جريدة الاسبوع الادبي العدد 1095 تاريخ 15/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أصحابُ الكار ـــ فاضل السفّان

«أصحابُ الكار» في زماننا فقدوا مراكزَهم واستبقهم إليها المدّعون والمتطفّلون الذين يتقنون حرفةَ التهريجِ والتمثيل والصيد في المياه العَكِرة.‏

وهذا الأمر مخيّب للآمال إذا ما استشرى بين القوم، لأنّه سوف ينتهي بالأمَّة إلى الانهيار والضياع وكأني بالمدَّعين اليوم قد استلموا زمام الأمور في كثير من مسارب الحياة، ولابدَّ للغيورين من أن يحسبوا للأمر حسابه، ويعدّوا العدّة لكشف حقيقته قبل فوات الأوان.‏

وهذا الداء يطوف اليوم في مسارب الحياة كلها، ويعشِّش في قنواتها الرئيسة ويحاول أن يطرد أصحابَ الكار، ليؤكدَ مقولةَ (العملة المزيَّفة إذا استفحل أمرها تطرد العملة الصحيحة).‏

وفي مجال الأدب أنت في غنى عن رصد الدليل لأنه يجابهك في كلِّ الأودية ?ألم ترَ أنّهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون?.‏

ومشكلة المتطفّلِ والطفيلي يدركها العارفون في بواطن اللغة حين يرصدون (تحرُّشاتِ) أولئك الذين يدَّعون مالا يعرفون ويحشرون أنوفهم في كلِّ مكان.‏

وقد يكون للفعل (طَفَلَ) معنى الرِّقة والبراءة ومنها (الطِّفْلُ) ويطلقُ على المولود حتى سنِّ البلوغ، و(الطَّفَلُ) هو الوقت قُبَيل غروب الشمس أو بُعَيدَ ظهورها بقليل. ومن هنا جاء قول الشاعر في لامية العجم (والشمسُ رأدَ الضحى كالشمس في الطفل).‏

ومن عجائب اللغة العربية أن تُطلق كلمةُ (طِفْلٌ) على المذكّرِ والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع من الجنسَينْ فتقول: (هو وهي وهما وهم وهنَّ طِفْل) وقد جاء في سورة النور في الآية 31 قوله تعالى: ?... أو الطِّفْل الذين لم يظهروا على عَوْراتِ النساء?.‏

ولسْت هنا في مجال استعمالات اللغة وعبقرية بيانها ولكنني أرى اليوم كثرة من يتنطَّعون للخوض في متاهات اللغة وهم لا يملكون شيئاً من رصيد المعرفة سوى جُمل بهلوانية تخوض في معانٍ شَتَّى لا يدرك المدّعي مغزاها، وهي تخدع القارئ أحياناً، أو قد يعفّ عن قراءتها احتراماً للوقت الثمين يذهب هدْراً في مثل هذه الخزعبلات.‏

ومن هذا القبيل، على سبيل المثال لا الحصر، ما حمله بعضُ المتخبطين في علوم اللغة من أن الخليلَ قدْ قيَّدَ اللغة في بحوره العموديةْ وأنها قد أصبحتْ بضاعة بائرة وأن الإيقاع الحرَّ القائم على وحدة التفعيلة هو الإيقاع الحضاري وما سواه باطلٌ.‏

وأنا أتحدَّى هذا المدّعي وأمثاله من المتخبطين في ضلالاتهم، أن يعرف حقيقة أبعاد أيّ بحرٍ من بحور الشعر الستة عشر، في زحافاته ومجازاته وما يحسن في استعماله وما يجوز، ويدرك دوائره، وكيف تبدأ وأين تنتهي ليجيز لنفسه أن يكون رسولَ معرفة في بحر النقد والتجديف.‏

وعلى سبيل الطرافة في غرائب المعرفة، أن أطلب من «اللحام» مراراً أن يختصني بلحمة الموزات فأشكره مودعاً، حتى جابهني أحد المختصين في علم الأغذية موضحاً أنَّ الموزات أقُّل اللحوم فائدةً لأنها مجردُ مجموعةٍ من الألياف يقلُّ فيها ما تختزنه اللحوم من بروتينات وفوائد أخرى.‏

ومثل هذا ما حصل لي في مزرعة تخصُّ بعض الأمراء في المنطقة الشرقية في السعودية حين أراد أحد أبنائه، وكان من طلابي من المرحلة الإعدادية، أن يأتيني يوماً بسلّةٍ من (القثَّاء) وقد بدت تفوح بروائحها المنعشة، حين أصبحت بلون البطّيخ الأصفر فملأ الدارَ عبقُها وأصبحت ناضجة لصنع البذور وليستْ للغذاء المباشر، ظناً من الطالب أنّه يقدِّمُها لي ناضجةً بحسن نيته.‏

هاتان الحادثتان لا تقلان خَطَراً مقارنةً بالقرْدِ الذي قتلَ صاحبه النائم ليطرد عنه الذبابة التي كانتْ تحوِّمُ على وجهه.‏

هنا أعود لأقولَ كما يقول المثل الديري: (أعطوا الخبزَ لخبّازته) ودعوا أموركم لأصحاب الكار والمختصين إن كنتم تريدون النجاح في الحياة، وأجركم على الله.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244