جريدة الاسبوع الادبي العدد 1095 تاريخ 15/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تولستوي بين سليم قبعين ود.ممدوح أبو الوي ـــ د.راتب سكر

قام سليم قبعين (1870 ـ 1951) بدور ثقافي ريادي في النصف الأول من القرن العشرين، مما يجعل دراسة أعماله شكلاً من أشكال إعادة الحوار العربي مع منجزه، من جهة، ومن الانكشاف الضروري على قضايا متنوعة في ذلك المنجز ما تزال فاعلة ومؤثرة في اللحظة الراهنة. ومن الراجح أن قضية ترجمة الآداب العالمية إلى اللغة العربية، التي اضطلع سليم قبعين بدور ريادي في مضمارها، من أبرز تلك القضايا.‏

ولد في مدينة الناصرة في فلسطين (حيث مازال بعض أفراد عائلته يقيمون إلى يومنا هذا ـ كما يذكر موقع مركز المعلومات الوطني الفلسطيني على الإنترنيت). وتلقى دراسته في المدرسة الروسية بالناصرة وكان من أوائل الخريجين فيها. لجأ إلى مصر عام 1897 بسبب مواقفه المعادية للسلطات العثمانية، فراح يدرّس اللغة العربية في عدد من معاهدها ومدارسها، واستمر في نشر مقالاته وأبحاثه في مجلة «الجامعة» التي أسسها أنطون فرح في الإسكندرية، وصحف المقطم والمؤيد والأخبار والمحروسة. أصدر في القاهرة عدداً من الصحف منها الأسبوع (1900)، عروس النيل (1903)، ومجلة «الإخاء» (1924)، التي تعد علامة مهمة في تاريخ الصحافة الثقافية العربية. تنوعت اهتماماته الثقافية، فأصدر سلسلة من الروايات منذ سنة 1909. عاش بعد تخرجه، في القاهرة، حيث ترجم من اللغة الروسية، كتباً ومقالات نشرها منذ عام 1901، مسهماً في تأسيس المثاقفة العربية ـ الروسية في العصر الحديث. يعد بحث د.ممدوح أبو الوي «سليم قبعين مترجماً»(1)، من الأعمال المفيدة في دراسة ترجمة الآداب العالمية إلى اللغة العربية، وتوصيفهما توصيفاً علمياً يخدم الغايات المنهجية والمعرفية، للبحث في الترجمة الأدبية ميداناً حيوياً من ميادين علاقة الثقافة العربية بالآداب العلمية، لاسيما الروسية، والأدب المقارن.‏

يضم البحث معلومات ثقافية متنوعة عن النشاط الترجمي المميز لسليم قبعين، مهتماً بنقله بعض مؤلفات الأديب الروسي ليف تولستوي (1828 ـ 1910) إلى العربية، ومتوقفاً على خصوصيات هذا النشاط وبيان سماته، المرتبطة بالسمات العامة التي اتسمت بها ترجمة الآداب العالمية إلى اللغة العربية في تلك المرحلة من مطالع القرن العشرين.‏

تأتي أهمية هذا البحث من جوانب ثقافية وعلمية متنوعة، منها:‏

1 ـ عناية صاحبه بمؤلفات مترجمة مهمة، غير متوفرة في تناول الباحثين المعاصرين بسهولة، بسبب صدورها قبل قرن من الزمان، وعدم تجديد طباعتها، مما جعل الباحث يعود إلى المحفوظ منها في المكتبة الظاهرية بدمشق، مقدماً لمحبي الثقافة والمعرفة خدمة مفيدة في توصف تلك المؤلفات وتحليل بعض مكوناتها وأساليبها وتقويمها.‏

2 ـ استفادة الباحث العلمية من مراجع روسية مهمة ومتنوعة، معنية بمضمار بحثه، جديرة بالتنويه، ومنها كتاب ديميتريفسكي «الأدب الروسي في الترجمات العربية»، وبحث دالينينا «ترجمة لحن كريستر إلى اللغة العربية».‏

3 ـ الجرأة العلمية في تفسير تصرف المترجم قبعين بنص قصة تولستوي «لحن كريستر»، وربطه بالتيار الثقافي السائد في زمن الترجمة متأثراً بمؤلفات قاسم أمين (1865 ـ 1908) ومواقفه الداعية إلى حقوق المرأة وحريتها.‏

4 ـ تحليل مواقف المترجم من أدب تولستوي، مثل موقفه الذي يعد ثلاثية تولستوي «الطفولة والمراهقة والشباب»، سيرة ذاتية لكاتبها، ويعمد الباحث في دحضه هذا الرأي إلى قول تولستوي عن هذه الثلاثية إنها معالجة أدبية لسيرة حياته، مبيناً الفرق بين السيرة ومعالجتها الأدبية، داعماً ما يذهب إليه بمقارنات تطبيقية بين النص الأصلي وترجمة قبعين، الذي جعل اسم الشخصية المحورية لقصة «الطفولة» ليف بدلاً من نيكولينكو، لقناعته بالتطابق بين تلك الشخصية المحورية وشخص المؤلف.‏

ملاحظات قد تكون مفيدة:‏

1 ـ يؤخذ الباحث بحالة الفرح بالمعلومات والتفاصيل الكثيرة، مما يبتعد به أحياناً عن جوهر موضوع بحثه، بمثل المعلومات التي يوردها عمن تخرج في المدرسة الروسية في فلسطين، بعد جيل سليم قبعين.‏

2 ـ يعنى د.ممدوح أبو الوي بترجمات سليم قبعين لعدد من مؤلفات ليف تولستوي، ونشرها بالعربية في القاهرة منذ عام 1901، أي في العقد الأخير من حياة تولستوي، لكنه لا يشير إلى موقف تولستوي من هذه الترجمات أو معرفته بها، إثباتاً أو نفياً، على الرغم من الاحتمال الكبير لوجود تلك المعرفة، إذ ضمت قائمة المصادر والمراجع كتاباً روسياً منشوراً في زمن قريب من ذلك، يعنى بالموضوع ويعبر عن معرفة المثقفين الروس بوقائع ترجمة أدبهم في البلاد العربية، هو كتاب ديمتريفسكي «الأدب الروسي في الترجمات العربية» الصادر في بطرسبورغ عام 1915.‏

3 ـ غياب عناية الباحث بالمراجع العربية، مما أفقد البحث فرصة الإفادة من آراء الباحثين العرب في موضوعه الأساس، فضلاً عن غياب التوثيق المناسب عن بعض المصادر والمراجع الروسية المعتمدة في البحث، بمثل إغفال اسم الدار التي نشرت كتاب شيفمن «تولستوي والشرق» وزمن صدوره.‏

4 ـ غياب التفات الباحث إلى الدراسات التي عنيت بتأصيل بحوث الترجمة في النقد الحديث، على الرغم من وفرتها، فقد خص د.حسام الخطيب فصلاً من كتابه «الأدب المقارن»(2) لبحث بعنوان «الترجمة والأدب المقارن»، كما جعل د.عبده عبود الفصل الرابع من كتابه «الأدب المقارن، مدخل نظري ودراسات تطبيقية»(3)، بعنوان «دراسة الترجمة الأدبية في الأدب المقارن»، وهذان البحثان أنموذج للبحوث العربية المفيدة في هذا المضمار.‏

5 ـ غياب الاهتمام بتراجع حضور سليم قبعين وترجماته في الحياة الثقافية العربية منذ رحيله في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، فالباحث يعود إلى ترجمات قبعين المحفوظة في المكتبة الظاهرية، مما يعني أنها غير ذائعة في أيامنا. وعلى الرغم من وضوح الأسباب التي حالت دون إعادة طباعتها من جديد، فإن مناقشة تلك الأسباب تبقى مهمة، ومن أبرزها ظهور ترجمات لأعمال تولستوي تفوقها قيمة.‏

كلمة أخيرة:‏

يضاف هذا البحث إلى سلسلة البحوث والمؤلفات القيمة التي أنجزها د.ممدوح أبو الوي، مضيفاً لبنة جميلة إلى العمارة الثقافة السورية والعربية، قادرة على إثارة الأسئلة وفتح أبواب الحوار، وحسبها من دهرها قدرتها الحميدة تلك.‏

الهوامش:‏

1 ـ أبو الوي، د.ممدوح، 1997، سليم قبعين مترجماً، مجلة جامعة البعث، حمص، العدد /1/ ص 171، (18 ص).‏

2 ـ الخطيب، د.حسام، 1982، الأدب المقارن ، ج1، جامعة دمشق، ص138.‏

3 ـ عبود، د.عبده، 1991 ـ الأدب المقارن، مدخل نظري ودراسات تطبيقية، جامعة البعث، حمص (488 ص)، ص 125.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244