جريدة الاسبوع الادبي العدد 1095 تاريخ 15/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المذهب التعبيري وآثاره على الفنون الأخرى ـــ ت.أحمد العمري

فن بصري وأدبي ومسرحي لا يسعى إلى تصوير الحقيقة الموضوعية وإنما إلى تصوير المشاعر التي تثيرها الأشياء‏

والأحداث في نفس الفنان. لذلك لا ينقل إلينا هذا الفن شيئاً عن المظهر السطحي أو الهيئة.فالفنان يحقق غرضه من خلال تشويه ومبالغة وبدائية وخيال في استخدام العناصر الأساسية وعبر استعمال قوي وديناميكي لألوان متنافرة وصارخة. وبمعنىً آخر، إن التعبيرية أحد التيارات الرئيسة للفن في أواخر القرن التاسع عشر وإن خصائصها المتسمة بالتعبير الذاتي الرفيع العفوي والشخصي نموذج للميدان الفسيح للفنانين المعاصرين والحركات الفنية الحديثة.‏

ظهرت هذه المدرسة في ألمانيا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكانت عبارة عن ثورة ضد ذلك الفن وتلك الحضارة التي اعتبرها البعض مزدهرة وجذابة من الخارج ولكنها فاسدة ونتنة من الباطن. قامت جذور هذه الحركة على أعمال الرسام "فان كوخ" و"إدفارد ميونك" و"حيمس إنور" الذين جاء من خلال ريشتهم لوحات زيتية بإسلوب رفيع المستوى، وكان ذلك بين عامي 1885-1900‏

و قد استخدم هؤلاء الفنانون الخطوط والألوان المعبرة لتحري المواضيع الدرامية والعاطفية ولنقل مظاهر الخوف والاستياء وشيء من الفن الزخرفي أو فقط لتمجيد الطبيعة والعالم الخارجي بإسلوب حاد أقرب إلى الهلوسة أو الهذيان. كما أقلعوا عن عادة تصوير الطبيعة بطريقة موضوعية وذلك للتعبير عن وجهات نظر ذاتية أو حالات ذهنية مزاجية.‏

(في هذه اللوحة الزيتية يصور الرسام التعبيري " ميونك" حياة تناتبها المعاناة ويلازمها الموت. ويرى الناظر أن رقصة مسعورة ً تهيمن على الشخصيات الرئيسة وتشوه وجوههم وتلوي أجسادهم. كما يرى في طرف اللوحة إمرأة في ثياب بيضاء تنتظر الشروع بنوبة شديدة الاهتياج وامرأة أخرى في الطرف الآخر في ثياب سوداء تتفجع على نهاية اشتراكها في هذه الرقصة).‏

في سنة 1905 ظهرت موجة كبيرة ثانية في المدرسة التعبيرية عندما شكل جماعة من الفنانين الألمان جمعية " داي بروك" التي تمتعت بشيء من حرية الحركة. تمرد رسامو هذه الجمعية على ما شاهدوه من سطحية المذهب الطبيعي الذي ظهر في المدرسة الانطباعية. ورغبوا في تعزيز الفن الألماني ودعمه بقوة روحية شعروا أنه يفتقر إليها. وسعوا وراء تحقيق ذلك من خلال أسلوب أساسي وفطري ووسيلة عفوية شخصية رفيعة المستوى.‏

تأثر التعبيريون بأسلافهم الذين عاشوا في التسعينات من القرن التاسع عشر واهتموا بفن الحفر على الخشب في إفريقيا‏

و أعمال فناني عصر النهضة والوسيط في أوروبا الشمالية واطلعوا على المدرسة الانطباعية المحدثة وعلى الفوفية (طريقة في الرسم متحررة من قيود التقليد). والحركات الفنية الأخرى لذلك العصر.‏

و لكن سرعان ما طور الرسامون التعبيريون الألمان أسلوباً اشتهر بخشونة وجرأة وحدة مثيرة للصور الذهنية. كما استخدموا خطوطاً خشنة ومشوهة وألواناً متنافرة لتصوير مشاهد شوارع المدينة ومواضيع معاصرة أخرى تُشاهد في تأليف يتسم بالاكتظاظ والإهاجة إضافة إلى مناخ قلق مشحون بالعاطفة. ويعبر عدد وافر من الأعمال عن إحباط وقلق واشمئزاز واستياء وعنف وعموماً عن حدة مسعورة تهيج الشعور كرد فعل على القباحة والابتزال الفج والاحتمالات والتناقضات التي تُشاهد في الحياة العصرية.‏

حفزت أعمال فناني جمعية " داي بروك" الفنانين في النمسا وفرنسا ولفتتهم نحو التعبيرية وكذلك بعض النحاتين وأحد فناني الزخرفة والكتابة والطباعة في ألمانيا. انتشر النهج التعبيري في ألمانيا في السنوات التي تلت مباشرة الحرب العالمية الأولى؛ فقد لاءمت مناخ ما بعد الحرب الذي ظهر فيه العبارات الساخرة وتقلب الأمزجة والتحرر من الأوهام وابتدع فنانون متأخرون توليفة أو خلطة من التعبيرية والواقعية اتسمت بانتقاد ٍ اجتماعي النزعة وشديد الحدة. ويُلاحظ في عبارات مثل التجريدية التعبيرية والتعبيرية المحدثة أن للمذهب التعبيري بخصائصه العفوية والطبيعية والعاطفية الرفيعة الأثر الكبير على العديد من الحركات الفنية التي ظهرت لاحقاً في القرن العشرين.‏

ظهرت التعبيرية في الأدب رداً على المادية وازدهار البرجوازية والمكننة السريعة والتمدن وهيمنة الأسرة في المجتمع الأوروبي في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. وقد حدث ذلك في الحركة الأدبية التي انتشرت في ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى وعقبها مباشرة.‏

ومن أجل تأليف دراما حول الشكوى الاجتماعية، سعى الكتاب التعبيريون وراء نقل أفكارهم من خلال أسلوب جديد. فاكترثوا للحقائق العامة في فنهم المسرحي أكثر من المواقف الشخصية وتحروا قضايا رمزية نموذجية أكثر من سبر شخصيات فردية مميزة موسعة وموضحة تماماً. ولم يكن التأكيد على تصوير المجتمع الموضوعي فقط أو توضيحه بصعوبة في المكان أو الزمان بقدر ما كان على ما هو ذاتي أو باطني، أي على الحالة الذهنية للفرد. لذلك حل مكان محاكاة الواقع في الدراما التعبيرية تصويرٌ مبهجٌ ونابضٌ بالحياة المزاجية أو الفكرية. وغالباً ما تروي الشخصية التعبيرية في التمثيلية التعبيرية محنتها على شكل مناجاة أو حوار منفرد مصاغ بلغة موجزة وسريعة تسبر القلق الروحي للشباب واعتراضهم على الجيل السابق والعلاجات السياسية أو الثورية المتنوعة المطروحة متمردة على القيم التقليدية وبحثاً عن رؤية معيشية روحية رفيعة.‏

نشأ الشعر التعبيري في الوقت ذاته الذي نشأ فيه نظيره الفن الدرامي. سعى الشعراء التعبيريون وراء شعر غنائي عرائسي مبهج فيه فيضٌ من تداعي المعاني والخواطر. وجاء على أيديهم شعر مكثف ومختصر فيه سلسلة من الأسماء وبعض الصفات والأفعال مهملين سرد القصص والأخبار والوصف رغبةً في الوصول إلى جوهر الشعور وماهيته. وتقوم الموضوعات الرئيسة للقصائد التعبيرية على الاستياء من الحياة المدنية والتنبؤ بانهيار الحضارة. وقد اتصف بعض شعراء هذه المدرسة بالتشاؤم واكتفوا بهجاء القيم البرجوازية، بينما عُني َ آخرون بالإصلاح السياسي والاجتماعي وعبروا عن أملهم بثورةٍ وشيكة الوقوع.‏

أما في عالم السينما فقد تأثرت الأفلام التعبيرية الأولى إلى حد بعيد بالصناعة المسرحية والبراعة في تأليف المسرحيات‏

وإخراجها. وأظهرت لنا من خلال الديكور الحالة َ الذهنية الشخصية لبطل الفيلم أو زعيم القضية أو نصيرها. ويروي لنا أشهر هذه الأفلام أن رجلاً مجنوناً يشرح لامرأة مجنونة كيف انتهى به الأمر إلى مأوى لمرضى الأمراض العقلية. أما الشوارع والأبنية المشوهة التي تُرى في الفيلم فعرضٌ وإبرازٌ لعالمه المجنون الخاص به وتَظهر الشخصيات ُ الأخرى من خلال المكياج والثياب رموزاً مفعمة ً بالحياة ومثيرة للصور الذهنية. لقد أصبح التصوير الكئيب للاستياء والتهديد والقلق والإضاءة الظليلة المثيرة والمشاهد الشاذة أسلوباً متبعاً في الأفلام التعبيرية لعدد من كبارالمخرجين.‏

انحطاط التعبيرية عجَّل بهِ وسرَّعه غموض الرغبة الشديدة في عالمٍ أفضل واستخدام لغة شعرية عنيفة وعموماً مزاجٌ شخصي مجهَد يُلاحظ في الطريقة التي تقدم بها القصيدة. ثم إن ترسيخ الاستقرار الجزئي في ألمانيا بعد عام 1924 ونشوء المزيد من الأساليب السياسية العلنية للواقعية الاجتماعية عجَّل أيضا بانحدار الحركة في أواخر العشرينات من القرن العشرين. وقد قُضي على التعبيرية نهائياً بوصول النازيين إلى السلطة عام 1933 ووسمهم أعمال معظم التعبيريين بالانحطاط والفساد ونهيهم عن النشر أو العرض أو حتى العمل ونفي العديد منهم إلى الولايات المتحدة وأقطار أخرى.‏

المصادر Encarta 2008‏

نبذة عن حياة المترجم: لديكم العديد منها Encyclopedia Britannica 2008‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244