جريدة الاسبوع الادبي العدد 1096 تاريخ 22/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البلدة..! ـــ غانم بوحمّود

لم يكن زلزالاً... كما يتبادر للذهن.. لم يكن حريقاً أو غارة جوية، كما يبدو للناظر ـ بمعنى آخر ـ لم يسقط على أهل البلدة مطر أصفر، أو يطلع عليهم نمل أزرق، ولا حملت إليهم الريح صيباً..‏

على الرغم من رهافة سمعك، وشدة حساسيتك للمؤثرات بأنواعها، لم تسمع صوت صافرة.. تنذر برفع جاهزية، ولا استغاثة تستفزّ خيول دمك التوَّاقة لسباق..‏

إنه الصمت المدوّي في الأخضر والأصفر والأزرق. صمتٌ موغلٌ في صمته، يجعلك عاجزاً عن الإدلاء بدلوك.. في بئر ليس لها قرار.. فتقول في نفسك:‏

«القيامة بعينها، يا حمزة..!»‏

ما عليك سوى الخروج مهرولاً في كلِّ الاتجاهات، وقد قامت قيامة أهل بلدتك..!‏

ماذا حلّ بعائلتك.. لماذا تأخرت في العودة من كهفك..‏

عتب، ليس كمثله عتب، وأسئلة لا تشبه الأسئلة..!‏

هواجس تأخذ مكانها تلقائياً فوق ورقة امتحانك الصعب.‏

ليس مهماً.. ليس..! أن تتكلم.. هو خير لك بكثير، من أن تصمت، ولكي لي تسيء الفهم، ويحصل لديك التباس أو غموض، لا تزال تهرول، وتهرول.. لكن.. لم تكن حالك أبداً، كما هي عليه اليوم.!‏

لم يقشعر بدنك، لم تصطكّ أسنانك، وعيناك لم تذرفا الدموع، لم ينتصب شعر رأسك، ولم تشعر بأي تعب يضطرّك للجلوس، تهذي:‏

«في الأمر ما هو جدير بالاهتمام إذاً...!»‏

كلَّما اقتربت من أطراف البلدة، تجد نفسك منجذباً إلى داخلها، كما لو أنّ حجارة أبنيتها المهدّمة قد تحوَّلت إلى مغناطيس عجيب، وأنت ـ لا حول لك ولا قوة ـ تتمايل كالمخمور، متسائلاً:‏

«هل وضعت بلدتي على خريطة هجوم ما.؟!»‏

تلوك دهشتك، تمضغ استغرابك، تستطرد، متجاهلاً ما يصعب تجاهله.. كي لا يصيبك الدوار. تقع..! فلا تجد من يعينك على الوقوف، تتفحّص مظهرك الخارجي، تعوزك القدرة على الانحناء. تتحسس أطرافك، لم يسبق أن حدث لرقبتك مثل هذا..‏

أصوات غريبة تأخذ طريقها إلى أذنيك.. رائحة كريهة تنفذ إلى أنفك.. تحاول تحريك يدك اليمنى.. لا تتحرَّك..!‏

يدك الشمال.. تتحرك في كل الاتجاهات.. وبسرعة مذهلة.. جسدك يتطاول، ليعلو فوق مستوى صحون مستديرة، تحتل أسطحة المنازل...‏

لو بترت يدك الشمال.. لو شلَّت.. لو كسرت.. لكان المصاب أكثر لطفاً. فأنت تكتب باليمنى، وتتناول طعامك، وترمي السّلام، وتعطي كتابك باليد اليمنى أيضاً.. ستبدو هيئتك مضحكة.. ولن يقول عنك الناس سوى:‏

«هذا جزاء من أغضب السماء..!»‏

على الرغم من الاستطالة التي حصلت لقامتك، دون استخدام أي نوع من أنواع العقاقير شائعة الاستعمال، فإنّك لم تتمكّن من استطلاع البعيد..‏

إذ يبدو المشهد مشوَّهاً، تحول دون التحقق منه سحابة مدهشة، ترتاب في ماهيّتها، تفرك عينك اليمين، تلك التي كانت منذ زمن بعيد سبباً في عدم تحقق رغبتك في التحليق. لا تجد لها أثراً.. نبت مكانها عظم. تكذب أحاسيسك... لا تلبث أن تصدّقها..! ما يحدث ليس سوى استخلاص لميمنة جسدك من دون أن تتوجّع..!‏

لا تحزن.. لا تخف.. لا تكتئب..!‏

لم ينته الأمر عند هذا الحد.. لحظات.. وتغيب أذنك اليمنى، ثم ساقك اليمنى.. تماماً، كما لو شطرت إلى نصفين، نصف يغيب، والنصف الآخر يستطيل.. ويتصلّد، لتجد نفسك منتصباً فوق صخرة سوداء.. وأنت تصيخ السمع إلى من يقول معجباً:‏

«هذا نموذج الإزميل الحديث، يا سادة..!»‏

يكاد يغمى عليك.. غير أنّ آخر ما تشعر به، هو أنّ القطعة المعدنيّة التي راحت ترتفع ببطء، وتنزل بسرعة فوق رأسك، كانت أثقل من أيّ مطرقة عرفتها من قبل، وجلّ ما كنت تخشاه، هو أن يكون الوقت الممنوح لنحت حجر أساس لمشروع (البلدة الحديثة) أطولَ بكثير، ممّا تتوقعه في قصّتك القادمة..!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244