرع مصراعاها بالانفراج بأناقة ورفق.. في حين لاح خيال رجل يتهادى خلفها.. راح يعبرها بخطا مهيبة.. شعرت أن أنفاسها قد حبست في صدرها حين اكتشفت أن هذا الشخص دون أدنى شك هو السيد فادي.. تسارعت خلجات قلبها.. بينما راحت عيناها المبهوتتان بسحر هذه اللحظات الآسرة تنعم النظر إليه.. لمحت ابتسامة رقيقة ترتسم في عمق عينيه الزاهيتين.. وبدلة رسمية أنيقة تلف جسده الفارع.. بينما كانت يده اليمنى تحمل كيساً زاهي الألوان. استدارت وقد امتلأ قلبها بالرهبة والفزع.. فطفت على عينيها أشد معاني الدهشة والذهول.. بينما كان السيد كامل منهمكاً في عمله مستغلاً هذا السكون الهادئ الفريد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |