جريدة الاسبوع الادبي العدد 1096 تاريخ 22/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تجارب جديدة في كتابة الرواية ـــ د.عادل الفريجات

من المعترف به عند معشر النقاد أن الرواية فن مرن ومتسع ورجراج، وقادر على أن يكيف نفسه في أشكال متعددة ومبتكرة. وقد أتاحت هذه الخصائص لبعض الكتاب أن يمارسوا ألواناً عديدة من التجديد والتجريب ، وأن يستثمروا تقنيات فنون مختلفة، ويدمجوها في سياق الرواية، وفي ثناياها. فليس من يجادل اليوم في علاقة الرواية بالشعر، وعلاقتها بالسيرة الذاتية، وعلاقتها بالسينما، وعلاقتها بالرسم، وأخيراً، وهذا ما نريد الوقوف عنده هنا أكثر، علاقتها بالنقد الأدبي، وأعني بذلك ممارسة كتّابها لعملية النقد في اللحظة التي يمارسون فيها السرد ذاته.‏

وقد عرفنا من قبل ما يسمى (الرواية /الشعر) ومثّل عليه النقاد برواية «رامة والتنين» لإدوار الخراط. أما الرواية المتصلة بالسيرة، فالأمثلة عليها كثيرة عند حنا مينة، ومحمد شكري، وهيفاء بيطار، وآخرين كثيرين. وعلاقة الرواية بالسينما قوية جداً، حتى أن بعض الروائيين قد كتبوا روايات، لتصبح، خصيصاً، أفلاماً سينمائية. ونجيب محفوظ هو خير مثال على ذلك. أما الروايات التي حولت إلى أفلام سينمائية كثيراً جداً. وليس هدفنا هنا أن نستقصيها، أو أن نوضح ما يعتريها من تحول وتغير بعد أن تصبح أحداثاً تعرض على الشاشة، وإن كان هذا الشأن قد تمثل في رسائل جامعية قدمت للحصول على الماجستير والدكتوراة.‏

أما عن علاقة الرواية بالرسم، فقد نشأ في الغرب اتجاه لكتابة الرواية المصورة، وانتقلت العدوى إلى محيطنا العربي، فجرب بعض الكتاب مواهبهم في ذلك، وكان من بين هؤلاء الكاتب المصري (مجدي الشافعي) الذي أصدر في مصر حديثاً رواية مصورة بعنوان «ميترو». وواضح أن هذا اللون من الكتابة يوفر متعة بصرية تتمثل بالصور المرافقة للسرد، ولكنه يختزل الوصف والتحليل، ويركز على الحوار المكثف والمركز. ويقرب العمل المعني هنا من الرواية المكتوبة للسينما أو للتلفزة.‏

بيد أن تجريباً آخر، يتمثل بمزج النقد الأدبي بالسرد الفني، راح يطفو على السطح في عالمنا العربي. وأمثّل على هذا اللون من التجريب بروايات عديدة ينتمي كتابها إلى مصر العربية وسورية والعراق والمغرب العربي والسودان. ففي مصر نشر يوسف القعيد روايته «يحدث في مصر الآن» في العام (1979). وفي سورية كتب حنا مينه رواية «النجوم تحاكم القمر» (1993)، ونبيل سليمان روايته «مدارات الشرق». كما نشر فاضل العزاوي روايته «الديناصور الأخير» (1983). ونشر في المغرب العربي محمد عز الدين التازي روايته «رحيل البحر» (1983)، وأحمد المديني روايته «وردة للوقت المغربي» (1983). ونشر الكاتب السوداني في دمشق روايته «الزندية» (1994).‏

والتأمل في تواريخ نشر تلك الروايات يفضي إلى الاستنتاج أن هذا التجريب ليس حديثاً جداً، بل قد مضى عليه ما يقرب من ثلاثين عاماً. وقد حاولت أن أتبين تاريخه في الغرب الأوربي فوجدت أن الناقد (جان ريكاردو) صاحب كتاب «قضايا الرواية المعاصرة» الذي أصدره في العام 1967 بالفرنسية (وعُرب بدمشق لاحقاً) كان قد أشار إليه، فكان يقول: إن إقحام الفضاء النقدي على الفضاء المحكي، وما دعاه تخريب الكتابة بالكتابة، هما إناء للنص. وكذلك رحب بهذا الاتجاه الروائي (ميلان كونديرا) الذي رأى أنه من الجيد أن يكتب الروائي قراءته لرواياته في متون الروايات، وليس في المذكرات والسيرة والمقابلات والشهادات. وقد شايع هذين الناقدين الناقد المغربي (رشيد بن حدو) في مقال له كتبه في مجلة الفكر العربي المعاصر في العام 1989)، ورأى أن ممارسة النقد في أثناء السرد هو لحظة من أخصب اللحظات، وهو نوع من أنواع تجليات الحداثة.‏

لكن، والحق يقال، هذا التجريب في السرد هوجم من نقاد أخر في العالم الغربي، هو الناقد (ميشال ريمون) الذي يرى أن في نزوع الإبداع إلى الكتابة عن نفسه، المتمثل بكتابة الروائي عن روايته وهو ينشئها، علامة على اختناق الأدب، فحين يقطع ينقطع الإبداع عن العالم تصبح ذاته موضوعاً له.‏

ونحن لا نرى في كل جديد جمالاً وجدوى، فالآراء النقدية، التي عايناها في بعض الروايات المذكورة سابقاً، لم تفلح في إنشاء مناقشة متماسكة لقضايا النقد الروائي، خاصة إذا ما قورنت بكتب النقد الموقوفة على هذا الغرض، والتي ألفها نقاد مختصون أو باحثون متمرسون. فتلك الآراء، سواء عطلت الجهاز السردي كما في رواية الزندية، لإبراهيم بشير إبراهيم، أم اندمجت فيه اندماجاً كلياً، كما في رواية النجوم تحاكم القمر، لحنا مينة، ليست إلا آراء جزئية تعبر عن وجهة نظر الروائي، وقد تسوغ اتجاهه الفني في الكتابة، أو تطلعنا على بعض معارفه النقدية.‏

كما أنها قد تفيد الناقد الذي قد يقارن بين إبداع الكاتب ورؤاه النقدية ليرى مدى انسجامه مع ذاته في حالتي السرد والنقد.‏

ومن جهة أخرى، فإننا نرى النقد هنا، مثله مثل كثير من الأنساق المعرفية والفنية الأخرى، يحاول أن يستبد بغيره من الفنون، فهو يتجاوز ملكة التحليل، ليندمج في ملكة التركيب، كما نراه ينزاح عن حدوده، ليدخل عوالم أخرى، مثبتاً أن تخوم الأجناس الأدبية قابلة للتثلم والتجاوز، وأن أي معيار يصنعه النقد قد يكون قيداً يجتهد الكتاب في تحطيمه والانقلاب عليه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244