|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
بردى يعاتبني ـــ عبد الكريم السعدي حاذيته ومشيت معه حتى واكبته. حدجني، بطرق عينيه ذارفاً منهما دمعاً سخياً وهو يعاتبني بحرقة المتألم في حزن تشبّع بالمرارة والأسى. فهمت ما عناه وما رمى إليه وكأنه يقول لي: افعل شيئاً خير لك من أن تصاحبني دون إيجابية يا صديق الطفولة القديم فكم صادقني أمثالك من البشر ومشوا إلى جانبي، وعاشوا معي منذ آلاف السنين وما فعلوا بي مثلما فعلت أنت وأمثالك من الغابرين لأعوام قليلة خلت. كاد الاستغراب يستحوذ علي لأنني لم أفعل شيئاً يؤذيه، ويقض مضجعه ويؤلم إحساسه ويؤرق خاطره، ويوجعه إلى حد المرارة والأسى لكن، والحق يقال، لديه الأسباب كلها التي تجعله حانقاً غاضباً تعيساً مما أصابه وألمّ به وعاناه، كنت طفلاً صغيراً أسير مع والدي رحمه الله في الخمسينيات عندما اصطحبني معه إلى العاصمة وأنا مندهش في تلك الأيام عندما فتحت عيني على حركة المدينة وزخمها والحافلات التي تمر فوق السكك الحديدية مخترقة الشوارع، والتي يسمونها «الترومواي» والعربات البسيطة التي تجرها الجياد وغيرها، والناس في حركة دائبة طوال النهار، ولكن استغرابي ودهشتي، وعجبي تعاظمت خاصة عندما حاذيته ووالدي وأنا أرى صفحة الماء الرقراقة تتماوج متلاطمة بين جانبيه، والزوارق تجتازه جيئة وذهاباً تحمل فوقها العديد من الركاب بالأجر استمتاعاً برحلة نهرية صغيرة ثم يهبطون على إحدى ضفتيه ليصعد آخرون في تناوب يستمر حتى الليل، والنهر يزخر بمائه الدفاق حتى أعلاه. سألت والدي هل هذا بحر يا أبي؟ وأنا أسمع عن النهر والبحر ولم أرهما في حياتي، ولم أبلغ يومها السادسة بعد ـ أجابني: هذا نهر بردى يمشي في دمشق المدينة الكبيرة الحلوة، إنها تاريخي يا بني ولكن البحر أكبر من النهر، نهر بردى عاصرته زمناً طويلاً قبل الآن أنا وجدك عندما كنا نأتي زائرين بغرض شراء بضاعة، أو ألبسة، أو حاجيات، ثم نعود إلى صفد مسقط رأسينا، وما بين سورية وفلسطين رمية حجر، فقرب صفد من الشام كان أسهل علينا من الذهاب إلى مدينة أخرى في فلسطين للتسوق كحيفا ويافا وعكا أحياناً، وهكذا كانت العلاقات متبادلة بيننا وبين إخواننا في الشام، والمصالح متشابكة والعلاقات والنسب متداخلة. قلت لوالدي: ولماذا نحن هنا إذاً يا أبي؟ هل نحن في زيارة قصيرة؟! قال: أتمنى ذلك من كل قلبي وإن كنا في ضيافة إخواننا وبين أهلنا ونحن على خير ما يرام، والشام طفولتنا وشبابنا وحياتنا وسعادتنا، استشهد جدك في صفد بعد أن أودعنا عند صديق له يسمى عقيل يونس في بنت جبيل وما كان ليترك صفد أبداً والحرب بيننا وبين اليهود مشتعلة، وهمه أن يبعد الأطفال والنساء ليتفرغ للجهاد مع رفاقه الثوار. قلت: وأنتم لماذا لم تبقوا هناك للدفاع والجهاد معه أيضاً؟ قال: أنا وعمك محمود وعمك محمد خرجنا لنوصلكم إلى صديق جدك، وعندما عدنا وجدنا جدك وجماعته استشهدوا في آخر معركة. سقطت صفد وفلسطين بيد اليهود، وما كان منا إلا أن تسللنا بكل حذر متجنبين رشقات الرصاص التي كادت تطال بعضنا إلى أقرب مكان آمن نستطيع معه مواراتهم بثيابهم في القبور التي حفرناها لهم جميعاً ونحن نقرأ آيات الجهاد والشهادة. جدك ما كان ليفارق الأرض أبداً وقد طلب الشهادة قبل مغادرتنا لنوصلكم وكانت هذه أمنيته الأخيرة. ثم أردف قائلاً: (كم جلست أنا وجدك في هذا المكان الذي أجلس عليه أنا وأنت اليوم...) سقطت عبرة على خده ثم انحدرت تلامس وجهي فقلت: وهل تبكي أنت يا أبي؟ قال: ومن لا يبكي يا بني؟... اليوم ونحن بجانب النهر الحبيب افتقدت جدك وافتقدت الأرض وافتقدت صفد كذلك التي تستقبلنا متى عدنا وتباركنا متى مضينا... أفهمت يا بني؟ قلت: وأنا نصف غارق بشرود شدّني على الرغم من أنني أتخيل شكل صفد التي يذكرها، نعم. نعم. يا أبتي فهمت. الرجال لا يبكون مثل الأطفال عندما يفقدون لعبهم، ولكنهم يتأثرون على فقد ما هو عظيم وكبير وغال... توفي والدي وقبله جدي، وطوت الخرساء أمماً تعاقبت على نهر بردى عبر السنين كلها شهدت بهاءه وشبابه الذي لم يشخ أبداً قبل الأوان، وها أنا قد راقبته زمناً طويلاً لأربعين حولاً خلت، وصادقته محباً وفياً، أرعى خفقات قلبه وهمساته وتطاوله عبر الدهر بدءاً من منبعه ومجراه في الغوطة وحتى مصبه في الغوطة الشرقية في بحيرة (العتيبة). كان صديقي وموئل أسراري وبهجة نفسي وألق دمشق وحياة الغوطتين. وها أنا اليوم ومنذ سبعة أعوام أو ثمانية أراه على غير ما كان عليه، وقد تغير حاله وحالي. فقد جئته لأبثه أسراري كعادتي، وأنعم بقربه، وأهنأ بصفاء مائه وخرير تدفقه، فاستهجن قدومي، وقد حاذيته حتى تواكبنا متلاصقين، وقد شعرت بالدمعة التي سقطت من عين والدي حزناً على جدي تذكرني ببردى الذي دمعت عينه، وهو يرمقني يائساً حزيناً كئيباً حانياً هرماً لتسقط كالجمر في سويداء قلبي وهو يعاتبني... أجئتني لتبثني أسرارك؟ وقد غار مائي، ونضب خيري وجف عطائي، فأين أحفظ لك أمانتك؟ وأين أحتفظ لك بسرك وقد صرت كما ترى وآل حالي إلى ما تشاهد؟! فوا خيبة أملي فيك إن لم تسعفني بمن ينفض عني شح السنين، وقذارة المِئين وقمامة الحاقدين. قلت: القصائد تمتدح عطاءك. ولا أظنك شخت إلى هذا الحد، فالسماء لم تنضب وها هو عطاؤها قادم، ولا بد للنبع أن يمتلئ وتسعد بما كنت عليه من حبور وانطلاق كعادتك. قال: وكيف لي ذلك؟ وهذا الذي تراه في قعري ومجراي؟! أهذا حق الوفاء يا خليلي أم تلك عقوبة عليّ تحمّلها من أناس لم ينعموا بما قدمت؟ وهل جزاء الإحسان هو الجحود والنكران وأذية الجيران؟! قلت: نعم. أراك تحملت فوق المستطاع، وأصبحت مرتعاً للحشرات والبعوض، ومستودعاً للأوشال، ومكاناً للقمامة، ممن لم يأبه بك فَحَسِبَكَ سلة مهملات، فألقى فضلاته في مجراك. وحقك أن تعتب كثيراً وإن كانت الدولة جرّفت تلك الفضلات بسيارتها لشُحِّ المطر. لكن الله كريم وعطاء السماء قادم، فصبراً في هذا وتجمّل فإن بعد العسر يسرا. قال بردى: أجدك تقدم الموعظة وتنسى صحبتنا أهكذا تكون المعالجة وسداد الدين قلت: لا بأس، لا بأس، انتظر فالأيام قادمة، وتذكر أننا في أول الشتاء, وقد باشر الخير المعطاء تهطاله فلا تستعجل سعدك يا حبيب الغوطتين. حسنٌ أنا على الوعد إذاً حتى قابل الأيام وفيض الخير ورعاية الأحباء ولقاء العاشقين في وادي الجنان وعطر الرياحين وعبق الأزهار. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |