|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
صورة الإسلام النمطية ـــ مأمون الجنان لم يكن الإسلام في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى، قد دخل في طور التسييس على الرغم من وجود بعض الثويرات الإسلامية المرحلية مثل ثورة عز الدين القسّام ضد الانتداب الانجليزي في فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي, وبعد قيام دولة (إسرائيل) عام 1948 وتحرر معظم الأقطار العربية من الاستعمار الغربي، بدأ في التبلور شكلان محددان لنظام الحكم في العالم العربي بدءاً من الخمسينيات: الأول: ملكي أو أميري والثاني: جمهوري قومي ولكن مع تشكل الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979بدأ ظهور الصور النمطية السلبية عن الإسلام في وجدان المجتمعات الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين, ولم تنحصر هذه الصور في المجتمع الإيراني فحسب, بل امتدت لتشمل الشرق بكامله بما في ذلك العالم العربي. فمنذ ذلك الحين أصبحت صور جموع غفيرة من البشر ترفع القرآن وتهتف للإسلام والدولة الإسلامية، وتأتمر بقيادات ترتدي العمامة وتكتسي وجوهها اللحى الطويلة، وهي الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية, معيدة بذلك إلى الذهنية الأوروبية حقبة الخطر والمد الإسلامي إبان الحكم العثماني التركي لأوروبا في القرنين السادس والسابع عشر, ومنذ نجاح تلك الثورة في إيران أصبح من النادر أن يجد المرء برنامجاً تلفزيونياً غربياً يتحدث عن الشرق الإسلامي ويخلو من صور مستقاة من هذه الثورة وما يرتبط بها. كما ساعد في ذلك انتشار ما كان يعرف بالفكر الجهادي في أفغانستان ضد القوات الشيوعية السوفيتية من تعزيز الصورة النمطية المتعلقة بشكل ومضمون الإسلام السياسي. وبشكل متسارع أخذت الجماعات الإسلامية تنخرط أكثر فأكثر في العمل السياسي, تارة عن طريق التظاهرات المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية داخلية, وتارة عن طريق المشاركة المباشرة في الانتخابات المحلية والبرلمانية كحركة الإخوان المسلمين في انتخابات مصر والأردن وجبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر وحزب الله في لبنان وآخرها حركة حماس في فلسطين. لقد كان لتوظيف الصورة النمطية بعد سلسلة العمليات الإرهابية في دار السلام (1988) وفي الولايات المتحدة الأمريكية (2001) وفي مدريد (2004) وفي لندن (2005) الأثر الواضح حيث تبلورت صورة سلبية كاملة في الغرب عن الإسلام والشرق عموماً، صورة لم تعد قائمة على أساس الخيال وروايات الرحالة وعشاق المغامرات، وإنما على أساس الوقائع التي تقرأ وتشاهد يومياً في وسائل الإعلام المختلفة وتدعم بالصور الحية. ولعل الملفت للنظر في التغطية الإعلامية في أوروبا، بعد (11) أيلول 2001، هو استخدام صور لإرهابيين أو لامرأة ترتدي الخمار أو لجموع غفيرة تهتف غاضبة أو لأشخاص ملثمين يحملون السلاح عند الحديث عن موضوع يخص الشرق أو العالم الإسلامي. هذه الصور المنتقاة بعناية ساهمت مساهمة كبيرة في تجذير صور نمطية سلبية عن الآخر, كان لها تأثير قوي على القارئين والمشاهدين يفوق الدراسات العلمية الواقعية والتحاليل الصحفية الموضوعية. فالصور أقوى من الكلمات كلها، والصور يمكن تخزينها واسترجاعها في ذاكرة الإنسان لفترة طويلة، أما الكلمات فسهل نسيانها, من منا يتذكر ما قاله بوش بعد عمليات 11 أيلول 2001؟ لكن الجميع يتذكر صور الطائرات وهي ترتطم ببرجي التجارة العالمية في نيويورك. ومن منا يتذكر عبارات الاستياء والاشمئزاز التي عبر عنها جميع الزعماء الأوروبيين والأمريكيين عندما تم الكشف عن صور السجناء العراقيين في معتقل أبو غريب؟ لكن الصور تبقى حاضرة في ذاكرتنا الجماعية, وبفضل التقدم الهائل في وسائل الاتصال الحديثة مثل الانترنت أصبح بالإمكان استرجاع مثل هذه الصور والملايين غيرها وإعادة مشاهدتها في أي وقت، الأمر الذي يجعل من استخدامها لإغراض دعائية تحريضية أمراً في غاية السهولة. لا يبدو أن الأمر على الضفة الأخرى، على الأقل في الوطن العربي، مختلف كثيراً عما هو عليه الحال في الغرب, فالغالبية العظمى من وسائل الإعلام العربية، وخصوصاً الرسمية منها، تفرد تغطية موسعة للحديث عن تجاوزات وأخطاء الغير في التعامل مع القضايا العربية، في حين تتجنب هذه الوسائل تناول التجاوزات الداخلية الاجتماعية والسياسية والقضائية في موادها الإعلامية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يشابه الإعلام العربي نظيره الغربي في التركيز على الأحداث المأساوية والسيئة ووضعها في مستهل نشراته وعلى صدر صفحاته، عملاً بالمبدأ الإعلامي السائد "الأخبار السيئة هي الأخبار الجيدة". كم من التقارير شاهدنا عن العمليات العسكرية في العراق؟ ولكن بالمقابل كم من التقارير شاهدنا عن أداء الحكومة، حول عمليات إعادة البناء، أو عن الوضع الاقتصادي لشرائح الشعب المختلفة منذ انهيار النظام؟ فكما يخطئ الإعلام الغربي في تصوير العالم العربي والشرق الإسلامي عموماً من خلال الصور النمطية السلبية، مطلقاً بذلك أحكاماً لا تتسم بالموضوعية والواقعية، يرتكب الإعلام العربي الخطأ نفسه في اعتبار الغرب كياناً واحداً متكاملاً يتحمل مسؤولية الكوارث والمصائب التي يعيشها الشرق العربي. لا يمكن اختزال نظرة الشرق إلى الغرب من خلال صور سجن أبو غريب ، كما لا يمكن اعتبار الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول ( تعبيراًً عن رأي الغرب عموماً تجاه الإسلام ونبيه, وينبغي علينا أن لا ننسى أن أكبر المظاهرات التي خرجت ضد العدوان على العراق كانت في لندن وروما ومدريد، أي في الدول التي دعمت حكوماتها الحرب ضد العراق. ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل ما ينقله الإعلام واقعاً, الكل يتحمل من طرفه جزءاً من مسؤولية الأوضاع المتردية والعلاقات المتوترة بين الشرق والغرب, على العالم الغربي أن يلتفت إلى الأسباب الحقيقية التي جعلت من أزمة الرسوم الكاريكاتورية الأخيرة تتحول إلى ما يشبه صراعاً بين ثقافتين متناقضتين, فقد اعتبر الصحفي والمفكر السويسري د. هوتينغر، أحد أشهر الخبراء في شؤون العالم العربي والإسلامي: أن ردود الفعل الغاضبة في العالم الإسلامي هي عبارة عن ظاهرة تستحق الانتباه والتحليل، وهي تعبر عن وضع هش قابل للكسر بمجرد أن يظهر سوء فهم أو خلاف على السطح, ويتساءل: أين هي ثمار الحوار بين الغرب والشرق والذي ارتفعت وتيرته بعد 11 أيلول 2001؟ بالتأكيد سيكون من الصعب إحراز تقدم على صعيد الحوار والتبادل الثقافي ما لم تتخذ إجراءات فاعلة لتحقيق نوع من العدالة وتصحيح السياسات الخاطئة وإنهاء التجاوزات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. ومع كل ذلك فإن الدكتور هوتينغر لا يعتبر أن الحوار بين الشرق والغرب قد انتهى بالفشل بل يعتقد بأنها فترة عابرة وستنتهي, المهم أن لا نترك للأعمال الاستفزازية من قبل هذا الطرف أو ذاك فرصة لتوسيع الهوة بين الشعوب والثقافات, علينا أن نتعلم الدرس ونكون أكثر موضوعية في فهم الآخر وفي انتقاء الصور التي نشير بها إليه. وفي النهاية, فإن الصورة هي جوهر الفنون البصرية على الرغم من حاجة بعض الفنون إلى الكلمة والصوت للتعبير عن الأشياء، إلا أن الصورة ابتكرت لغة جديدة استحوذت على طاقة البصر فاعتقلت عقله ومخيلته, فغيرت حياة العالم فأزالت القيود واخترقت الحدود وكشفت الحقائق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |