جريدة الاسبوع الادبي العدد 1096 تاريخ 22/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

طفيليات الثقافة ـــ طلال الغوّار ـ العراق

كثيرة هي المفاجآت التي واجهها العراقيون في ظروف الاحتلال، والتي تشكل أحد إفرازاته وتداعياته على الواقع العراقي، فمثلما تفاجأ ببروز بعض الأسماء والعناوين التي يطلق عليها (سياسية)، وهم أبعد ما يكونون عن السياسة، فإن الأمر نفسه ينطبق على ظهور فئة من (تلبّس بقناع الثقافة) لتأخذ دورها في أجندة العمل الثقافي والإعلامي، وقد ساهم في ظهورها غياب المثقفين والإعلاميين، فمنهم من آثر الصمت ومنهم من غادر البلاد... وهناك قوى ومؤسسات تفتقر إلى الكادر الثقافي لتدفع بهذا النوع من أنصاف المتعلمين إلى مسؤوليات ثقافية وإعلامية فضلاً عن إصدار الكثير من الصحف والمجلات. وأقل ما يقال عن هذه الفئة أنهم من متعلمي (أبجدية الحروف والقراءة) والذين وما زالوا يراوحون في مستواهم فتجدهم متمسكين بما تلقوه من تعليمهم المدرسي وثقافتهم البيئية والتي جعلت منهم بعيدين عن قضايا الثقافة وإبداعاتها المختلفة المعاصرة والثقافات الأخرى.‏

إن تصدر مثل هؤلاء للأجندة الثقافية والإعلامية، يدفع بهم إلى الولوغ أكثر في الوهم، فمجرد تصور أنفسهم أنهم في حالة الصدارة للمسؤوليات الثقافية، لتتجلى في سلوكهم البيروقراطية ونزعة الإقصاء للمثقف الآخر، وخصوصاً حينما يكون حكماً على نتاجات هذا المثقف أو ذلك وإساءاته لم تقتصر على الثقافة فحسب بل على المثقف الآخر أيضاً، ناهيك عن الدور السلبي التي تحكمه النظرة التقليدية والضيقة للثقافة، في تجميد حالات التطور والتفاعل مع المعطيات الثقافية التي تحصل في العالم، وبالتالي بترها عن سياقها الفاعل والمؤثر في الحياة، فالثقافة هي ممارسة معرفية واعية وإيجابية تقوم على التفاعل مع المعاصرة والأصالة لتمنح الإنسان الرؤى والأفكار والتصورات في رسم معالم الحياة ومن ثم إعطائها الشكل المنسجم مع مضامينها.‏

إن هذه الظاهرة وإن كانت بحدود ضيقة موجودة قبل الاحتلال لكنها فيما بعد ظهرت على السطح بشكل واضح المعالم كما أنها ليست في العراق فحسب، وإنما هي موجودة على امتداد الوطن العربي وإن كانت بمستوى مختلف وعلى الرغم من الإشكالية في تسمية (المثقف) التي تحمل الكثير من المغالطات، فإلصاق صفة المثقف بالمهندس والمعلم والطبيب والأستاذ الجامعي، تندرج ضمن هذه المغالطات، حتى وإن كانوا يفتقرون إلى الزاد المعرفي وسعة الإطلاع على الآداب والعلوم والفنون والتواصل مع المعطي الثقافي الجديد، وما أجرته بعض الصحف والمجلات في عدد من الجامعات والمؤسسات ذات العلاقة بالجانب التربوي والثقافي من استبيانات حول ذلك، يكشف عن هذه المغالطات بشكل واضح من خلال توجيه أسئلة معينة بخصوص بعض المشاهير من الكتاب والأدباء والسياسيين فقد كانت الإجابات تثير الاستغراب فنجيب محفوظ (موسيقي) وعدم معرفة الكثير من الرموز الثقافة والأدبية مثل (حنا مينة) و(أدونيس) وغيرها.‏

إن تفشي الأمية الثقافية وتصدر ممثليها لبعض الأنشطة الثقافية والإعلامية، يساهم إلى حد ما في تعميق حاله التخلف والانقياد له، لكونها جزء من هذه الحالة ويمكن تشبيهها بالطفيليات التي لا يمكن لها أن تغادر الوسط الذي تنمو فيه، وهكذا فالأمية الثقافية لا تعيش إلا في الوسط المتخلف، وتتغذى على تخلف المجتمع، وبالتالي فهي تساهم في إضعاف ممانعة الخندق الثقافي في مواجهة التحديات ولعل أبرزها تحديات الاختراق الثقافي المعادي.‏

إن هذه الظاهرة لا يمكن لها أن تصمد طويلاً أمام الحقائق الثقافية وخصوصاً بعد زوال الظروف التي أوجدتها وساعدت على نموها، ولكنها تشكل خطورة كبيرة في المرحلة الراهنة بسبب ما تواجهه من تحديات متعددة المتمثلة بالمشروع الأمريكي ـ الصهيوني الذي يستهدف في احتلاله اقتلاعنا من الجذور وتشويه هويتنا الثقافية. وإن أدعياء الثقافة والمتظاهرين بها لن يكونوا بالمستوى الذي يحقق حالة الممانعة والتصدي للأجندة الثقافية لهذه المشروع المعادي، فهم كالطحالب التي تنمو على ضفاف النهر، وإذا لم يجرفها التيار فإنها قد تعيق جريان النهر وإذا ما اتسعت فقد تدفع بالنهر أن يغير مجراه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244