جريدة الاسبوع الادبي العدد 1096 تاريخ 22/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رجل بلا ظلال ـــ أسعد الديري

حين مات محمد الأيوبي فرحت الأنهار والأشجار والينابيع والمدير العام والموظفون الشرفاء والنساء لأن الرجل كان لئيماً، حاقداً، اتخذ من الكذب والافتراء عنواناً لحياته المليئة بالحسد والكراهية.‏

وعلى الرغم من أنني لم أكن أفكر في يوم من الأيام أن أقوم بزيارة عالم الأموات ، إلا أن محمد الأيوبي ـ بعد أن أسلم الروح إلى بارئها ـ همس في أذني ـ بينما كنا نحمله على أكتافنا وهو مسجى في التابوت إلى مثواه الأخير ـ : قم بزيارتي إياك أن تنساني.‏

كانت المقبرة التي دفن فيها قريبة من منزلي، لذا قررت أن أقوم بزيارته في أقرب فرصة، وذات مساء مفعم بالقطط والكلاب والفئران الضالة والعاهرات قمت بزيارته.‏

كان حارس المقبرة رجلاً ضخم الجثة ترتسم على وجهه ملامح الوقار والهيبة لذلك لم أشعر بالخوف حين سألته : من أنت؟‏

أجابني بكل هدوء : أنا حارس عالم الأموات من تريد؟‏

قلت : لقد انتقل إليكم من عالمنا أحد الذين.. وقبل أن أكمل كلامي..‏

قال ـ مستفسرا ـ: من هو؟‏

قلت : محمد الأيوبي.‏

قال : إنه في القبر العاشر قرب الجدار.‏

حثثت الخطى نحو القبر بينما كان الأموات يروحون ويجيئون من أمامي وهم ينظرون إليّ بشفقة، وحين وصلت إلى القبر العاشر لم أجده.‏

سألت عنه أحد جيرانه قال : إنه يقوم بزيارة ملك الموت ثم أردف انتظره سيأتي قريباً‏

جلست أمام القبر وأسندت ظهري على جدار المقبرة وما هي إلا دقائق حتى أقبل.‏

كان منظره يثير الشفقة والرعب في آن معاً، فقد تحول رأسه إلى رأس حمار ولسانه إلى أفعى سامة ويداه أصبحتا شبيهتان بيدي كلب أجرب، وبعد أن حييته، قلت له : لماذا طلبت مني أن أزورك وأنت تعلم أنني لا أملك وقتاً كافياً لزيارة الأحياء فكيف تريد مني أن أقوم بزيارة الأموات.‏

قال : لكي ترى ما حل بي!!‏

قلت له ممازحاً: ما حل بك هو جراء أفعالك الخبيثة أليس كذلك؟؟‏

قال : نعم .. نعم.‏

قلت له مستفسراً: أريد أن أسألك حين عينت مديراً تجارياً ادعيت أمام المدير العام بأنك سوف تشن حملة شعواء على المفسدين أليس كذلك؟؟ ، وأنك ستخلص الوطن من الأشرار الذين شوهوا سمعته، ونهبوا المواطن، لكن ما فعلته زاد الطين بلة فقد كثر اللصوص وازداد الفساد وقل عدد الشرفاء، وأصبح الوطن يعاني من أمراض اقتصادية وعلل إدارية لا قبل له بها فلماذا حدث ما حدث ؟؟‏

قال : إنني على قناعة تامة بقول الشاعر:‏

لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها‏

إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا‏

وقول شاعر آخر:‏

إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً‏

فشيمة أهل البيت كلهم الرقص‏

ولما لم أكن قادراً على الوصول إلى رأس الأفعى ولا إلى رب البيت الضارب بالطبل لأن دونهم عقبات كأداء وذئاب شرسة وكلاب حراسة أتقنت فن النباح، فإنني اقتنعت بضرورة اجتثاث جذور الشرفاء منطلقاً من مقولة " اشتدي يا أزمة تنفرجي" واشتدت الأزمة ولا أشك بأنها سوف تنفرج.‏

قلت : هل أفهم منك أنك كنت حريصاً على مصلحة الوطن والمواطن لأن بعد اشتداد الأزمة لا بد أن يأتي الفرج.‏

قال : لا .. لا .. أنا لا تهمني مصلحة الوطن ولا أكترث بمصلحة المواطن .. ما يهمني هو مصلحتي فعندما يكثر اللصوص سيغض الرقيب الطرف عن دناءتي وخستي ولن يعرف ـ أمام هذا الركام من اللصوص ـ ما ارتكبه من حماقات وطيش بحق الوطن، صحيح أن اللصوص حين يكثرون تقل الغنيمة بيد أن المثل يقول " بحصة تسند جرة " كما أنني على قناعة تامة أن أكون لصاً أفضل من أن أكون الغنيمة.‏

قلت: وهل تعترف بأنك كنت دنيئاً وخسيساً ولصاً.‏

قال بوقاحة : نعم.‏

قلت : ألا ترى أنك تعترف بما يأنف الرجل أن يوصم به.‏

قال : في عالمكم الطهارة والعفة هدف وغاية أما في عالمنا فقد انتهى كل شيء .. عالمنا بلا زمن .. بلا قيم أخلاقية .. بلا دموع وجوع وقهر ... بلا عروش وحكام وجنرالات وقادة .. بلا فقراء وأغنياء .. بلا ..‏

قلت له مقاطعاً: على رسلك يبدو لي أن لعالمكم مقاييس أخرى غير موجودة في عالمنا .. على كل حال سأقوم بزيارتك مرة أخرى لكي تحدثني عن عالمكم فقد أثرت لدي شهوة المعرفة.‏

ودعته وانصرفت.‏

وما إن خرجت من المقبرة حتى سمعت صوت فحيح أفعى رددت صداه المدينة الآثمة.‏

احتراز‏

لا علاقة للأسم الوارد في القصة بالواقع وإذا كان هناك ما يشبهه في الواقع فهو محض مصادفة‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244