جريدة الاسبوع الادبي العدد 1096 تاريخ 22/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

دفتر الطفولة ـــ عبد الستار ناصر

فتح دفتر طفولته، أيام كان في الصف الخامس، قبل أربعين سنة، مرّت، كما يراها الآن، بسرعة البرق، فماذا رأى؟‏

موت، وحروب، وجثث على مدّ البصر، ليس من صديق ولا قريب، كلهم ماتوا في النار التي هبّت من جنوب شط العرب وحتى آخر صخرة في الشمال.‏

ليس من شيء في الدفتر غير (شخابيط) كتبها عن معلّم الوطنية الذي يكرر بين السطور: بلادي وإن جارت عليّ عزيزة، مشطوب على أهلي وإن شحّوا، إذ ليس من بقية عن الكرام، فما كان المعلّم يعرف كيف ينتهي ذاك البيت من الشعر.‏

**‏

في الدفتر، جاءته هدية من أمه، قميص من القطن المصري، ما يزال يتذكر خطوطه البيض، مع رسومات دونالدك وميكي ماوس وبلوتو، الذين عرفهم في أجمل أيام العمر، عندما كان يذهب بصحبة التلاميذ إلى سينما ريكس لرؤية (فلاش غوردن) وهو يصعد نحو السماء قبل أن يمضي إليها نيل آرمسترونغ.‏

شخابيط، ليس ثمة ما هو أحلى منها، مع أنه لا يدري ماذا حدث في التاسع من شباط، في ذاك العام الدامس الذي قتلوا فيه رئيس الوزراء، لماذا كتب التاريخ دون أيما إشارة إلى ما جرى؟ ولماذا كتب يقول في آخر صفحة: ربما يموت أبي غداً، فقد سقط من سلالم البيت وأخذوه فوراً إلى مدينة الطب؟‏

من هو الصديق الذي مات بعد مضي أسبوعين على مجزرة جسر الشهداء؟ ولماذا ترك الصفحة فارغة وفيها أكثر من دليل على أنه بكى في ذاك المساء الماطر؟ كيف يكتب عن المطر ولم يكتب اسم صديقه حتى يعرف ماذا حلّ به قبل موته؟‏

اكتفى بالقول: مات بعد نجاح ساحق في الجغرافيا واللغة العربية، فكيف يموت ذاك الطفل الشاطر وقد حقق النجاح في أصعب الدروس؟‏

**‏

طرزان يدخل في غابة دفتره الصغير، شخابيط، أغنيات، كارم محمود، هدى سلطان، ليس من أغنية عراقية، مسافة من زمن تشظّى وما يزال على حاله في دفتر الطفولة، والدفتر لا تزيد صفحاته على ثلاثين ورقة، لكنه جاء فيه على ذكر المئات من الأهل والأصدقاء والموتى والمهاجرين، كيف بدأت الحرب وكيف مات أقرب الناس إليه، وكيف صارت بغداد بعيدة جداً عن البغددة؟!‏

توشك أن تتمزق، أوراق ذاك الدفتر الغريب، لكنه، سنة بعد أخرى، يلصقها بالسيكوتين مرة، وبالشريط السائل مرة، كان يمكنه نقل المعلومات إلى دفتر آخر، لكن ذلك سوف يذبح إحساسه بالتاريخ ويعطي للدفتر وجهاً مشوهاً ممسوخاً.‏

ثمة رائحة يشمّها، تعبق من خلف الغلاف النتن القديم، رائحة تفاح، ربما رائحة جوز الهند، بل هي رائحة مساماته، تسلّلت إلى الدفتر دون أن تكتب فيه أي شيء، رائحة زمن لن يتكرر، ولن يعود.‏

**‏

طوال هذا الزمن الذي يحكيه الدفتر، رحل أبوه إلى مثواه، والكثير من الجيران في سوق حنون والشواكة والطاطران وإسكان غربي بغداد، وكذلك شلّة الأصدقاء، والمئات من المطربين والممثلين وباعة الكتب، أخذتهم المقابر ولم تترك لهم أية ذكرى غير ما هو مكتوب هنا، في دفتر الطفولة الذي لا يدري به أحد منهم.‏

تنتهي صفحات الدفتر عند عام 1969 وكانت آخر الذكريات عن معلّم الوطنية الذي قتلوه سهواً بسبب الشبه بينه وبين أحد الشقاوات في محلة الجعيفر، نحروه عند باب القشلة بعد أن تذكر بقية بلادي وإن جارت عليّ عزيزة، ولم يصدق أن الكرام من أهله هم الذين شحّوا عليه بما تبقى من العمر!‏

**‏

من أين جاء بالحروب والجثث المرمية على قارعة السطور؟ لم تكن ثمة من حرب على ما يتذكر، فكيف مات الأقارب والأصدقاء ولم يبق من أحد منهم؟‏

هو نفسه السؤال الذي لا جواب عليه، هل تنبأ بما سوف يكون عليه الحال؟ هل كان يعرف أن الدنيا ستكون غير الدنيا التي نحن عليها اليوم؟ هل جاء شخص آخر ورأى الدفتر وصار يكتب فيه عما حلّ بنا بعد تلك السنة العرجاء؟‏

كلا، هذا الدفتر ما يزال في مكانه، لا يدري به أحد سواه، أقفل عليه بين بقية أسراره وأحلامه وذكرياته، ولم يقل عنه شيئاً حتى تلك الساعة التي مات فيها وهو يقرأ، قبل موته، كيف أنه رحل عن الدنيا، مشنوقاً، في منتصف الليل، بينما كانت السماء في أحلك سواد مرّ على بغداد منذ اشترى ذاك الدفتر وحتى الساعة التي ذرف الدموع فيها على أجمل بغداد عاش فيها، مع أنه، طبعاً، كتب ذلك بأصابعه، بقلم الرصاص نفسه، الذي ما يزال في بيته منذ الصف الخامس حتى لحظة موته.‏

**‏

شخابيط، ليس ثمة ما هو أحلى منها، مع أن حبل المشنقة ما يزال حول الرقبة، يهتز بها ذات اليمين وذات الشمال، بحسب قوة الرياح التي تهبّ عليها من النافذة المفتوحة.‏

الدفتر أيضاً، كان مفتوحاً على معلّم الوطنية الذي قتلوه سهواً؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244